العناية الصحية: حقُّ المواطن ومسؤولية الجهاز الطبّي والدولة :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


العناية الصحية: حقُّ المواطن ومسؤولية الجهاز الطبّي والدولة

جورج يونان
11-07-2017
ضجة كبيرة جذبت انتباه الرأي العام إلى العناية الصحية في لبنان، بعد الحادث المؤسف الذي أودى بحياة صبية في عز شبابها، خلال عملية تجميل في إحدى المؤسسات الصحية في لبنان. وقد يُخيَّلُ للبعض بأنه حادث مستقل ونادر، وقد يكون له أيضاً أمثلة تتكرر بشكلٍ وبآخر ولكن من دون ضجة إعلامية لأن الضحايا ليست لهم مكانة براقة على سلم الحياة الاجتماعية كما كانت لهذه الضحية وكما تمتع به هذا الطبيب.

في لقاء لي مع زميل على مقعد الدراسة، سألته، حين تولّى رئاسة نقابة الأطباء في لبنان، عما إذا كانت هناك آلية للنقابة لمراقبة العناية الصحية في المستشفيات في لبنان للتأكد من الجودة في الممارسة المهنية ولتجنب أخطائها الكارثية التي قد تحدث في أيٍّ من المستشفيات، وفي أي مكانٍ في العالم، والتي هي معروفة في المجتمع الطبي العالمي، فقال لي بأنه ليست هناك أية آلية وقائية، وليس هناك أي تنسيق مهني بين النقابة والجهاز الإداري (شاملاً الجهاز التمريضي) في المستشفيات، إنما النقابة تحقق فقط حين تقع الكارثة فتأتي بالعقوبات التأديبية. ولكن حتى هنا النقابة لا تحقق إلا إذا كانت هناك شكوى، والشكوى قد لا تأتي من الناس وهم بأغلبيتهم من المغلوب على أمرهم ولا إمكانيات لديهم لمتابعة الأمر.
وكلنا نعرف ما حدث منذ سنة أو سنتين وهو اعتصام الأطباء في نقابتهم على أثر توقيف أحد زملائهم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ففي السنين الماضية أيضاً كانت الناحية الاقتصادية (تكاليف العناية الصحية) هي الحدث السائد: الإضراب العام للمستشفيات في لبنان ورفضها التعامل مع الضمان، والجدل القائم بين الأطراف المعنية حول التعرفة الصحية، مؤسسة الضمان، الدولة من خلال مخصصات وزارة الصحة وميزانيتها، المؤسسات الاقتصادية، المستشفيات والجهاز الطبي ككل، والنقابات (المستشفيات تهدِّدُ بالتوقف عن استقبال المضمونين إذا لم تُقَرُّ زيادة التعرفة، «النهار»،22 آب 2012/ الفاتورة الاستشفائية المرتفعة في لبنان تستدعي سياسة صحية شاملة. المستشفيات الخاصة تتقاضى أكثر من 700 مليار ليرة سنوياً، ملحق النهار 26 نيسان 2012).
في زيارتي الأخيرة للبنان جاءتني مواطنة بإضبارتها الصحية، وفي هذه الإضبارة كان هناك تقريران لتخطيط صوتي للقلب خلال فترة ستة أشهر مع توجيه للمواطنة بإعادة التخطيط الصوتي سنوياً. التقريران أظهرا تعضُّلاً زائداً في العضلة القلبية غالباً ما نراه عند الذين لديهم ارتفاع في الضغط الشرياني: Left Ventricular Hypertrophy.
هذا التعضُّلْ قد يتلاشى تدريجياً مع الزمن بمجرد معالجة هذا الضغط الشرياني. في كل مرة تكلفت المريضة، ومن جيبها الخاص خمسمئة دولار، بينما كلفة التخطيط الصوتي القلبي في الولايات المتحدة هي مئتا دولار وهي أرخص من ذلك بكثير في الدول الأوروبية، وفي حالتها ليس هناك داعٍ لإعادته كلَّ ستة أشهر، بل قد يسمحُ بإعادته مرة كل 3-5 سنوات إذا اقتضت الضرورة وإذا سمحت به شركة الضمان الصحي.
العاملان المحركان لهذه الأشياء كلها هما: أولاً حقُّ المواطن في العلاج الناجع وفي حماية هذا المواطن. وثانياً مسؤولية الجهاز الصحي والدولة في تأمين هذا الحق وهذه الحماية.
لن نبحث في قصة القضاء، والحاجة إلى قضاءٍ طبي. فهذا يقتضي بحثاً آخر.
