«أوتيلات» عاليه: حنين إلى أيام العزّ :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


«أوتيلات» عاليه: حنين إلى أيام العزّ

جريدة الأخبار اللبنانية
03-05-2017
منذ انتهاء الحرب الأهلية، تصارع «عروس المصايف» اللبنانية لاستعادة مجدها الغابر. في شوارعها، الجهود لتحقيق ذلك واضحة: الأبواب الخشبية للمحالّ التجارية رُمِّمت لتأخذ شكلاً ولوناً موحّدين كما في عشرينيات القرن الماضي. وأبنية الحجر الصخري لا تزال على حالها. لكنّ معالم كثيرة لم تعد موجودة كالفنادق التي ساهمت في تشكيل تاريخ عاليه السياحي «أيام العزّ»

لؤي فلحة
عند مدخل «أوتيل صبح»، تستقبلك صورة قديمة بالأبيض والأسود لزوار الفندق في ثلاثينيات القرن الماضي. يشير مالك الفندق عزت صبح إلى طفل صغير في الصورة: «هيدا أنا. من وقت ما وعيت عالدنيا وأنا بالأوتيل... وبعدني هون». الفندق العريق الذي تأسس عام 1925 على يد والد المالك الحالي لم يتغيّر كثيراً. واجهة المبنى الصخرية لا تزال على حالها، وألوان بلاط الأرضية المميزة لم تبهت، فيما السقف العالي والثريات المتدلية منه والتحف والقطع الأثرية في أرجائه تشي بالعزّ الغابر.

يعود الرجل الثمانيني بذاكرته إلى «أيام العزّ» عندما كان الفندق يعج بالسياح والزوار؛ من بينهم كبار الشخصيات كالرئيس السوري هاشم الأتاسي وسياسيون سوريون وعراقيون وأمراء خليجيون. يروي ذكريات كثيرة عن رواد الفندق: ««قبل أشهر، زارنا زوجان عجوزان من العراق. قالا إنهما تعارفا هنا قبل خمسين عاماً». ويضيف ممازحاً: «بعدن كإنّن عرسان جداد... ووضعهم تمام»! لكن «أوضاع الأوتيل مش تمام أبداً». فالفندق الذي يفتح أبوابه صيفاً، بين شهرَي أيار وتشرين الأول من كل عام، افتقد منذ سنوات زحمة الزوار. «المواسم السياحية السيئة اضطرتنا إلى إغلاق 3 طبقات من المبنى المؤلف من خمس، وإلى الاكتفاء بعاملتين إثيوبيتين بعدما كنا نوظّف سابقاً العشرات».

ويؤكد صبح أنه «لو لم أكن أملك المبنى لكنت أغلقت الفندق منذ فترة طويلة».
ما لم يفعله مالك «أوتيل صبح» أقدم عليه مالكو «أوتيل الجبيلي» الذي كان يعتبر واحداً من أجمل فنادق عاليه والمنطقة بفضل تصميمه الهندسي المميز. فيما كان مصير «أوتيل طانيوس»، الواقع في وسط المدينة والمعروف بتاريخه العريق، الهدم. ولتأسيس هذا الفندق قصة كفاح بطلها صاحبه طانيوس الشمالي الذي كان يعمل نادلاً في أحد مطاعم بيروت، تمكن من توفير بعض الأموال وحصل على قرض، ليشتري قطعة أرض شيّد عليها فندقه.


أسماء كـ«شاهين» و«عويس» و«باكبو» و«بانوراما» لا وجود لها إلا في الذاكرة
وقد حقق نجاحاً كبيراً بسبب إدخاله تقنيات عصرية عليه يومها، كصالة السينما الملحقة به، إضافة الى تنظيمه حفلات ناجحة. خلال الحرب الأهلية، تعرض الفندق للقصف ليخرج من الخدمة. ومع فشل مشاريع ترميم الفنادق القديمة واستثمارها في تأمين مردود مالي كبير، قرّر مالكوه الجدد هدمه وتشييد فندق ضخم وعصري مكانه، محتفظين باسم «طانيوس» لما له من قيمة معنوية في المدينة. حالياً، بات المشروع في مراحله الأخيرة بعدما استغرق إنجازه سنوات عدة.
قبل الحرب الأهلية، كانت فنادق «عروس المصايف»، عاليه، تستقبل القيادات السياسية العربية والمحلية، وكبار فناني العالم العربي كفريد الأطرش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وغيرهم الذين أحيوا حفلات فنية في صالات الفنادق أو في «كازينو بيسين عاليه»، وهو من المعالم السياحية الأساسية في المدينة. ولم تقتصر علاقة هؤلاء بعاليه على إحياء الحفلات، إذ غالباً ما كانوا يمدّدون إقامتهم للتمتع بطقسها المنعش صيفاً، لتضيق الفنادق التي يقيمون فيها بمحبيهم ومعجبيهم.
كانت عاليه وجارتها بحمدون الوجهتين المفضلتين للسياح العرب الذين كانت الفنادق والشقق المفروشة تضيق بهم، فيفيضون على منازل أهالي البلدتين. طبيعتهما الجبلية وطقسهما المعتدل صيفاً وقربهما إلى العاصمة بيروت وتوافر الخدمات السياحية الأساسية فيهما كالفنادق والمطاعم والمقاهي، كله عزّز مكانتهما مركزين أساسيين للسياحة والاصطياف. لكن كل هذا قضت عليه الحرب. بعدها، شهدت عاليه، خصوصاً، انتعاشاً استمر حتى عام 2005. اغتيال الرئيس رفيق الحريري وعودة الانقسامات السياسية إلى البلاد فرملا الانتعاشة، قبل أن تقضي عليها الحرب السورية والأوضاع المتأزمة في المنطقة.

