«أزمة عقول» في إيطاليا :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


«أزمة عقول» في إيطاليا

شربل كريم - الأخبار
05-01-2018
منذ اليوم الأول لفشل إيطاليا في التأهل إلى مونديال 2018، بدأ الحديث عن الأسباب، التي لا شك في أن أحدها هو تراجع نوعية المدربين الإيطاليين، إذ يبدو نادراً هذه الأيام أن تجد مدرباً إيطالياً عالمياً في الدوري الإيطالي أو خارجه

يعلم المتابعون عن كثب لكرة القدم الإيطالية والمناصرون لها أن المدرب السابق للمنتخب الإيطالي جانبييرو فينتورا ليس المدرب السيئ الوحيد في بلاد «الكالتشو».

تلك البلاد التي خرّجت «فلاسفة» على صورة أريغو ساكي ومارتشيلو ليبي وفابيو كابيللو، لا تحوي بطولاتها شبيهاً لأولئك أو حتى لمدربين عالميين حاليين يسرقون الأضواء أكثر من اللاعبين، أمثال الإسباني جوسيب غوارديولا، البرتغالي جوزيه مورينيو، والألمانيين يواكيم لوف ويورغن كلوب وغيرهم...
وحده أنطونيو كونتي، ونسبياً كارلو أنشيلوتي، خرقا النفق الأسود، قبل أن يخفت نورهما في الموسم الحالي، إذ صوّب النقاد والمحللون على نقطة مشتركة بينهما، هي أن أفكارهما نفدت، وبالتالي ليس لديهما أي شيء إضافي ليقدماه.
لكن رفض أنشيلوتي (كما قيل) لتدريب المنتخب الإيطالي، قد يكون مرتبطاً بالوضع العام الخاص بالمدربين أجمعين في بلاد الطليان. وهنا الكلام عن اختفاء النموذج الإيطالي في تخريج مدربين أكفياء كما كانت عليه الحال في الماضي البعيد، حتى باتت هذه العملة الإيطالية غير مطلوبة في أقوى البطولات الأوروبية الوطنية. ومع بقاء هؤلاء المدربين في إيطاليا لم ولن يتمكنوا بقدراتهم وأفكارهم المحدودة من تطوير اللاعبين، وبالتالي إن أي مدرب قادمٍ لتدريب «الآزوري» سيفكر في هذه النقطة قبل أي شيء، فوجود مدربين أكفياء سيفرز لاعبين محليين مميزين، وبالتالي منتخباً مميزاً، بشكلٍ يشبه معادلة دوري قوي يساوي منتخباً قوياً.
المهم أن استعراضاً للمدربين الموجودين في الـ «سيري أ» حالياً يحكي كل القصة، إذ إن المدرب الوحيد الذي يمكن تمييزه عن أقرانه الآخرين هو مدرب نابولي ماوريتسيو ساري، فهذا الرجل يعدّ مظلوماً إعلامياً، لا لأنه وضع الفريق الجنوبي في صدارة الدوري، بل لأنه دأب على تطوير فريقه موسماً بعد آخر، حتى أصبح أكثر الفرق متعةً في إيطاليا، بعيداً من الفوز بـ «السكوديتو» أو أي لقبٍ آخر. وهنا يمكن تأكيد هذا الكلام من خلال متابعة أي مباراة لنابولي، إذ تبرز الكرة الهجومية الممتعة، والتي أقلقت الكثير من الفرق في أوروبا لدى مواجهتهم «ورثة مارادونا». والأهم أن ساري، بعقليته المنفتحة كروياً، عرف كيفية دمج لاعبين قادمين من مدارس مختلفة في فريق واحد بدا متجانساً ومتماسكاً إلى أبعد الحدود.


وحده ساري مدرب نابولي يمكن تمييزه عن المدربين الآخرين في الدوري الإيطالي

ومسألة التطوير هذه أساسية بغضّ النظر عمّا إذا كان الفريق ناجحاً أو العكس، وهو الأمر الذي يعيب مدرب يوفنتوس ماسيميليانو أليغري برأي قسمٍ كبير من جمهور «اليوفي»، إذ رغم الألقاب والنتائج الإيجابية الكثيرة التي حصدها وسطّرها الرجل مع فريق «السيدة العجوز»، لا يؤمن كثيرون في إيطاليا بأنه سيكون يوماً على صورة ساكي أو ليبي أو كابيللو، بل إنه بمحدوديته لن ينجح إلا في الـ «سيري أ» ولمدة محدودة.
وإذ يمكن إعطاء بعض كلمات الإطراء لمدرب إنتر ميلانو لوتشيانو سباليتي ونظيره في روما أوزيبيو دي فرانشيسكو، فإن الرجلين ليسا بجودة ساري مثلاً، إذ يستبعد كثيرون أن يرتقيا ليكونا أسطورتين تدريبيتين يوماً ما، حتى إن أحداً لم يفكّر في إدراج اسم أحدهما ضمن لائحة المرشحين لتدريب المنتخب الوطني.
وبطبيعة الحال، قد تكون إحدى المشاكل المسبّبة لأزمة تطوّر الكرة الإيطالية، وبالتالي مدربيها، هي في منح هؤلاء المدربين مهمات صعبة بالإشراف على فرق في الدرجة الأولى في سنٍّ مبكرة، تماماً كما يحصل مع سيموني إينزاغي حالياً رغم احتلال لاتسيو مركزاً متقدّماً نسبياً على لائحة الترتيب. لكن الواقع أنه لن يكون مفاجئاً أن يلقى الفشل كشقيقه فيليبو أينزاعي الذي «حرقه» ميلان عندما نقله من تدريب «ميلان بريمافيرا» الذي يتدرّج فيه اللاعبون نحو الفريق الأول في النادي اللومباردي فلقي الفشل الذريع. وهذه المسألة يبدو أنها ستتكرر مع المدرب الحالي جينارو غاتوزو الذي سار على نفس الخط ليخلف مدرباً شاباً آخر صوّره كثيرون على أنه الأسوأ في تاريخ «الروسونيري»، هو فينتشنزو مونتيلا، الذي لم يعطِ مؤشرات على أنه يملك فلسفة كروية كغيره من اللاعبين السابقين الذين تركوا الكرة نجوماً واستمروا في تألقهم فيها من ساحات التدريب.
كل هؤلاء يذكّرون بمدرب اختفى فجأة بعدما ظهر بسنٍّ صغيرة، وهو روبرتو دونادوني الذي بدأ مشواره التدريبي وهو في الـ 38 من العمر، ووصل للإشراف على المنتخب الإيطالي، لكن بعدها بدا يائساً لإيجاد فريقٍ كبير للإشراف عليه، فانتهى به الحال مديراً فنياً لبولونيا.
إذاً، «أزمة عقول» فعلية تعانيها الكرة الإيطالية، وما المستوى الذي يظهر في بعض مباريات الدوري الإيطالي، أو نتائج الفرق الإيطالية على الساحة القارية، إلا دلائل دامغة على هذه الأزمة المتعاظمة.


New Page 1