في حديثٍ لي مع أحد رؤساء الجامعات اللبنانية، التي تملك مستشفى في بيروت، حين تقابلنا في نيويورك، خريف عام 2011، قلتُ له بأن العناية الصحية ليست مسؤولية وطنية فحسب، كمسؤولية الدفاع، ومسؤولية التعليم، لا بل، من حيث هي حقٌ من حقوق المواطن وحاجة إنسانية، أصبحت شأناً عالمياً، كحقوق الإنسان في الحرية، وكالاقتصاد والتجارة الحرة، ولبنان مقبلٌ عاجلاً أو أجلاً على التعامل مع هذا الواقع. وفي الحقيقة وعلى أكثر من عقدين من السنوات، يورد الدكتور وليد عمّار في كتابه «Health system and Reform In Lebanon» الذي أصدره المركز الإقليمي لشرق الأبيض المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية، بأن الدولة اللبنانية كانت أول دولة في المنطقة حاولت أن تضع برنامجاً لتأهيل العناية الصحية، إلا أن هذه المحاولة وقعت فريسة المحسوبات السياسية والطائفية، كما هي الحال مع كل القطاعات في الدولة اللبنانية.
يقول راينهولد نايبور Reinhold Niebuhr إنَّ ما يتحكم في مصادر القوة في أي من المجتمعات المتطورة إنما هو الاقتصاد وليس القدرة السياسية أو القدرة العسكرية. ومن هذه الناحية، فإن الممارسة المهنية في الطب لها وجه اقتصادي، وقد بدأ هذا الوجه بالظهور شيئاً فشيئاً في السنين الأخيرة في الولايات المتحدة وفي بلدان أخرى، من حيث أن الطب مهنة لكسب العيش كأي مهنة أخرى، وكي تستمر المهنة وتتطور، عليها أن تأخذ في الاعتبار، وكأي عمل مهني آخر عوامل الكلفة وتوازنها مع عوامل الربح وعوامل الإنتاج في قطاع له تأثير كبير على الاقتصاد القومي.
ولنأخذ النظام الصحي في الولايات المتحدة كمثيلٍ لما هو سائدٌ في العرف الطبي العالمي الآن، فقد تطلعت الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة، في عهد الرئيس باراك أوباما، وتحت ضغط الكلفة الزائدة للعناية الصحية، إلى خفض النفقات بما قدره 1.2 تريليون دولار. قسمٌ كبيرٌ منها نفقاتٌ على الرعاية الصحية.
بالرغم من تقدم العناية الصحية في الولايات المتحدة، وبغض النظر عن برنامج الرئيس باراك أوباما وتفاصيله المعقدة والتي لا مجال هنا لبحثها، هناك تسليم عام يشمل كلَّ القيادات السياسية في الولايات المتحدة بأن العناية الصحية في الولايات المتحدة فيها شروخ إلى درجة التفتت تضع عبئاً كبيراً على الاقتصاد القومي، وبأن هناك حاجة ملحَّة إلى مراجعة وإعادة بناء، وإلى آلية دائمة في التقييم والمحاسبة. ففي النظام الصحي السائد كثيرٌ من الهدر، يبلغُ حوالى 20% من مجموع كلفة العناية الصحية. وهناك إلحاح من جميع الأطراف لوقفه، فكيف باقتصاد مهتز كالاقتصاد اللبناني. والآلية التي تؤدي إلى تجنب هذا الهدر ترتكز على الشفافية والجودة في الممارسة المهنية، والجودة في الممارسة المهنية تتطلَّبُ التزاماً بنتائجِ أحدث الأبحاث والاكتشافات الطبية التي أصبحت مسلماتٍ راسخةً في الثقافة الطبية، وتجنب الإسراف في الإنفاق الذي لا طائلَ منه، من حيث أنه يضيفُ أعباءً غير ضرورية على الاقتصاد القومي. وهذه الآلية هي نفسها كفيلة بالحفاظ على سلامة المريض ومعالجته علاجاً شافياً.
إنَّ نسبة التضخم في كلفة العناية الطبية الآن في الولايات المتحدة هي حوالى 4.5% في حين أن نسبة زيادة الدخل القومي هي أقل بكثير من ذلك. واستمرار الحالة كما هي سيؤدي إلى خللٍ في الاقتصاد القومي. ومن جهة أخرى، فإنَّ تخفيض هذا التضخم إلى 3.5% يمكّن الإدارة الفيدرالية من إيفاء 25% من ديونها وتخفيضه إلى نسبة 2.5% سيمكّن الإدارة من إيفاء نصف الدين وتخفيضه إلى نسبة أصغر قد يساعد على إيفاء الدين كلَّه.
