برّي يدقّ ناقوس الخطر... الحدود تتغيّر والجغرافيا أيضاً :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


برّي يدقّ ناقوس الخطر... الحدود تتغيّر والجغرافيا أيضاً

دافيد عيسى
16-05-2017
سياسي لبناني

لفتني واستوقفني كلام واقعي وخطير صادر عن رئيس مجلس النواب نبيه برّي، لم يكترث له كثيرون وسط المعمعة الإنتخابية ولكنه يعكس وطنية وقلقاً ومشروعاً بشأن ما يجري في المنطقة من مخططات مشبوهة، ويطلق صرخة تحذيرية للتنبّه الى المخاطر المحدقة بلبنان والى عواقب الأزمة والخلافات الداخلية اذا تمادت واستمرّت في منحاها الراهن ولم تصل الى حلول وتسويات، فقد نُقِل عن الرئيس بري قوله: ما يجري في المنطقة يفرض عليّ ان أطلق صرخة: انتبهوا يا اخوان، المنطقة يجري تشكيلها من جديد، الحدود تتغير والجغرافيا ايضاً، تمعّنوا جيداً في ما يجري، أخشى انهم يرسمون التقسيم ويحاولون «تقسيم المقسّم» والمؤسف ان هناك من لا يرى سوى مقعد نيابي هنا ومقعد هناك، انتبهوا «شحطة قلم» يمكن ان تؤثر في لبنان.
الرئيس نبيه بري السياسي العتيق والمحنك يملك رؤية ثاقبة وهو محقّ في ما يبديه من قلق وريبة وما يحذّر منه وينبّه لأن ما يجري في المنطقة وتحديداً في العراق وسوريا يفيد انها مقبلة على تغييرات جذرية في «الخارطة الجغرافية السياسية»، وان الأمر لم يعد يقتصر على تغيير في الأنظمة وانما يتجاوز ذلك الى تغيير داخل الدول وفيما بينها، في تركيبتها وحدودها.

العراق وسوريا انتهيا كدولتين مركزيتين

وبات واضحاً وثابتاً ان الوضع في العراق وسوريا لن يعود الى ما كان عليه قبل الحروب والتدخلات الخارجية، وان العراق وسوريا انتهيا كدولتين مركزيتين قويتين ويُعاد تشكيلهما من جديد على قواعد فدرالية وتقسيمية وان الوجه الآخر للتقسيم على ارض الواقع او كأمر واقع هو تقاسم النفوذ والمصالح في هاتين الدولتين العربيتين من جهات اقليمية ودولية، وهذه العملية دخلت مراحل نهائية ومتقدمّة بعدما استنفذت كل المراحل والتدخلات واستُخدمت كل الوسائل لإنضاج «طبخة التقسيم»، حتى يُخيّل الينا ان اقتحام «داعش» للمسرح العربي والمشهد العسكري والأمني كان جزءاً من عملية الإنضاج على نار قوية وحرق المراحل.
واذا كانت خطوط التقسيم قد ارتسمت في العراق تحت عنوان الحل الفدرالي الذي تطرحه الولايات المتحدة، وسيأخذ اشكاله الرسمية والقانونية بدءاً من كردستان العراق ومشروع الإستفتاء الشعبي على مستقبل هذه المنطقة الكردية ومصيرها، فإن خطوط التقسيم في سوريا بدأت ترتسم على الأرض، والخارطة السورية الجديدة بدأت معالمها ومناطق النفوذ فيها تتضّح تباعاً على ايقاع تدخلات خارجية مباشرة كان اقواها التدخل الروسي وكان آخرها التدخل الأميركي، مروراً بالتدخل الإيراني والتركي وصولاً الى الدخول الإسرائيلي الجوي على خطّ الحرب.
وما يحدث في سوريا بعد معركة حلب الكبرى وبعد التغيير الطارئ على الإستراتيجية الأميركية في المنطقة، ان العملية والمفاوضات السياسية خرجت عن إطار جنيف وأخذت منحى آخر وعبر مسار جديد سُمّي «مسار آستانة» ولم تعد تبحث عن تسوية سياسية للأزمة لإعادة بناء سوريا، دولة ومؤسسات ونظاماً ومجتمعاً، وانما صارت تتعاطى مع الواقع كما هو وتفصّل حلولاً وخرائط على قياسه، وهذه المقاربة الواقعية تفضي الى تقسيم امر واقع، وقد يكون الإتفاق على المناطق الآمنة الأربعة اولى مؤشراته.
ومن السهل رؤية سوريا تتقسم وتتوزّع حالياً الى خمس مناطق نفوذ: واحدة حدودية في الشمال ومركزها إدلب وهي منطقة نفوذ لتركيا. وثانية حدودية في الجنوب ومركزها درعا وهي منطقة نفوذ مشتركة للأردن واسرائيل برعاية اميركية، وثالثة في الشرق من الرقة الى دير الزور وهي منطقة نفوذ للولايات المتحدة الأميركية التى ترعى الأكراد، ورابعة في الساحل وهي منطقة نفوذ لروسيا التي تقيم قواعد بحرية وجوية على شاطئ المتوسط، ومنطقة خامسة كبيرة هي منطقة نفوذ لإيران في وسط سوريا تشمل المدن الكبرى وهي دمشق وحمص وحماه وحلب وكل المناطق الحدودية الموازية للبنان.
سوريا المدمرة المقطّعة الأوصال تقف عند مفترق طرق حاسم وتواجه أسوأ وأخطر ازمة وأوضاع في تاريخها.

