ما هي التأثيرات النفسية على الأشخاص العالقين بين ثقافتين مختلفتين :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


ما هي التأثيرات النفسية على الأشخاص العالقين بين ثقافتين مختلفتين

يلي فرينسزي، تارا مارشال/ The Conversation تحرير : نواف رضوان
02-09-2017


ما هي وصفة السعادة الدائمة؟ يعتَبِر العديد من الناس علاقاتهم الاجتماعية كأحد أهم مكونات السعادة، فالأشخاص السعداء يمتلكون علاقات قوية ومُرضِية. ولكن إذا شعرنا بالرفض من الأشخاص المقربين لنا – كعائلاتنا وأصدقائنا – فإن ذلك قد يؤثر سلباً على مساعينا لتحقيق السعادة.

يُعتبر الأشخاص ثنائيي الثقافة، أي أولئك الذين يتفاعلون مع ثقافتين في نفس الوقت، عرضة لهذا النوع من الرفض. يصبح الناس ثنائيي الثقافة عندما ينتقلون من بلد لآخر، أو إذا ما ولدوا وترعرعوا في بلد ما مع أسرة تعود أصولها لمكان آخر. فعلى سبيل المثال، بالنسبة لطفل وُلد ونشأ في لندن من أسرة روسية، ستمثل الروسية بالنسبة لهم "ثقافة موروثة".

أظهرت الدراسات أن كونك ثنائي الثقافة يُعد سمةً ذات منافع كبيرة لأنها تجعلنا أكثر مرونة وإبداعاً في تفكرينا. ولكن قد يعايش ثنائيي الثقافة أثناء نموهم تصادماً بين عوالم متعددة. فيواجهون في بعض الأحيان انتقادات جرَّاء وقوفهم خارج حدود ما هو معترف به في ثقافتهم الموروثة. تجلى ذلك في الفيلم الصادر مؤخراً The Big Sick (المرض الكبير)، فكوميل نانجياني، وهو رجل من مواليد باكستان يعيش في الولايات المتحدة، يقع في حب الطالبة الجامعية إيميلي غوردون بدلاً من الامتثال لأمنيات أسرته بالزواج من امرأة من ثقافتهم.

يعبَّر عن تجربة الرفض هذه من الثقافة الموروثة بـ "التهميش الداخلي". يمر الناس بهذه التجربة عندما يتكيفون مع ثقافة جديدة بطريقة تمثِّل تهديداً لأصولهم الثقافية.

وفي فيلم Bend it Like Beckham (إثنها مثل بيكهام)، تُمنع البطلة البريطانية الآسيوية جيسماندر بامرا من قِبَل عائلتها عن لعب كرة القدم، وهي رياضة بريطانية لا تتلائم مع امرأة شابة في نظرهم. ومع سعي "جيس" لتحقيق حلمها سراً، تفقد شعورها بالسعادة وتتمزق بين هويتيها الإثنتين. تؤكد تجربتها، والتي تشبه تجربة العديد من ثنائيي الثقافة، على جانب مهمٍ في بناء الهوية، فهُم يسعون للتوائم مع ثقافة أسرتهم، ولكنهم يشعرون بالاحتجاب عنها بسبب العائلة والأصدقاء، بل قد يشعرون أنهم يخونون ثقافتهم الموروثة.

التغلب على الرفض

في دراستنا الجارية، نقوم بالبحث عن الطرق التي يقوم من خلالها الناس بالتأقلم والتغلب على تجارب الرفض من ثقافتهم الموروثة.

كي نفهم هذه التجربة المؤلمة، بحثَت دراسة أخرى حول مدى تأثير السمات الشخصية، مثل نمط التعلق، على الشعور بالتهميش الداخلي. فنمط التعلق يشكِّل كيفية تفاعلنا مع الآخرين في علاقاتنا الشخصية، فالأشخاص ذوي التعلق الآمن يعتبرون أنفسهم كأشخاص يستحقون الحب وأن الآخرين جديرون بالثقة، بينما يمكن للأشخاص ذوي التعلق غير الآمن أن يكونوا قلقين وحساسين من تهديدات الرفض، كما يمكن أن يتجنبوا وأن يشعروا بعدم الارتياح من التقرب والألفة.