إن معدل كلفة العناية الصحية، للفرد، في الولايات المتحدة هي حوالى 8200 دولار في السنة، وهي أعلى نسبة في العالم مع أن مستوى العناية الصحية هو في المرتبة السابعة. فالعناية الصحية تأكل أكثر من 13% من الدخل القومي، وإذا استمرت الحال كما هي الآن فقد ترتفع هذه النسبة إلى 31% عام 2035 وإلى 46% عام 2080.
أحد العوامل التي ستسوق هذا الخط البياني صعوداً هو زيادة نسبة المسنين في الولايات المتحدة. فحالياً تبلغ نسبة الذين يتجاوز عمرهم الـ65 حوالى 13%، بين هؤلاء نجومٌ معروفون في المجتمع كالرئيس دونالد ترامب، والمغنية شير Cher، والممثل سيلفستر ستالون، والمغنية لايزا مينيلِّي Liza Minnelli، ومغنية الكاونتري ميوزيك دولِّي بارتون Dolly Parton. هذه النسبة الـ13% الآن سترتفع إلى 20% في عام 2030. والعامل الآخر الذي يسوق هذا التصاعد هو الهدر، إذ يقدَّرُ الهدرُ في الجهاز الصحي بين 600-850 بليون دولار. 40% منها مصاريف لا مبرر لها تصرف على مضادات الحيويات الغالية والأشعة والفحوصات المخبرية، التي لا ضرورة لها إنما يستعملها الأطباء والمستشفيات لدرء الدعاوى القضائية المرتبطة بتهم سوء العناية الصحية. وهناك 19% ترجع إلى الاحتيال في استعمال التعرفة في الخدمات الصحية والكسب غير المشروع عن طريق البراطيل والخوات بين الأطباء. هناك 17% من الهدر بسبب عجز وعدم فعالية الإدارات المشرفة على المستشفيات. هناك 12% من الهدر بسبب الأخطاء أثناء ممارسة العناية الطبية، أخطاء قد تؤدي أحياناً إلى وفاة المريض. وهناك 6% من الهدر بسبب فقدان التناسق بين الأطباء وقطاع التمريض وإدارة المستشفيات. وهناك 6% من الهدر بسبب المرضى الذين يُدخلونَ إلى المستشفيات بلا ضرورة وبلا استحقاق وهذه العلة شائعة في لبنان.

من يعتقد أن مثل هذا الهدر غير موجود في لبنان أو في العالم العربي فهو واهم. ففي لبنان هناك زيادة في عدد المستشفيات الصغيرة التي أُنشئت ليس لضرورات صحية ولكن لغايات تجارية، ومعظم هذه المستشفيات الصغيرة هي مستشفيات خاصة، يملكها أطباء، وفيها نقصٌ في التجهيزات اللازمة للعلاج في الحالات الخطيرة التي تتطلب عناية مشددة، كما أن فيها نقصاً في عدد الممرضات الكفوءات، ونقصاً في المعدات والكفاءات في أقسام الطوارئ. وفي موازاة ذلك هناك فائض في عدد الأطباء الممارسين (طبيب لكل 200 مواطن) مما أدى إلى زيادة عدد المنتظرين حول قالب الحلوى في الوقت الذي بقي حجم هذا القالب على حاله، لم يكبر بسبب الحرب والكوارث الاقتصادية التي نتجت عنها. كما أن متطلبات العناية الصحية قد تزايدت عدة أضعاف بسبب زيادة عدد المسنين وزيادة الأمراض الناتجة عن ذلك كمرض السكري وأمراض القلب والشرايين، وحالات السرطان بأنواعه. وفوق ذلك كله فإن ثقافة الوقاية الصحية ليست عميقة في المجتمع، إذ تزداد حالات البدانة والسمنة بسبب الإفراط في الطعام، وتنتشر عادة التدخين، وهناك إفراطٌ في استعمال الملح في الطعام، وهناك إهمال في معالجة ارتفاع الضغط الشرياني.
لكلِّ هذه الأسباب فإن توفير العناية الصحية المتكافئة (يقولُ المدير العام للصحة) يصبح أمراً عسيراً أمام المخصصات الزهيدة لهذا المشروع. وهناك حاجة إلى تقييم كُلّي لعملية الممارسة الطبية من الناحية المهنية. إنها تحتاج إلى إصلاح جذري وتأهيل.
وقد بدأت الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة عملية إعادة النظر في نظام الرعاية الصحية بهدف إصلاحه. والإصلاحات ستشمل: 1ـ قطاع التأمين الصحي بكلِّيته. 2ـ قطاع الخدمات الصحية وآليته. 3ـ عملية التعويض المهني أو تعرفة الخدمات الصحية. 4ــ التركيز على الشفافية في آلية إعداد الخدمات الصحية. 5ــ التركيز على التكنولوجيا والالتزام بالإضبارة الإلكترونية للمريض.
