إلى الأهالي: انتبهوا من "البلطجة" في المدارس! :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


إلى الأهالي: انتبهوا من "البلطجة" في المدارس!

لبنان24
09-10-2017
لعلّ الوقت الذي يقضيه الأطفال والمراهقون في المدارس يوازي بل يضاهي الوقت الذي يقضونه في المنزل مع عائلاتهم. وهناك، خلف أسوار الصروح التعليمية، ثمة مخاطر قد تواجه الطلاب وتحفر فيهم "آلاماً" وندوباً ربما ترافقهم طيلة حياواتهم. نتحدث عن "البلطجة" (bullying)، وهي ظاهرة مخيفة متفشيّة في المدارس في مختلف المجتمعات وفي كلّ البلدان.

فما هي "البلطجة"، وما هو واقعها في لبنان؟ وما السبيل إلى مكافحتها وإلى حماية أطفالنا؟

"هي كناية عن تعرّض شخص ما مراراً وتكراراً للأذى النفسي أو الجسدي أو الماديّ (أو كلّهم) من قبل شخص، أو مجموعة من الأشخاص"، يشرح الطبيب والمعالج النفسي مرام الحكيم في حديث لموقع "لبنان24".

اللافت أنّ "البلطجة" (أو التنمّر أو التسلط) لا تقتصر على عمر معيّن، بل قد تطال الصغار من الأطفال، كما المراهقين في الصفوف الثانوية. والحال أيضاً أن الفاعلين، تماماً مثل الضحايا"، هم في أعمار مختلفة.

وإذ يلفت الحكيم إلى أنّ ليس كلّ خلاف ينشب بين الأطفال هو حكماً نوع من أنواع البلطجة، يشرح أنّ من أبرز خصائصها هو حصولها بشكل متكرر، إضافة إلى وجود نيّة مسبقة لدى الفاعل في أذيّة غيره.

وتتخذ البلطجة أشكالاً متنوّعة ومتفاوتة، فتكون:

- نفسية ومعنوية حينما يعنّف طفل (ة) أو المجموعة طفلا (ة) آخرا نفسياً وذلك عبر وصمه بأسماء وتعليقات تنال من كرامته وتجعله موضع سخرية بين أقرانه، أو عبر الاستهزاء من أمور موجودة أو غير موجودة فيه، كأن يقال له أنه لا يفقه شيئاً، أو كأن يكون ارتداؤه نظارات أو تعايشه مع تفصيل جسديّ مميّز...محط سخرية.

- جسدية: تتمثل بالضرب، والركل، والبصق، الدفع العنيف، أو أي حركة مؤلمة جسدياً

- مادية: تتوّسل "تعنيف" الطفل (ة) عبر المسّ بالماديّات، مثلاً: سرقة دفاتره أو تمزيقها، سرقة طعامه، الاستيلاء على ممتلكاته...

لكن ما هي أسباب البلطجة؟

بداية، يلفت الحكيم إلى أنّ "للمعتدي بروفايل، لكن ليس للضحية ذلك إلا إذا تكرر تعّرضها للبلطجة في أكثر من مدرسة".

ويتابع:" بالنسبة إلى الأسباب التي تدفع أو قد تكون وراء ممارسة طفل للبلطجة، نذكر: أوضاع معيّنة في المنزل بما فيها تعرّض الطفل (ة) نفسه (ها) للتعنيف النفسي أو الجسدي من قبل اهله (ها) أو أشقائه (ها). ويمكن أن يكون الفاعل (ة) يعاني من انعدام الثقة بنفسه فيلجأ إلى هذا الفعل ظناً منه أنه يُحسّن صورته أمام نفسه وأمام الآخرين، كما يمكن أن يعاني من اضطراب التصرّف أو فيه (ها) نزعة عدوانية."

ويلفت الحكيم إلى أنّ بعض الأطفال الممارسين للبلطجة قد لا نجد عندهم أي تشخيص نفسيّ سوى قلّة الثقة وبذلك ينجرّون خلف قائد المجموعة ويمتثلون لأوامره وأفعاله.

وعادة ما "يختار" الفاعلون ضحاياهم باللاوعي، فيهاجمون الأطفال الذين لا يُظهرون انطباعاً واضحاً بأنهم سيدافعون عن أنفسهم، وأولئك الذين يتسمون بنقاط "ضعف" (من وجهة نظر الفاعل) معيّنة.

وبحسب الحكيم، تتجلّى خطورة تأثيرات البلطجة وتداعياتها على الضحايا بشكل أكبر، علماً أنّ المعتدين هم ايضاً "ضحايا" وبحاجة إلى العلاج.

ومن أبرز العوارض التي تُظهرها الضحية التي تتعرّض للبلطجة: فقدان الثقة بالنفس، اضطرابات في النوم والأكل، الخوف والقلق، قلّة الاهتمام بالدراسة أو التراجع في العلامات، الغضب، وصولاً إلى الاكتئاب الذي يسببه الضغط النفسي اليوميّ.

ويشرح الطبيب أنّ الضحايا في كثير من الأحيان يخشون إبلاغ ذَوِيهم عن سلوكيات الطلاب الذين يمارسون ضدهم سلوكيات بلطجة، إما بسبب الخجل أو الخوف، وهذا ما يفاقم المشكلة لكونها تبقى قائمة من دون أي تدخل وعلاج.

ومن تأثيرات الضغط النفسي الذي يرافق الأطفال الضحايا، أوجاعٌ جسدية (في البطن أو الرأس)، وسلوك عدائي يتمثل في بعض الأحيان بممارسة البلطجة في المنزل على الأشقاء الأصغر.