يميل الأشخاص ثنائيي اللغة ذوي التعلق غير الآمن للشعور بتهميش أكبر من أصدقاءهم وعائلاتهم. قد يكون ذلك بسبب حساسيتهم من الرفض ولأنهم يعتبرون أنفسهم كأشخاص فشلوا في حمل التقاليد المتوقعة منهم في ثقافتهم الموروثة. فعلى سبيل المثال، قد يشعر بنغلاديشي من الجيل الثاني في بريطانيا بالخجل من عدم قدرته على استخدام اللغة البالنغالية بشكل جيد، أو قد يشعر الهنغاري الذي رحل إلى بريطانيا بتغير قيمهم الأصلية.

تعكس السمات الأساسية للشخصية كيف ينظر الأفراد لشعورهم بذواتهم بالعلاقة مع الآخرين. فمن الممكن أن نرى أنفسنا كأشخاص مستقلين عن الآخرين وفريدين عنهم، وأصحاب شعور قوي بالقوة الذاتية. وفي المقابل، من الممكن أن نرى أنفسنا كأشخاص مترابطين بالآخرين ومرنين، وهو ما يتغير بناءً على الظروف.

وجد الباحثون أن الناس الذين يملكون شعوراً مرناً بالذات تقل فرصة شعورهم بالرفض من ثقافتهم الأصلية، وذلك بالمقارنة مع الأشخاص الذين يمتلكون شعوراً مستقلاً بالذات. وهذا يعود لقدرتهم الجيدة على التوفيق بين هوياتهم الثقافية من دون الدخول في أي صراع.

كما يرتبط الشعور بمرونة الذات بسهولة أكبر في صياغة استجاباتنا وسلوكاتنا للظروف الاجتماعية المختلفة. هذا يعني أنه قد يجد هؤلاء الأشخاص سهولةً في اختيار الجوانب الأنسب في هويتهم في المواقف المختلفة. لذا من الممكن أن يتعاملوا مع ذات القيم برفقة عائلاتهم عندما يعدُّون أطباق الطعام التقليدية ويتناولون العشاء في المنزل، ومع مجموعة أخرى من القيم عند لعب كرة القدم مع الأصدقاء. وقد يُبدون استعداداً أكبر لتقبل فكرة تفاعلهم مع الثقافتين، من دون المخاطرة بذواتهم.

من المؤلم أن تتعرض للطرد

إن أولئك الذين يمرون بتجربة الرفض من ثقافتهم التقليدية قد يواجهون شعور الوحدة وفقدان الدعم، وهو ما يرتبط بالأعراض الإكتئابية وضعف الصحة النفسية والمزيد من التوتر. كما يمكن أن تُشعر الفرد بوجود صراع بين هوياته الثقافية.

قمنا في أحد دراساتنا البحثية في عام 2015 باستطلاع أشخاص من مختلف الخلفيات الثقافية حول تجربتهم مع التهميش الداخلي. وقد وجدنا أن أولئك الذين شعروا بالرفض من أصدقاءهم كانوا يميلون أكثر للتوافق مع أقصى السلوكات للدفاع عن ثقافتهم الموروثة، كالدخول في عراك مع من يزدريها أو حتى الموت من أجلها. قد يكون أحد أسباب ذلك هو أنها طريقة لتخفيف الشك وإعادة التأكيد على الهوية الثقافية.

قد يبدو التهميش أسلواً حاذقاً – توبيخٌ مؤدب لما ينبغي أن تتصرف به عائلة أو أصدقاء الشخص – ولكن قد يؤدي الإصرار على ذلك إلى إيذاء الأفراد وتخريب العلاقات والتأثير سلباً على الصحة النفسية.


New Page 1