لبنان تحت المجهر الاقتصادي والمالي والنقدي :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


لبنان تحت المجهر الاقتصادي والمالي والنقدي

الديار
19-10-2017
لم تكن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين كما سابقاتها. مناخات ضاغطة تقابلها ملفات مضغوطة بسياسات متناقضة بين العاجزة عن الإمساك بمفاصل الاستحقاقات وبين القادرة على الإنجاز، حيث الفشل يشكل البيئة الحاضنة.
حمل لبنان وفده إلى عاصمة القرار هذه السنة، مع غياب وزير المال علي حسن خليل لعذر «مناقشة مشروع موازنة 2017 في بيروت». إتجهت الأنظار وتركزت على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، رجل المرحلة كما كل المراحل، نقديا ومصرفيا.
هبوط آمن لليرة، وارتياح لآلية تطبيق العقوبات الكافية على «حزب الله» وتواصل مستمر مع المصارف المراسلة. ثلاثة عناوين أشاعت إرتياحا غير مسبوق لدى سلامة كما في أوساط المصرفيين اللبنانيين الذين أصروا على عدم تفويت فرصة الاطلاع من قرب على أجواء الإدارة الأميركية ووزارة الخزانة اللتين تقودان حملة شرسة على إيران، تُرجمت تشددا حيال «الابن الروحي» لها أي «حزب الله».
المستقبل الرمادي المنسحب من الخارج البعيد على الداخل اللبناني، تلاشى في لقاءات سلامة الجانبية - لم يشارك في معظم الاجتماعات المفتوحة - ليتحوّل إيجابيا حيال المتخذ من هندسات أثارت محليا بعض التحفظات حين اعتُقد أن الحاكم أنهى سياسات الدعم، واتُخذت ذرائع لشنّ هجمات مقنّعة بما برهن أن تلك السياسات تستهدف دعم الاقتصاد الوطني وليس القطاع المصرفي وحده. هذا ما تجلّى في ردات الفعل على انتهاء مفعول رزمة القروض المدعومة، التي طمأن سلامة إلى إعادة تجديدها قريبا في تعميم «سيُطبّق فور صدوره وقريبا».
ليست مستغربة النظرة العامة الجيدة حيال مصرف لبنان، فهي قائمة على سمعة الحاكم وإمكانات التعاون معه.
وفي ما سمعه وفد لبنان في واشنطن، مخاوفٌ من انعكاسات إقليمية غير مؤاتية للمرحلة المقبلة مع شمول العقوبات «الجناح الاجتماعي» لـ«حزب الله». فالمؤسسات التابعة لحزب الله، تقول مصادر ديبلوماسية أميركية، ستُدرج في لائحة «أوفاك» تباعا لتشمل مستشفيات ومدارس وأطباء ومؤسسات إجتماعية وإعلامية وكل ما له علاقة بالحزب، بما يشكّل جزءا من «محاكمة إيران بالعقوبات» التي يدفع بها الرئيس دونالد ترامب وما زال الكونغرس يرفضها.
ففي مقابل التقدير الذي حازته الهندسات المالية، برز قلق حيال ارتفاع معدل الفوائد والتحويلات المالية التي تتقلّص تباعا نتيجة الأزمات الاقتصادية العالمية والموقف الخليجي (وتحديدا السعودي) غير الصحي من لبنان والحصار الذي فرضته واشنطن على «حزب الله»، إلى الموقف من إعادة العلاقات مع سوريا. وقد تركزت نقاشات الاجتماعات في واشنطن على السؤال عن عجز الموازنة اللبنانية والتهرّب الضريبي وتفشي الفساد. فالبنك الدولي مستعدّ وفق مسؤوليه، لمساعدة لبنان في ملفات الكهرباء والمياه والنفايات والبنية التحتية ومدّه بالمساعدات المالية المطلوبة لمعالجة ملف النازحين السوريين، «لكن ثمة عرقلة داخلية تحول دون ذلك، ولعل أبرزها الانقسام الداخلي حيال مسألة تطبيع العلاقات مع سوريا، علما أن تلك الانقسامات القائمة منذ أعوام حالت دون إفادة لبنان من الثلاثة المليارات دولار المرصودة سابقا كمساعدات لعجزه عن توظيفها في موقعها الصحيح».
ولفت هؤلاء أيضا الى عوائق تتمثل بارتفاع مخاطر لبنان السيادية نتيجة العقوبات وعدم اقتناع واشنطن بوجود عمل جدي في وزارة المال لضبط الدين العام وكلفته ولمعالجة العجز المتنامي في الموازنات العامة. وإذ أشادوا بالإصلاح الضريبي الذي فُرض أخيرا لهيكلة العجز، أشاروا الى ضعف في آليات التنفيذ وتحديدا لجهة الجباية، مستندين الى التجارب السابقة التي أتاحت استمرار الإهدار في ما كان يُرتقب من إيرادات ضريبية في مشاريع الموازنات الإثنتي عشرية.
لقد خرج الأردن من اجتماعات واشنطن بمساعدات قاربت الـ3 مليارات دولار، حين نجح وزير التخطيط والتعاون الدولي الأردني عماد الفاخوري في عرض سلة الاصلاحات المالية والاقتصادية التي أنجزتها عمّان في تلبية لمطالب المجتمع الدولي. مشهد لم ينطبق على لبنان الذي بدا على مسافة واحدة من غياب المساعدات والعقوبات التي باتت شبه نهائية، ويرتقب ان تصدر في مدة وجيزة لتطبق على الجناح الاجتماعي لـ«حزب الله» بعدما طالت أميركيا، الجناحين السياسي والعسكري.
مرة جديدة، ينفصم لبنان بين شقين متوازيين لم يعرفا كيف يلتقيان. وضع نقدي ومصرفي سليم يحظى بإشادة توّجت أمس بتكريم رياض سلامة لتصدّره لائحة أفضل حكام مصارف مركزية في العالم الذين تميّزوا بنيل درجةA المرموقة، ووضع مالي يعاني غياب الإرادة السياسية في الإصلاح وتذليل المعوقات، بما يبقيه الخاصرة الأضعف في الحال اللبنانية الفريدة.
يعود وفد لبنان الرسمي إلى بيروت اليوم، ويدرك أن عليه إبلاغ ما سمع من رسائل لئلا يفقد إقرار أول موازنة بعد 12 عاما، ما يفترض أن يحمله مضمون يبقى في نظر المجتمع الدولي فارغا من دون الحسابات المالية!


New Page 1