ويشرح الحكيم إلى أنّ التداعيات والتأثيرات المتمثلة بالضغط النفسي هي نفسها على جميع الضحايا بمختلف الأعمار، إلا أن ترجمتها قد تختلف قليلا بين فئة عمرية وأخرى، إذ قد يعمد الطفل الصغير إلى البكاء وإظهار الخوف واضطرابات في النوم، فيما تؤثر البلطجة على الأكبر سنّا من ناحية نظرتهم لأنفسهم، ويمكن أن يصابوا بالاكتئاب والغضب، وصولاً إلى التفكير في الانتحار. ولأن عامل الضغط النفسي قد يدفع الأشخاص إلى اللجوء إلى الكحول والمخدرات، فهذا ينسحب أيضاً على ضحايا البلطجة.

لا إحصاءات بين يدي الحكيم، لكنه يستطيع من خلال معاينته للحالات تحسس تفاقم هذه الظاهرة في المدارس اللبنانية. وبرأيه، قد تكون الأوضاع العامة في البلد أحد الأسباب باعتبار أن الضغوطات اليومية التي يعيشها الأهالي تنعكس على أطفالهم.

ويرى الطبيب أنّ للمدارس الدور الأساس والأكبر في مكافحة هذه الظاهرة العنفية الخطيرة كونها تحصل وتبدأ فيها. ويُفترض أن تضع المدارس سياسات واضحة لمكافحة البلطجة (anti bullying policy)، توضحها للأطفال وأولياء أمورهم على حدّ سواء.

لكن يعتبر الحكيم أنّ المدارس تُقصّر أو تتراخى بعض الشيء في هذا الإطار، إما لأنها غير واعية كفاية لهذه المخاطر أو لأن العامل الماديّ يجنبّها فصل أطفال من عندها.

ويرى الطبيب أنه من الضروريات وضع سياسة للحدّ من البلطجة ومكافحتها، لا الاكتفاء بعلاجات وإجراءات عشوائية وآنيّة.

أما عن دور الأهل، فهو ايضاً مهم، بخاصة لناحية سبر العوارض التي يظهرها الطفل (ة). "على الأهل أن يتحدثوا مع أولادهم بوعي وحكمة ويطرحون عليهم أسئلة مفتوحة لحضّهم على الإفصاح عن حقيقة ما يعانون منه".

وحينما يراود الأهل شكوكاً بتعرّض ابنهم أو ابنتهم إلى البلطجة أو يقرّ الأبناء بذلك، فعلى الأهل أن يتصرفوا سريعاً بحكمة ومسؤولية. يتابع الحكيم:" عليهم أولاً أن يطلبوا من طفلهم الدفاع عن نفسه".

والحال في لبنان للأسف، أنّ بعض الأهالي يشجعون أطفالهم على الضرب وإظهار القوّة ظناً منهم أنهم يعززون من عنفوانهم وقوتهم أو لأنهم في حال نكران ذاتية لسوء تربيتهم، فيما يدعو البعض الآخر أطفاله إلى عدم الردّ بالمثل لأنهم يعارضون توّسل العنف في مطلق الأحوال.

"إنه خيط رفيع بين العنف وبين الدفاع عن النفس"، يقول الحكيم، ناصحاً الضحايا بالدفاع عن النفس، ثمّ تجنّب الفاعلين والتوّجه فوراً إلى المعنيين في المدرسة لإخطارهم بما يحصل، وطبعاً إخبار الأهل.

ويحذر الحكيم من خطورة أن يتواجه أهل الضحية مع الطفل المعنّف، بل عليهم أن يعلموا المدرسة فوراً بما يحصل وفي حال لم تتخذ الأخيرة الإجراءات اللازمة فعليهم اتخاذ تدبير بحقها.

وإذا كانت النصيحة الذهبية تتمثل بعدم ترك فعل البلطجة يستمرّ دون التدخل، فإن النصيحة الأخرى الأهمّ تكمن في إخضاع الضحية للعلاج النفسي، بخاصة إذا ما أظهرت إشارات في السلوك. ويمكن استشارة الطبيب المعالج حتى لو لم تُظهر الضحية أي إشارات، فهو قادر على معرفة ما إذا كان من ترسبات باقية.

ويقول الحكيم: "في حال لم تتمّ معالجة الضحية، فقد تبقى طيلة حياتها تحت تأثير تداعيات البلطجة، وإذا ما أضيفت إليها عوامل نفسية أخرى تواجهها في المستقبل، فقد تصاب بالاكتئاب أو تقدم على الانتحار".

والحال أنّ الأطفال الذين يمارسون التنمر هم أيضاً بحاجة إلى علاج نفسيّ قبل أن تتفاقم الحالة، وعلى المدارس ضمن سياسة مكافحة البلطجة اتخاذ إجراءات بحقه.

ويذكر الحكيم أنّ هناك تقصيراً في المدارس لناحية توظيف معالجين نفسيين متفرغين بالكامل لهذا الدور ومتواجدين دائماً لمساعدة الطلاب في هذه الظاهرة وغيرها.

وإذ لا ينكر الحكيم وجود بلطجة من قبل الأساتذة ايضاً، وأغلبها من النوع المعنويّ، يدعو مجدداً المدارس إلى وضع سياسات واضحة لمكافحة البلطجة سواء قام بها الطالب أم الأستاذ!


New Page 1