«ربيع اميركي»... يستكمل «الربيع العربي» :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


«ربيع اميركي»... يستكمل «الربيع العربي»

محمود زيات - الديار
09-12-2017
دفعت التطورات الاخيرة المتمثلة بالتصعيد الاميركي، في ضوء الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الاسرائيلي، الاوضاع في المنطقة الى المزيد من المواجهة المتعددة الرؤوس، بالنظر الى ما يشكله الاعلان الاميركي من خطوة عدوانية استراتيجية تجاه الشعب الفلسطينية، ما يُنذر بمرحلة جديدة من التسخين السياسي والامني، بدأت ملامحه تظهر في الداخل الفلسطيني الذي شق طريقه نحو المواجهة المباشرة مع الاحتلال، في ساحة الحدث فلسطين المحتلة، متزودا بزخم التحركات الشعبية الواسعة التي تسجل في الساحات العربية، وفي ظل رفض اوروبي ودولي للخطوة الاميركية.
وترى اوساط قيادية فلسطينية، انه بعد «الربيع العربي»، يبدو ان المنطقة دخلت في مرحلة «الربيع الاميركي» المثقل بالمشاريع المعدة لتعزيز مكانة الكيان الاسرائيلي لتكون الشرطي الاميركي في المنطقة، لكن اصطدام الخطوة الاخطر المتعلقة بالقدس «عاصمة لاسرائيل» وفق الخطوة الاميركية التي استفزت العالم، قد تدفع بالامور الى مواجهة لم تحسبها الادارة الاميركية جيدا، وان كان في اجندتها ابقاء منطقة الشرق الاوسط مشتعلة، بعد «ربيع عربي» احرق الساحات على مدى سبع سنوات مضت، ولا تستبعد الاوساط ان تستهدف «شظايا»الخطوة الاميركية الاستفزازية لبنان، الذي يبدو ان له حصة كبيرة في الحسابات المشتركة القائمة بين الولايات المتحدة الاميركية بادارتها الجديدة والكيان الاسرائيلي، وهي حسابات ستُبنى على المزيد من الخطوات العدوانية، سيما ان امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله، تساءل عما يمكن ان يقوم به الكيان الاسرائيلي من خطوات اضافية اخطر، وماذا عن مصير الجولان السوري المحتل والمناطق اللبنانية المحتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي لبلدة الغجر السورية المحتلة.
لكن الاخطر في اجندة البيت الابيض، في رأي الاوساط، ان الاولوية فيها لتكريس تهويد القدس وما تمثله في الوجدان العربي، وكأن خُصص للاسرائيليين جائزة ترضية طمحت اليها منذ عقود، ليتحول المشهد من هزيمة لهم في سوريا، بعد حال الاحباط التي اصابتهم بفعل صمود نظام الرئيس بشار الاسد والحفاظ على موقع سوريا ودورها في المنطقة، لكن الاوساط تربط بين حالة الانهاك التي اصيبت بها سوريا، بعد سبع سنوات من الحرب المدمرة، وبين الاعتراف الاميركي بالقدس «عاصمة» للكيان الاسرائيلي، وتقول: لن يجد الاميركيون افضل من المناخ العربي السائد، لكي يمرروا ما رسموه قبل سنوات، وحاذرت الادارات الاميركية المتعاقبة من اعلانه، فالتفكك والصراعات في المشهد العربي دفعت الاميركيين والاسرائيليين الى تمرير اكبر الخطوات التي حاصرها المجتمع الدولي خلال العقد الماضي.
هو وعدٌ انتخابي، اطلقه الرئيس الاميركي خلال الحملة الانتخابية التي اوصلته الى البيت الابيض، ونال مبايعة اللوبي اليهودي في اميركا، تقول الاوساط، لكن خطوة الاعلان التي اشعلت الشارع الفلسطيني وحركت الشوارع العربية والدولية، ما كانت لتتم لولا المباركة من بعض الدول العربية صاحبة «المونة» على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، فالواقع العربي اليوم، الحافل بالانقسامات والصراعات العربية ووقوف انظمة ما يسمى «الاعتدال العربي» على عتبة تطبيع العلاقات مع الكيان الاسرائيلي، جعلت الشارع الفلسطيني في الداخل محاصرا، فالخطوة الاميركية بالاعتراف بالقدس «عاصمة» الدولة اليهودية، اُريد منها ان تكون «انجازا مُدوِّيا» للرئيس الاميركي، على الرغم من «الاستنفار» الاوروبي الذي تعامل مع الاعلان على انه مخالف لقرارات الشرعية الدولية حول القدس، انطلاقا من ان مصيرها تحددها مفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين،