1 ـ قطاع التأمين الصحي: هناك نوعان من الضمان الصحي في الولايات المتحدة وفي لبنان أيضاً: الضمان الاجتماعي Social Security الذي تؤمنه الدولة والضمان الخاص الذي يقع على عاتق المريض، فهو إما أن يدفع من جيبه، أو عن طريق الاشتراك في شركات تأمين خاصة مباشرة أو عن طريق رب العمل. في الولايات المتحدة للدولة مسؤولية كبيرة تجاه المواطن لأنها تقتطع من راتبه، وطوال سنين عمله، نسبةً معينة تذهب إلى صندوق الضمان الاجتماعي Social Security، وحين يتقاعد فإن 80% من ضمانه الصحي. Medicare يُدفع من هذا الصندوق والباقي 20% يقع على كاهل المريض.
أما النوع الثاني للضمان الصحي فهو الذي يؤمِّنُهُ المريض بنفسه عن طريق مستخدِمِهِ أي رب العمل أو عن طريق التعاقد مباشرة مع شركات التأمين الصحي الخاصة.
ولأن القطاع الصحي شكّل عبئاً كبيراً على الاقتصاد الوطني بسبب الهدر الذي ذكرناه عملت الدولة والشركات الخاصة أيضاً في العقدين الماضيين على إنشاء أجهزة مراقبة طبية لدرس أحقية المعالجة في المستشفيات مستخدمةً مؤشرات وأسساً Guidelines وضعتها لجان الجودة المهنية المنبثقة من كل منظمات الاختصاص الطبي Professional Organizations. وقد امتدت هذه المراقبة لتشمل العيادات الخاصة لتقنين الصور المكلفة من محورية، وذرية، ومغناطيسية. وقد تعتمد الدولة وشركات التأمين قريباً بالتخلص من جهاز المراقبة المكلف، وبالفعل فإن الإدارة الفيدرالية في الولايات المتحدة تخطط لتعرفة صحية سنوية واحدة تدفعها للجهاز الصحي (مستشفيات وأطباء) عن كلِّ مريضٍ، وتتفاوت بتفاوت أمراضهم وشدَّتها. وهذا ما يسمى بالتحزيم أو Bundling: لقد شرعت الدولة اللبنانية حديثاً بمراقبة عمل المستشفيات لوقف الهدر، ومكافحة الفساد والغش، وما على الجهاز الطبي إلا المشاركة في هذا المسعى بتفعيل المسلمات المهنية Guidelines في ممارسة الرعاية الصحية وبالتشديد على الشفافية في طلب الفحوصات المكلفة. فمسؤولية العناية الصحية يشارك فيها الجميع، من دولة، وشركات تأمين، وأطباء ومستشفيات، وقطاعات التمريض وأرباب العمل. هذه المسؤولية يجب أن يدركها كل الأطراف المعنية في الرعاية الصحية في لبنان.
2 ــ إصلاح قطاع إمداد وتوفير العناية الصحية بالتركيز على سلامة المريض.Do no harm وبالتكامل في وظيفة توفير وإمداد العناية الصحية ما بين الجهاز الطبي، والقطاع التمريضي، وإدارة المستشفيات: Interdisciplinary Clinical Integration Network. وبالاستعانة، في ممارسة العناية الصحية، بآخر المستجدات التي توفرها الأبحاث والاكتشافات الطبية والعلمية: Evidence Based Medicine. وبتأسيس ما يسمى بمركز الابتكار والتحديث: CMS Center of Innovation.
3 ــ إصلاح عملية التعويض عن الخدمات الطبية، بالتركيز على النوعية والجودة في الأداء لا على الحجم أو العدد أو الكمية:
Pay-For Prformance.
وستغدو التعرفة الصحية (أو عملية التعويض عن الخدمات الصحية) في الولايات المتحدة مرتبطة بعاملين: عامل الجودة الذي يشكِّلُ ثلثي التعرفة، وعامل التقويم الذي يكونه المرضى عن الطبيب وعن المؤسسة الصحية وهو يشكل الثلث الباقي. وفي كلا الحالتين هناك عقوبات وهناك مكافآت. فالتعرفة الصحية قد تنخفض بسبب سوء الممارسة والنتائج السلبية، وقد تعلو حين تكون الرعاية الصحية جيدة وفعَّالة وهذا ما ستقوم به ما يسمَّى بـ«مجموعات الرعاية الصحية المسؤولة»:
Accountable Care Organizations: ACO.
