الحركة النقابيّة المستقلّة ضرورة وطنيّة :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


الحركة النقابيّة المستقلّة ضرورة وطنيّة

الديار- خالد حدادة
16-07-2017

استراحة سنة، كانت كافية لأعيد نفسي للكتابة. هذه العودة، اعتبرها شكلاً من أشكال المساهمة في مقاربة ما يجري على المستويات العالمية، العربية واللبنانية. وهذه العودة الأسبوعية، أمنتها مشكورة صحيفة «الديار»، ليكون التفاعل والحوار على صفحاتها ومع الآخرين، مناسبة أعتقد أنها ضرورية في الفترة الراهنة.
والبداية كانت مقررة مع معالجة الوضع في المنطقة، وتحديد المهام التي اعتقدها ضرورة في هذه المرحلة الانتقالية الخطيرة من حياة شعوبنا. ولكن حدثاً جرى في البلد خلال الأيام الماضية، دفعني لتأجيل الموضوع الأول، لأسبوع واحد. الحدث، هو انتخابات نقابة المعلمين في التعليم الخاص والنقاش الواسع الذي استحقته تلك الانتخابات وبشكل خاص وجها الموضوع، إئتلاف قوى السلطة ونجاح لائحتها والوجه الآخر، خسارة نقيب المعلمين نعمة محفوض بفعل ائتلاف هذه القوى.
ما دفعني للنقاش، هو بعض الأفكار التي جرى تناولها خلال هذا الحدث.
أكثر ما لفتني في هذا النقاش، أن كثيرين ناقشوا من موقع المستنكر والمستغرب لموقف أحزاب السلطة وكأن في الأمر مفاجأة أو كأن البعض ومن موقع التعاطف مع النقيب محفوض كان ينتظر أو يراهن على موقف آخر لهذه القوى. وبشكل خاص كأنه كان يأمل بأن تؤيد هذه القوى أو بعضها، محفوض وزملاءه.
هذا المنطق يحتوي على ثغرتين، فيهما دلالة على قصور في فهم طبيعة العمل النقابي، ودوره وعلاقته مع السلطة. الثغرة الأولى لها علاقة بالتاريخ، حيث أن معركة السلطة ضد العمل النقابي بدأت منذ سنوات مع وضع اليد على الاتحاد العمالي العام، وبعدها على روابط المعلمين في التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية. أمّا الثغرة الثانية، فتدل على قصور في فهم تطورات الواقع السياسي وبشكل خاص، انتهاء مرحلة ما بعد 2005 والانقسام بين 8 و 14 آذار.
لقد وعت قوى السلطة تماماً، وبارشاد واشراف واضحين من المجموعة المالية-الاقتصادية المتحكمة في البلد. وعي، أن خلافها غير مسموح في مجال الموقف من القضايا المطلبية والاقتصادية-الاجتماعية. وإذا كانت القوى المصرفية والمالية، عاجزة، بفعل الانقسام الحاد في المنطقة، عن ايجاد موقف سياسي لدى أهل الحكم، يوحد نظرتهم حول تطورات المنطقة، فأن «تكليفها الطبقي» لهم بحماية مصالحها (ومصالحهم)، عبر الحفاظ على النظام الطائفي ومستتبعاته، هذا التكليف قادر على تأمين وحدتهم للدفاع عن النظام، في السياسة، عبر توافقهم على قانون الانتخاب وفي الاقتصاد، عبر تصديهم لمطالب الفئات الشعبية وتحديداً عبر وضع اليد على العمل النقابي بكامل أطره.
إن هذا القصور، دفع بعض قوى المعارضة الديمقراطية، لارتكاب عدة أخطاء في هذا المجال. أهمها الاعتقاد أو المراهنة على «أخلاقيات» أهل السلطة وهذا ما نتج عنه الفجيعة تجاه محاصرة الاستاذ حنا غريب ومن بعده الاستاذ نعمة محفوض. إن سبب هذا الرهان عدم التقدير على أن دعم بعض قوى السلطة لغريب ومحفوض في معاركهما السابقة، كان ناتجاً عن قدرة قوى اليسار حينها وخصوصاً في ميدان التعليم، على الاستفادة من تناقضات أهل السلطة وبالتالي التحالف الانتخابي مع بعضها وأيضاً عن ميزان القوى السابق. وهذا ما ساعد في نجاح القوى النقابية المستقلة في المراحل السابقة. أما وأن الوضع قد وصل مع حراك هيئة التنسيق إلى الخط الأحمر الذي حددته «الهيئات الاقتصادية» فأن الموقع الطبقي لكل التركيبة دفعها للتوافق وأخذ قرار وضع اليد على هذه الهيئة ومكوناتها.
الخطأ الثاني والأهم، هو انجرار القوى النقابية المستقلة إلى الساحة التي حددتها السلطة للعمل النقابي. وبالتالي عدم الذهاب إلى مناقشة جوهر العمل النقابي ودوره في الصراع الاجتماعي مع قوى السلطة، الممثلة السياسية لرأس المال اللبناني. وأحد أشكال الانجرار إلى الساحة التي اختارتها السلطة، هو الهجوم على أفراد الهيئة التعليمية الذين نفذوا قرار «أحزابهم» وفي ذلك تكريس لفرز سياسي، يضعف موقع نقل الصراع إلى القضايا المطلبية لجميع المعلمين مما يضعهم كلهم في مواجهة السلطة ولاحقاً في مواجهة أحزابها.
والشكل الثاني، الاستمرار في الرهان على «وحدة العمل النقابي» وإعطائه المضمون الذي تريده السلطة. سواء على مستوى العمل النقابي العمالي أو على مستوى المعلمين والموظفين. إن خلق الأطر النقابية الديمقراطية المستقلة، كان واجباً منذ سنوات. وشيء إيجابي، ولو أن هذه القوى كانت مجبرة بفعل هزيمتها في انتخابات الثانوي، هو تأسيس هذه القوى للتيار النقابي المستقل في ميدان المعلمين.
وشكل آخر من الخطأ، هو وقوع بعض الأطر النقابية، حتى المستقلة منها، ضمن منطق «التمييز الفئوي» الذي يتحول أحياناً إلى صراع معطل لحركة المعلمين والموظفين وأحياناً يصل إلى «التمييز الطبقي» في التردد في قرار إنشاء «حركة نقابية ديمقراطية مستقلة» تضم العمال والمعلمين والموظفين والمتعاقدين والمتقاعدين وكل ذوي الأجر المحدود، يكرس منطق التعددية النقابية والاختلاف والتنافس بين القوى النقابية مهما تعدد انتماؤها السياسي، التنافس في تبني القضايا الاجتماعية لهذه الفئات، والنضال من أجل تحقيقها.
«الوحدة» كانت ضرورة عندما كان الاتحاد العمالي العام وروابط المعلمين، في موقع المعارضة وهو الموقع الطبيعي للعمل النقابي. أما الآن فأية وحدة في غياب الدفاع عن القضايا؟؟ الأولوية للقضايا الاجتماعية ومن يمثلها وليس الوحدة الشكلية.


New Page 1