ثمة من يؤكد ان الرئيس الاميركي، وقبل اشهر قليلة من اعلانه الاعتراف بـ«العاصمة» الاسرائيلية سلَّف السعودية وتوابعها من دول الخليج الكثير من الدعم السياسي والعسكري، وآمن الغطاء الدولي لحربها على اليمن ودعمها لمحاربة الدولة السورية، ولم يزعجها في حصارها المفروض على قطر، وما الدور الذي انيط بالسعودية بالعودة من ترتيب الساحة الفلسطينية بين حكومة قطاع غزة الحمساوية ورئاسة رام الله الفتحاوية، الا لتدجين القيادة الفلسطينية واحكام القبضة عليها، حتى ولو كان ذلك على حساب مصير المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين المتوقعة بسبب الرفض الاسرائيلي باعطاء شيء للفلسطينيين، وسط شعور فلسطيني من ان ما جرى لجهة نقل السفارة الاميركية الى القدس، بعد الاعتراف بها كعاصمة اسرائيلية، من شأنه ان يُضعف الموقع التفاوضي للفلسطينيين، ويشطب البحث في مصير القدس من جدول اعمال اي مفاوضات.
في لبنان، ثمة مخاوف على مصير ملف الوجود الفلسطيني في لبنان، حيث توجد اكبر كتلة من اللاجئين الفلسطينيين بات مصيرهم في مهب ريح التوطين الذي تسعى الادارة الاميركية الى تثبيته في الحل النهائي، وفي السياق، تحذر الاوساط، وبالاستناد الى تقارير غربية تحدثت عن نيات اسرائيلية ـ اميركية مشتركة باقامة دولة مسخ للفلسطينين في قطاع غزة وبعض اجزاء الضفة الغربية، من الاستهدافات الاميركية الجديدة على المنطقة والتي بدأت بالعدوان على القدس وتكريسها عاصمة اسرائيلية، ولن تنتهي بالسيطرة الاسرائيلية على مناطق هي الان من ضمن مناطق السلطة الفلسطينية، ما دام ان القدس اصبحت، في نظر الاسرائيليين، عاصمة لكيانهم، فانهم لن يكونوا على عجلة من امرهم للتطبيع مع دول «الاعتدال العربي»، التي باتت قاب قوسين او ادنى منه، فالخطوة الاميركية التي لم يتوقعها الاسرائيليون من الادارة الاميركية، ستشعرهم بنشوة الانتصار، فيما هم على يقين ان عرب الاعتدال متحمس اكثر منهم على التطبيع.
قد يبدو المشهد القادم من فلسطين المحتلة، مع تصاعد المواجهات الميدانية التي يخوضها الفلسطينيون ضد الاحتلال، مفتوحا على كل الاحتمالات التي لم تأخذ حقها من «العناية» الاميركية، وفي محاولة للحد من تداعيات الاعتراف الاميركي بـ «القدس عاصمة اسرائيل»، تتحدث اليوم الادارة الاميركية نفسها، عن خطة سلام تُعِدُّها لارضاء الفلسطينيين، وقد فُسر بأنه جرعة تخدير للفلسطينيين لهضم الخطوة الاميركية، وانهاء ما يسميه الاميركيون بـ «الضجة المفتعلة» ضد اعترافهم بتهويد القدس... ما سيدركه الفلسطينيون مع اول جلسة لمفاوضات الحل النهائي بينهم وبين الاسرائيليين، ان سقف المفاوضات ارتسم منذ الاعتراف الاميركي.
في الشارع الفلسطيني المشتعل بالمواجهات منذ الساعات الاولى للاعلان الاميركي، ثمة من يسأل عما اذا كان حجم الرد الرسمي الفلسطيني والعربي، على مرحلة التسخين الاميركي ـ الاسرائيلي، يكفيه القول: «انه مخالف لقرارات الشرعية الدولية وكفى»!؟


New Page 1