"السياسة الكرويّة ما بين الإلهاء والديبلوماسيّة! " :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


"السياسة الكرويّة ما بين الإلهاء والديبلوماسيّة! "

أريج سليم الشيخ
12-08-2017
إن طبيعة النظام السياسي في أيّة دولة يلعب الدور الرئيس في اهتمامات المواطن ، وحرياته في الانتقاء ، ومدى حدود سقف هذه الاهتمامات .
الشباب هو المحرك الأساسي للأمم ، وصانع الحضارات ، والمؤثر الأكبر في الحياة ، وإنّ نشاطات الشريحة الفتية من الشعب هي التي تحدد طبيعة النظام الذي تعيش فيه وتعكس سياسته من خلالها .
نجد في الأنظمة الديمقراطية ، أنّ مستوى الحرية والتعبير عن الرأي و أخذه في عين الاعتبار مرتفع ، وبالتالي مستوى الاهتمامات لدى الشباب تكون واسعة وتدخل جميع تفاصيل الحياة الاجتماعية .
أما في الأنظمة الديكتاتورية التي تحاول أن تفرض سلطتها وسياستها القمعية بطريقة قسرّيّة على الشعب؛ فإنّها تحد من حرياته وتحدد سقفاً لاهتماماته وخطوطه الحمراء التي لا يجب أن يتعداها ويتعمق فيها !
في جمهورية مصر العربية تحدث مباريات كرة قدم تشدُّ انتباه الجمهور ، وتستحوذ على وقته واهتمامه ، ونجد الشاب المصري وإن تشاجر مع صديقه فذلك بسبب المباراة الأخيرة بين الأهلي والزمالك ، إن تجذر الخلافات ما بين الشباب لأجل الكرة ، وجعلها أهم الاهتمامات ، كان على حساب نسيان أولويات أبدى ، وتغافله عن نشاطات تخصُّ الحياة التي يعيشها بشكل مباشر، و إلهاءه عن سلطته الرقابيّة لأعمال الدولة وموقفه منها .
إنّ القادة السياسيين المصريين وأصحاب القرار والسلطة والمراكز المهمة ، ذوي الفكر المصلحي والديكتاتوري ، يعرفون كيف يجعلون الشعب يصطاد الطعم بسذاجة وبساطة ، ونقل التفكير من الامور السياسيّة والاساسيّة إلى تفاصيل الرياضة والإعلام وبرامج التواصل الاجتماعي والموضة وآخر موديلات السيارات واحدث التطبيقات والألعاب ، أو بحث عن عمل في ظل الكثافة السكانية الهائلة في مصر، وانهماك الشباب في تأمين لقمة العيش و...الخ .
إنّ لصدى الكرة غير المألوف في مصر علاقة بالمستولين على زمام الامور والمسخرين لكل شيء قد يخدم مصالحهم .
الشباب المصري كان بعيدا قبل ثورة يناير عن السياسة ، وعن اهتمامه بمن يحكمه ، ومن يصدر له القرارات ، ولمَ ، وكيف ، وماذا ، ومتى ؟!
كانت هذه التساؤلات غائبة عن الفكر الشبابي المصري ، الذي كان يفضل قضاء وقت ممتع في مباراة لمدة ساعتين على الاستماع لنشرة الأخبار أو لبرنامج سياسي تحليلي. إن التحكم بفكر المواطن المصري وتقييده وتضييق أفقه ، جعل من الكرة والرياضات الأخرى المنفذ الوحيد ؛ لتفريغ الطاقات الهائلة عنده .السياسون في كل مكان من هذا العالم يختارون الوقت والمكان والحدث الأنسب للقيام بتحركاتهم ، بعد تخطيط وتدبير مسبق ، وكما ذكرنا سالفا إن الاستغلال بوجهيه الإيجابي والسلبي للأحداث المعينة يحدّده قادة وسياسيو العصر ..إنّ أبرز مثالٍ عن الاستغلال للعبة الكرة ؛ لإرجاع العلاقات الديبلوماسية بين كوريا والولايات المتحدة الامريكية. وهذا ما حدث عندما كانت المباراة قائمة بين البلدين ، وبعد خلاف سياسي دام لفترةٍ طويلة ، وبواسطة السياسيين الحذقين استطاعت كوريا أن تنجح باستعادة علاقاتها الديبلوماسية مع الولايات المتحدة ، ومقعدها الدائم في مجلس الامن مكان تايوان ..وهنا نرى كيف أن الالعاب الرياضية لم تعد فقط للتسلية بل إنّ لها تبعات أعمق ونوايا خفية لمصالح فئةٍ ما .
مباريات الكلاسيكو بين الفريقين الملكيين الأشهر برشلونة # ريال مدريد من كان يعتقد أنّ هدفها فقط الترفيه ، ولم يلحظ بعد نوايّاها ، وأغراضها في اجتياح العالم وجذب انتباهه ، والحياز على الاهتمام الأكبر لدى الشريحة الشبابيّة خاصةً واستنزافها ممّا أدى إلى خللٍ بالأولويات ، وجعل الجيل الشبابي يفضل حضور لعبةٍ تنافسيّة بين الفريقين على موعدٍ مع العائلة او مع الحبيبة !!!
إنّ تأثير العاب الكلاسيكو وغيرها في كل دول العالم ، ليس عبثياً أبداً ، بل إنه ممنهج لإبعاد الاهتمامات الرئيسة ، فينشغل الشباب بهم عن عملهم وأولادهم وأزواجهم فيقعون بالمشاكل وينهمكون بحلها ، فلا يجدون وقتاً للالتفات للواقع السياسي ومؤسسات الدولة ، وينسون كونهم مواطنون ، من واجبهم الاشتراك بالعملية السياسية ، وممارسة دور الرقابة ؛ لمنع الفساد من الانتشار والسيطرة على كافة الميادين .
إنّ تحديد الأولويات بشكل صحيح ، والتعامل بحذر مع المواد المطروحة للمواطن ، ومحاولة معرفة غايتها ، أهي مفيدة أم أنها مجرد مضيعة للوقت وتدمير للذات وإلهاء لا داعٍ له، يجعل واقعنا يتغير حتماً.
ليس كل شيء كما يبدو عليه في عصر التمويهات والاستغلال لكل شيء لمصالح خفية يستخدم فيها المواطن كأداةٍ للوصول لغاياتٍ معينة .


New Page 1