زوجة ناجي العلي تتكلم .. :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


زوجة ناجي العلي تتكلم ..

موقع جريدة الشرق الأوسط
01-10-2017
يعود للزميل محيي الدين اللاذقاني الفضل في لقائي مع زوجة ناجي العلي، رسام الكاريكاتير الفلسطيني الذي يعيد المحققون، بعد ثلاثين سنة، فتح ملف اغتياله في لندن. قال إنهم جيران، فرجوته أن يأخذني إليها. وكنا في أوائل صيف 1988، ودم زوجها ما زال قريباً، لم تمضِ عليه السنة. وقد أخجلني فضولي، لأن السيدة وداد لم تتعود الحديث إلى الصحافيين. لذلك ابتلعت أسئلتي وتركتها تحكي حزنها؛ كلام امرأة لامرأة، ظل في أوراقي.
«أنا وناجي من المخيم نفسه؛ عين الحلوة. كان صديقاً لأخي. وصار النصيب. وبعد الزواج أحببته، لأنه كان إنساناً ممتازاً. سارت حياتي معه من منفى إلى منفى حتى وصلنا إلى لندن. ويبدو أنهم استكثروا علينا المنفى أيضاً. غاب وترك فراغاً كبيراً، لا في هذا البيت فحسب؛ بل في أكثر من مكان. وكل من يمسك جريدة يفتقد (حنظلة)، خصوصاً بعد تطورات الأحداث وقيام الانتفاضة. أتخيل كيف كان ناجي سيؤدي لها التحية وسيدعم برسومه سواعد الرجال والنساء وحجارة الأطفال... كيف كان سيستمر في كشف المنافقين الباحثين عن ملء الجيوب. هؤلاء هم أعداء الانتفاضة. فلو عاد الوطن إلى أبنائه؛ إلى الأرامل واليتامى وعوائل الشهداء، حينها يروح الانتهازيون دعْوَسَة.
لما أطلقوا النار عليه ورأيته فاقداً لوعيه في المستشفى، انهارت أعصابي وقلت كلاماً كثيراً لا أذكره. وفي اليوم التالي نقلت عني الصحف أنني صرخت: قتلك الجبناء. إن الذي طاف بنا في المنافي حتى أوصلنا هنا، هو الذي قتل ناجي. ثم انهالت علينا الرسائل والمكالمات والزيارات. أناس لم أسمع بأسمائهم يعرضون المساعدة. وكان فيض الحب عزائي وعزاء أبنائي في رحيل زوجي، مثلما كان عزاؤه وهو حي. وجدت نفسي مجبرة على التماسك من أجل أبنائي الأربعة، لكي أواجه المصيبة، وإلا سحقتنا جميعاً. قلت إنني لست أول من فقدت زوجاً، وأطفالي ليسوا أول من فقد الأب. إن شعبنا كله يتيم. وما زلت أعيد على الأولاد جملة كان أبوهم يكررها كثيراً: أنا مثل الجرّاح، لا أداوي الدمامل بالمراهم؛ بل أستأصلها من أساسها.
كنا في الكويت، أوائل السبعينات، وخشي ناجي أن نتعلم الرفاهية وننسى حياة المخيم، فجاء بـ(حنظلة) وأوقفه في لوحاته واتخذه صديقاً وشاهد عيان. و(حنظلة) ولد من دون ملامح. يشبه الملايين من أبناء هذه الأمة. يعيد تذكيرنا، كل يوم، بقضيتنا حتى لا تلهينا عنها مباهج الحياة والترف. وكان الناس يسألون زوجي: لماذا يدير (حنظلة) ظهره لنا؟ فيجيب: بل أنتم الذين تديرون له ظهوركم. إنه ينظر دائماً إلى أمام. كان صريحاً إلى درجة الجسارة. يُدعى إلى مجالس الناس الأبّهة فيحب أن يقول إنه من أبناء مخيم عين الحلوة، وإنه، حين ترك فلسطين، لم يكن يملك لباساً. تقصّ والدته أكياس الطحين الفارغة وتخيط منها سراويل له ولإخوته. وكم كان يسخر من أولئك الذين يخرجون للدراسة في أوروبا وأميركا، معتمدين على عرق الأمهات والآباء، حتى إذا حصلوا على الشهادات الكبيرة تنكروا لأمهم الفلاحة وخجلوا من أبيهم الذي لا يقرأ ولا يكتب.
وبقدر ما كان حاداً في رسومه، كان رقيقاً مع أبنائه. آه... كم كان مجلسه لطيفاً وحضوره قوياً! ويدهشني أن حضوره بعد غيابه صار أقوى، حتى إنني أقول لنفسي إن من قتل ناجي العلي كان غبياً، رفعه إلى مرتبة الرمز، مثل كل الشهداء. أما الموت الفعلي بالنسبة له فهو أن يضطر لبيع ريشته لتنظيم أو نظام. لهذا لم يجيّر ريشته إلا للناس. ولم يكن هناك من يشبهه بين الآخرين. كانوا مربوطين، وكان فالتاً يغرد خارج السرب».


New Page 1