لبنان ليس في منأى عن خطر التقسيم

لبنان ليس في منأى ولا في مأمن عمّا يجري في سوريا وانما هو معني مباشرة بالتطورات المتسارعة في البلد الأقرب اليه ويتلقى انعكاساتها واخطارها بما فيها خطر التقسيم الذي يمكن ان يتسلّل من جنوب سوريا الى الشريط الدرزي الممتدّ من القنيطرة والسويداء الى وادي التيم في لبنان، وخطر بقاء النازحين السوريين حيث هم خصوصاً في شمال لبنان (عكار وطرابلس) الذي صارت فيه اعداد السوريين تعادل اعداد اللبنانيين وربما تفوقها مستقبلاً، إضافة الى خطر الإرهاب المتربّص عند الحدود الشرقية في جرود عرسال ورأس بعلبك او المقيم في المخيّمات الفلسطينية لاسيّما مخيّم عين الحلوة.
الحريق السوري يقترب من لبنان وحرارته ترتفع، «طبخة التقسيم» وصلت رائحتها الى لبنان وموضوعة على نار قوية، كل ذلك يجري من حولنا وفي محيطنا ونحن عنه غافلون ومغفّلون، لاهون ولاهثون وراء مقاعد نيابية او مكاسب وصفقات مالية، فما يحدث في المنطقة من إعادة تركيب للمعادلات وإعادة تشكيل للدول والحدود كافٍ لإشعارنا بخطر داهم ولدفعنا الى تحصين اوضاعنا بدءاً من إنهاء ازمة قانون الإنتخاب التي اصبحت مسرحية ممّلة وتقع على عاتق المسؤولين والقيادات مهمَة إنقاذ الوضع و«العهد» وإعادته الى السكة والإتجاه الصحيح عبر إجراءات عاجلة تحفظ الإستقرار العام وترتكز على ثلاث اولويات:
1- دعم المؤسسات العسكرية والأمنية وتوفير كل المستلزمات والإمكانات لمحاربة الإرهاب وتثبيت الأمن والإستقرار. وتبرز بنوع خاص اهمية وضرورة الإلتفاف حول الجيش اللبناني الذي اثبت قدرة فائقة على محاربة الإرهاب ودرء خطره واستخدام الأسلحة والتقنيات الحديثة ليصبح الجيش الأكثر خبرة والأفضل اداءً بين جيوش المنطقة وفق ما ابلغه قادة عسكريون اميركيون لقائد الجيش العماد جوزف عون في زيارته الأخيرة الى واشنطن.
2- التجديد لحاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامه لأنه الأقدر والأكثر خبرة في مواجهة كل انواع الأزمات والضغوط التي تهدّد الإستقرار النقدي والمالي والمصرفي وبالتالي الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي. واي تأخير وتباطؤ وإهمال في هذا الموضوع لم يعد جائزاً ولا مقبولاً لأنه يزيد من حجم القلق على المستقبل.
3- الإتفاق على قانون جديد للإنتخاب في اسرع وقت ممكن وقبل الوصول الى خط النهاية والفراغ الخطير والقاتل، فإذا كان التوافق حصل على «اللاءات» الثلاثة: لا للفراغ، لا للتمديد، ولا لقانون الستين، فإن التوافق على قانون جديد للإنتخاب صار امراً حتمياً، اذ لم يعد هناك من خيار آخر، ومن شأن اتفاق كهذا ان يحدث انفراجاً ويعزّز حال الإستقرار ويسحب فتيل التوترات الطائفية والسياسية ويقفل الثغرات والمنافذ التي يمكن ان تتسلّل عبرها الرياح الإقليمية، ومن الطبيعي ان اي قانون جديد سيكون مبنياً على قاعدة تأمين التمثيل الشعبي الصحيح والتوازن الوطني والشراكة الفعلية في الحكم.
كفى استمهالاً واستهتاراً واستخفافاً. وكفى تسويفاً وانتظاراً ورهاناً على متغيّرات ستكون على حسابنا جميعاً وليس لمصلحة احد. لبنان ليس جزيرة معزولة وانما يتفاعل مع محيطه ويتأثر بأحداثه، والقيّمون والمسؤولون في لبنان عليهم ان يبادروا ويتحركوا ويتفقوا قبل فوات الأوان وحتى لا يبقوا في وادٍ فيما المنطقة كلها في وادٍ آخر.


New Page 1