وقد بدأت المستشفيات والمجمعات الطبية المحيطة بكل منها بعمل جماعي في هذا المضمار.
إن القاعدة التي انطلقت منها هذه المنظمات هي المسلمة المعروفة بأن الإنسان في عمله كل يوم تحركه دائماً حوافز وطموحات، ومن هذه الحوافز يأتي الحافز المادي الذي هو في طبيعة كل إنسان مهما كانت درجة التقشف والقناعة عنده. خصوصاً في هذا العصر التي تزداد متطلبات الأسرة، وتشتدُّ الضغوط الاجتماعية. لهذا فإن المهنُ سواء كانت فردية، أو جماعية منضوية في شركات للإنتاج، أصبح هدفها الأول والأهم هو المستهلك. ويقول أحد الخبراء بإدارة العناية الصحية توماس كَسِلّسْ Thomas Cassels بأن القيِّمين على الرعاية الصحية (من مستشفيات وأطباء)، وقبل عقد من الزمن ازدادت أرباحهم بالتركيز على زيادة عدد المرضى الذين يأمون مشافيهم وعياداتهم، مما زاد من تكاليف العناية الصحية، مع أن هذه العناية لم تتقدم من حيث النوعية ولم تترجم في نتائج أفضل للمرضى وحالاتهم المرضية، وزيادة هذه التكاليف أدَّت إلى زيادة العبء على ميزانية الدولة وشركات التأمين الصحي والذي بدوره أدّى إلى زيادة العبء الضريبي على المستهلك. من هنا أتت الحاجة إلى التركيز على المستهلك (المريض) في الرعاية الصحية، واستنباط البرامج الصحية التي هدفها الأول التركيز على سلامة المريض وبأقل كلفة، هذا التركيز حصيلته كسب ثقة المريض مما يؤدي إلى تقويم إيجابي من قبله، والتقويم الإيجابي يكافأ برفع قيمة التعرفة الصحية، وهذا حافز للجهاز الطبي لأن يستمر في التركيز على النوعية (الجودة في العناية) بدلاً عن الكمية.
وقد نشرت جريدة «وول ستريت» مقالاً حول هذا الموضوع لتبيان أثر التقويم الذي يعطيه المرضى، عن كلِّ طبيب وعن كلِّ مؤسسة صحية، على التعرفة الصحية.
هناك العديد من المؤسسات التي تراقب العناية الطبية في الولايات المتحدة والتي تجري إحصاءات عن مدى ارتياح الناس إلى المؤسسة الاستشفائية وتقييمهم لها:
The Leapfrog Group.
The Institute of Health Care Improvement.
The New Jersey Hospital Association Institute For Quality and Patient Satisfaction.
The Joint Commission for Hospital accreditation (JCAHO).
Agency For Healthcare Research and Quality(AHRQ)
The National Quality Forum (NQF)
Quality Improvement Organization.(QIO).
Veterans Health Administration,(VA).
Centers for Medicare,Medicaid Services(CMS).
American Osteopathic Association (AOA)
Det Norske Veritas Healthcare INC.(DNV).
International Standards Organization(ISO).
3 ــ التركيز على الشفافية في الأداء، وللبوليس الفيدرالي الآن دور كبير في الكشف عن عمليات المقايضة والرشوة والخدمات الخيالية والكاذبة. وقد ذكرنا مقدار الهدر الموجود في هذا المنحى. ففي المستشفيات هناك ما يسمى بنافخي الصفارات Whistleblowers وهم عملاء للدولة، موظفون في المؤسسات الصحية بشكلٍ خاص، وفي القطاعات الأخرى للحكومة الفيدرالية بشكلٍ عام، تحميهم لا بل تكافئهم على تزويدهم السلطات الفيدرالية بأية تجاوزات في الجهاز الصحي. وقد اكتُشِفت عمليات فساد كثيرة أدَّت إلى سجن العديد من الأطباء.
5 ــ التركيز على إدخال الإضبارة الإلكترونية في المستشفيات وفي العيادات الطبية، الحكومة الفيدرالية تشجع ذلك وحتى أنها تتكفل ببعض الكلفة. والهدف هو إنشاء جهاز مركزي: Health Information Exchange Center.
هذا الجهاز يكون على مستوى الولاية أو على امتداد الولايات المتحدة كلها، يتلقى إضبارة المريض ويستعملها لِتَجَنُّبِ تكرار الفحوصات الباهظة (أمرٌ شائعٌ في لبنان)، ولتسريع عملية التشخيصِ حين يتنقَّلُ المريضُ من طبيب إلى آخر، أو من مستشفى إلى آخر (أمرٌ آخر شائعٌ في لبنان) أو من ولاية أو مدينة إلى أخرى.