حالياً، لا يتجاوز عدد الفنادق القديمة «الشغّالة» في المدينة أصابع اليد الواحدة بعدما كانت تضم العشرات منها، وبعضها يعود إلى أكثر من 150 عاماً. أسماء فنادق كـ«شاهين» و«عويس» و«خيدوية» و«باكبو» و«بانوراما» وغيرها لم يعد لها وجود إلا في ذاكرة كبار المدينة، فيما احتلت الفنادق الحديثة والعصرية المشهد السياحي. لكن الفنادق، القديمة والحديثة على حد سواء، تشترك في الشكوى عينها: قلة الزوار، إضافة إلى قِصر الموسم السياحي. إذ يندر وجود السياح في المدينة خلال فصل الشتاء. «أوتيلات» عاليه، في زمن مضى، كانت «دجاجة تبيض ذهباً»، فيما هي، اليوم، بالكاد تسدّ رمق أصحابها، وتصارع من أجل البقاء.

«دموع الحب» في «الجبيلي»... وعبد الوهاب «حرامي»


يعيد كتاب «عاليه في التاريخ»، لمؤلفه منصور أنيس جابر، بداية الاصطياف في المدينة الى عام 1897 عندما مرّ خط سكة الحديد الذي يربط بيروت بدمشق فيها. ويشير الى أن ميشال حبيب بسترس بنى أول قصر في عاليه عام 1885 ليحذو عدد من الأثرياء حذوه، فتحوّلت المدينة شيئاً فشيئاً إلى مركز للاصطياف يعج بالفنادق والمطاعم. ويعدّد جابر أبرز الشخصيات التي زارت المدينة، ومن بينها الجنرال شارل ديغول وإمبراطور الحبشة هيلا سيلاسي، والملك السعودي فيصل بن عبد العزيز والملك الأردني حسين بن طلال وغيرهما من القادة والأمراء والشيوخ العرب.
ويلفت جابر إلى أن لكل فندق من فنادق عاليه القديمة قصة مميزة مع زواره الكبار. فأثناء تكريم الفنان محمد عبد الوهاب في فندق «طانيوس»، وقف الشاعر الشعبي البيروتي عمر الزعني صارخاً: «شو هيدا؟ جايين تكرموا حرامي؟». عندها نهض عبد الوهاب غاضباً ومتسائلاً: «إيه ده؟ إيه ده؟»، وهمّ بالخروج، ليسارع الزعني قائلاً: «نعم حرامي. سرقت قلوبنا وعقولنا». ويذكر جابر أن عبد الوهاب صوّر عدداً من مشاهد فيلم «دموع الحب» في فندق «الجبيلي»، فيما غنّت صباح في فندق «طانيوس» عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها، واعتادت أسمهان إحياء حفلاتها في «كازينو بيسين عاليه»، كما بنت قصراً فيها لا يزال قائماً إلى اليوم.
ويروي جابر أن أمير الشعراء أحمد شوقي والأخطل الصغير وشعراء آخرين كانوا يقيمون في فندق «الجبيلي». وفي أحد الأيام، خرج شوقي في نزهة، فيما كان الأخطل ورفاقه في انتظاره في الفندق للذهاب إلى دمشق لرثاء إحدى الشخصيات. وبعد تأخر، وصل شوقي وعلامات الخوف تعلو وجهه، وتوجه إلى الأخطل: «كدت ترثيني يا بشارة. حصل معنا حادث مروّع نجونا منه بأعجوبة». وعندما توفي شوقي رثاه الأخطل بهذه الأبيات:
شوقي أتذكر إذ عاليه موعدنا
نمنا وما نام دهر عن مقادره
وأنت تحت يد الآسي ورأفته
وبين كل ضعيف القلب خائره
ولابتسامتك الصفراء رجفتها
كالنجم خلف رقيق من ستائره
ونحن حولك عكاف على صنم
في الجاهلية ماضي البطش قاهره
سألتينيه رثاء خذه من كبدي
لا يؤخذ الشيء إلا من من مصادره

تسع صالات سينما
قبل الحرب الأهلية، كانت عاليه، رغم صغر مساحتها، تضم تسع صالات سينما بالكاد تستوعب زوار المدينة في موسم الاصطياف. أبرز تلك الصالات: «الجبيلي»، «ميامي»، «الساحة»، «أمبير»، «طانيوس» و«صبح». الأخيرة، بحسب عزت صبح، «كان يُطلق عليها صالة العشّاق كونها كانت ملتقى الأحبّة». اليوم، تخلو المدينة من أي سينما بعدما أقفلت كل الصالات أبوابها.


New Page 1