وقد بدأت المستشفيات في الولايات المتحدة بسنِّ سياسات جديدة لدعم الجودة في الممارسة المهنية ولخفض الكلفة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المجموعات الطبية التي بدأت تتحالف مع بعضها البعض، أو تتحالف مع المستشفيات، لأن إمكانية العيادات الطبية التي يعمل فيها من 1-5 أطباء بالبقاء أصبحت ضئيلة، خصوصاً بعدما أصبحت الإضبارة الإلكترونية للمريض إلزامية ومُكلِفة.
عملية الإصلاح لا تتحقق إلا بجهد جماعي من قبل المستشفيات والأطباء وقطاع التمريض في تآلفٍ هدفُهُ: شراكةٌ في العمل، وشراكةٌ في الإنتاج، وشراكةٌ في الثروة. هذا التآلف يقتضي حواراً، ورؤية من أجل الأفضل في تصاعد بياني لا نهائي، ومجابهة جماعية للمشاكل التي تنخر جسم العناية الصحية، ويقتضي جهداً دائماً لتغذية المعرفة الطبية وتغنيتها.
وتغذية المعرفة لا تتحقق إلا بنظام يقيِّم عمله كل يوم، كل أسبوع كل شهر وكل سنة. وسنأتي على شرحٍ لهذه الناحية لاحقاً. والتقييم يؤدي إلى معرفة جديدة. والمعرفة تؤدي إلى التطور.
فلا بد من نظامٍ للعناية الصحية، وآلية لتطويرهِ . إن أي نظامٍ، سياسيٍّاً كان أو تعليمياً أو اقتصاديٍّاً لا يملك آلية للتطور هو نظامٌ جامد مصيره الفشل. والأمر لا يختلف مع الأنظمة الصحية.
واضحٌ بأن هذا المقال ليس موجهاً إلى الأفراد بل إلى نظامٍ مسؤولٍ عن العناية الصحية في المجتمع بشكلٍ عامٍ. فأولئك الأفراد الذين حققوا علاقة شخصية وثيقة مع أطبائهم لا علاقة مباشرة لهم بهذا الموضوع.
التقييم ليس هدفه النهائي التدوين أو التأريخ. التقويم يعتمدُ على جمع المعلومات، وإحدى أهداف جمع المعلومات هو البحث عن القواسم المشتركة، فحركة المجتمع ليست قائمة على تحولات خصوصية مستقلة. والعالم الفرنسي بيير شارل الكساندر لُوي قال بنظرية التلازم أو الترابط أو العلاقة المتبادلة في الإحصاء.
التقييم المستمر هو البداية لا النهاية، إنه مدخلٌ إلى قلب وقالب العناية الصحية لأن باستطاعته تقويمَ المسار، وهو في الوقت نفسه يزيد المعرفة من خلال الممارسة والنقد الذاتي. هذه المعرفة التي تمكننا، في المستقبل، من تفادي الأخطاءَ المتكررة ببناء مسارٍ جديد.
كي تتحقق عملية التطوير لا بد من ثلاثة أشياء أن تتحقق:
1-إرادة التطوير ضمن عملٍ جماعي.
2-الاعتماد على مؤشرات الجودة
َQuality indicators
تستعمل مؤشرات الجودة كأسلوب تقييم تلقائي في خطة عمل جماعي. مثلاً تخفيض نسبة الوفيات في لبنان، تخفيض النفقات بالتركيز على التشخيصات المتكررة والتي تؤدي إلى إدخالات غير ضرورية إلى المستشفيات. المؤشرات في الرعاية الصحية كثيرة ولا تحصى. المهم اختيار ما يتعلق منها في عملنا اليومي.
3 ــ آلية للممارسة ولتقييم العمل الجماعي تدرسُ النتائج، سلبية كانت أم إيجابية، وتأخذ العبر وتؤدي إلى معرفة جديدة، تحسِّن الممارسة الطبية وتقوِّمُ مسارها في سعيها إلى خدمة المريض بشكل خاص والمجتمع بشكلٍ عام.
المعرفة نافذة تبدأ ضيِّقة ثم تتوسع من خلال مؤشرات للجودة تطرحُ وتُختبرُ من خلال الممارسة، ومن خلال تقييم النتائج النهائية، سلبية كانت أم إيجابية، مما يؤدي إلى معرفة جديدة. ثم تعاد الدورة من خلال مؤشراتٍ جديدة وهكذا دواليك ، فتكبر النافذة وتتوسع الدائرة(دائرة الأربع م: مؤشِّر- ممارسة- مداولة- معرفة).
في دائرة المعرفة، وخلال الستمئة سنة الماضية، لم يخرجُ العالم العربي من مراوحته في دائرة صغيرة. الإدارة ليست سلطة تحلُّ محل سلطة أخرى. الإدارة معرفة تُكتَسبُ بالممارسة من أصغر وحدةٍ في المجتمع، إلى أكبر مركزٍ في الدولة وتتطور مع التجربة والخبرة.
الحقيقة أن المعرفة لا تزداد بشكل دائري - أفقي وإنما تتمد بشكل كروي، أي في كل اتجاه.
ليس هناك شكٌ بأن الجسم الطبي في لبنان بأفراده يملك إمكانيات أكاديمية هائلة متطورة في ثقافتها العلمية، وهو ملمٌ بآخر الاكتشافات في مجال الأدوية والطريقة الصحيحة لاستعمالها لخدمة المريض. وهو ملمٌ، أيضاً، بالتقنية الطبية الحديثة، التي تتوافر في معظم المستشفيات في لبنان، على الأقل ضمن حيز جغرافي مناسب للمريض. إنما العناية الطبية مفتتة أيضاً في لبنان، أكثرَ مما هي في الولايات المتحدة، فليس هناك جهاز مهني يرسم سياسة طبية وينسق هذا الجسم الطبي، ويربطه مع الجسم الإداري للمستشفيات وللدولة، ومع القطاع التمريضي، في عملٍ جماعي لخدمة المريض، وبالتالي لخدمة المجتمع، وخدمة الاقتصاد الوطني وحماية ثروة المجتمع.
الجسم الطبي يملك إمكانيات أكاديمية هائلة، ولكنه يحتاج دائماً إلى عملية تطعيم دائمة. هذا الجهاز لا يملك نظاماً لاكتساب المعرفة من خلال التدوين، ومن خلال الممارسة والتجربة استدلالاً بمؤشراتٍ الجودة وليس له أية رغبةٍ في دراسة ما دُوِّن وتمحيصه كي ينتهي إلى استنتاجاتٍ سلبية كانت أم إيجابية. عمله الجماعي ينحصر في التكتلِ تحت مظلة نقابته، وهي ليست أكثر من جهازٍ ذي وظيفتين: 1)، وظيفة حماية مصلحة أفراده، لا وظيفة حماية المواطن-المريض .2)، ووظيفة العقاب والتأديب في الحالات الشاذة. أي أنها تتدخل بعد حدوث الضرر، ولا تملك الإمكانيات الإدارية لمراقبة الطبيب في المستشفيات لدرء الشطط والضرر قبل حدوثهما في مسعى لحماية المواطن-المريض. النقابة في أي نظامٍ مجتمعي هي حماية مصلحة العضو وليس مصلحة المواطن الذي يتلقى الخدمة.
قال أنطون سعاده في «محاضراته العشر»: « إن النقابات أصبحت في الأخير وتصبح قريباً دائماً، من وجهة نظر سياسية، معسكراً حربياً غايته دائماً الحرب، وطلب المزيد من غير أي تقدير عقلي أو منطقي للنتائج». ويتابع: «النقابة لا يمكن أن تنظر فيما تحتاج إليه موازنة الدولة لمواجهة الحالات العصرية المعقدة. هي تطلب الزيادة كالطفل من غير تقدير لما يُطلبْ، من غير تفكير فيما يطلب».
كادت النقابات العمالية أن تقضي على صناعة السيارات في الولايات المتحدة.
أثناء العاصفة التي ضربت ولاية نيوجرسي في شهر تشرين الثاني من عام 2012 انهارت شبكات الأسلاك الكهربائية المعلقة، وانقطع التيار الكهربائي في معظم أنحاء نيوجرسي، والولايات المجاورة، كلِّياً، ولمدة تتراوح بين أسبوع واثني عشر يوماً، وقد تساءل الناس لماذا لا تُبنى هذه الشبكة في أنفاق تحت الأرض لحمايتها من عوامل الطبيعة، والجواب كان أن ذلك سيؤدي إلى تخفيف أعمال الصيانة التي هي مصدر رزقٍ للفريق النقابي العامل، وهذا شيٌء حاربته النقابات العمالية ولا تزال تحاربه لا بل إنها منعت تنفيذه بواسطة نفوذها الكبير في الإدارات السياسية من فيدرالية ومحلية.
الجهاز الإداري للمستشفيات، مع أنه يملك إمكانيات أكاديمية عالية أيضاً، إلا أن هدفه الأوحد هو التركيز على الوضع المالي للمؤسسة، وخصوصاً إدخال أكثر عددٍ ممكن من المرضى إلى المستشفى، وهو الذي يؤدي إلى عبءٍ مالي على الدولة، وإلى اختلال في الاقتصاد الوطني.
ثم إن ثقافة الأفراد بشكل عام هي ثقافة الاستعلاء (التي لا يخلو منها الجهاز الطبي والقطاع التمريضي)، التي ترى صعوبة كبيرة في التواضع للانحناء إلى حاجات المريض اليومية. وهذا ما يحتاج إلى فكرٍ قيادي ذي رؤية وإيمان تتجاوز الفروق الاجتماعية، وتلتزم بمصلحة المريض فوق كل مصلحة فتحافظ على سلامته وعلى راحته من حيث أن هذه المهمة هي مسؤولية وطنية والتزام باحترام الحقوق الإنسانية. مفهوم المريض للعناية الصحية الجيدة لا يقتصر على دقة التشخيص ووصف الدواء الشافي فحسب، بل يشمل طريقة المعاملة، والوقت الذي يكرِّسه الطبيب في الحديث مع المريض وجهاً لوجه لإزالة قلقه، وأشياء أخرى قد لا تكون مهمة بمفهوم الطبيب ولكنها مهمة عند المريض وعائلته.
ليس هناك تناسق بين الجهاز الطبي والقطاع التمريضي مع أنهما مشتركان في العناية بالمريض وحمايته، الجهاز التمريضي خاضع للجهاز الإداري للمستشفيات ومصلحته المالية، وفي الوقت نفسه هو جهاز طبي بالممارسة فقط.
أما الدولة فهي قاصرة. فليس هناك جهاز إداري مثقف كافٍ، يستطيع أن يستوعب تحولات العناية الصحية، وينسق بين قطاعات الجهاز الصحي بشكلٍ عام. في كثيرٍ من الدول أصبحت العناية الصحية مسؤولية وطنية كالدفاع وكالتربية والتعليم. وإنَّ عدم وجود هذه السياسة يؤدي إلى الهدر، وإلى أعباء اقتصادية ليس لها مبرر، وتعودُ بالضررِ على المجتمع.
الخلاصة: ليس هناك عملية تقييم في القطاع الصحي في لبنان لأن:
1-الإرادة غير موجودة. العناية الصحية مشروع فردي بين الطبيب والمريص.
2-والرغبة أيضاً غير موجودة في البحث عن مؤشرات الجودة وتبنيها في أي مجال من مجالات العناية الصحية، لأن ذلك يقتضي التزاماً ووقتاً من الأطباء لا يدرُّ عليهم أي مال ويحتاج إلى دراساتٍ وجمع معلومات. كان من الواجب على الدولة أن تخصص ميزانية له وأن تكون النقابة وإدارات المستشفيات ملتزمة بتطبيقه. فليس هناك التزام كليّ ورغبة في زيادة المعرفة من خلال الممارسة الجماعية وتجربتها.
3-ليس هناك نظامٌ ينسِّقُ بين الدولة والجهاز الإداري والجهاز الطبي والقطاع التمريضي في أية محاولة لعمل جماعي لوقف الهدر، والالتزام بالمصلحة الوطنية، وإيجاد تنظيم لحماية المواطن الذي يطلب العلاج. فهذا يتطلَّبُ:
-رؤية قيادية.
-أهدافاً استراتيجية.
-إدارة ملتزمة، فعَّالةً وكفوءة.
هذه الرؤية القيادية للممارسة الطبية في لبنان، ولأية ممارسة في أي مجالٍ من المجالات الأخرى، تنبعُ من «نظراتٍ في أفُقِ التجربة» (والتعبير لخالدة سعيد) غير متوفرة في أي مشروعٍ جماعي لحماية قدرات المجتمع وضمان رفاهيته وديمومته في المستقبل. فالجسم مترهل، يعيش على تجارب الآخرين، وليس هناك أهداف استراتيجية، وبالتالي لا طموحات، وحين تنفقد الطموحات لا يكون هناك أي التزام.
رأسمال لبنان هو الجودة في كل شيء، والقطاع الصحي كخدمة وطنية، وكمورد اقتصادي يأتي من المرضى الذين يقصدونه من البلدان المجاورة، له تأثيرٌ كبير على الاقتصاد الوطني، والتأثيرُ، من جهة، يأتي من الهدر المستمر في الممارسة السيئة، ومن جهة أخرى، من فعالية التسويق كبضاعة جيدة متوفرة للإنسان الساكن في الحيز الجغرافي للمنطقة.


New Page 1