تبدل موازين القوى في العالم و علاقته في الصراعات الدائرة. :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


تبدل موازين القوى في العالم و علاقته في الصراعات الدائرة.

إبراهيم ياسين -جريدة البناء
08-03-2018

منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإستراتيجية الجديدة للأمن القومي، و التي إعتبرت أن روسيا و الصين يشكلان التحدي الأكبر للولايات المتحدة الأميركية.
"منذ ذلك الإعلان" بدأ التوتر في العلاقات الأميركية الروسية يتخذ منحاً تصعيدياً مما أنهى الآمال المعلقة على التعاون بين واشنطن و موسكو لإيجاد حلول للأزمات الساخنة في العالم كما أعلن ترامب خلال حملته الإنتخابية، و إثر فوزه برئاسة الولايات المتحدة من أنه سيتعاون مع روسيا في سوريا لإيجاد حلول سلمية للحرب القائمة فيها.
و إزداد هذا التوتر في العلاقات على إثر إتخاذ واشنطن سلسلة من العقوبات الجديدة ضد روسيا بضغط من فريق الجنرالات في البيت الأبيض الذين يطوقون ترامب و يتحكمون في سياساته الخارجية نتيجة حاجته لهم في مواجهة خصومه في الداخل، و هو ما يفسر أيضاً تماهي سياساته مع رغبات و طموحات الكيان الصهيوني عبر الإعتراف بالقدس كعاصمة لدولة العدو الصهيوني و إستعداده لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس في آيار المقبل. كما تجلى التوتر في العلاقات الأميركية الروسية مؤخراً في إمتناع واشنطن عن حضور إجتماع مشترك مع روسيا في إطار معاهدة الحد من الأسلحة النووية و رد روسيا بتجميد المباحثات في القضايا المتعلقة بالأسلحة الإستراتيجية، على أن الحدث الأبرز الذي رفع من منسوب التوتر في العلاقات الثنائية كان الإشتباك الأخير في مجلس الأمن الدولي على خلفية المعارضة الروسية القوية و الحازمة لمشروع القرار الكويتي السويدي لوقف إطلاق النار الشامل في الغوطة الشرقية، حيث أصرت روسيا على إستخدام الفيتو ضد مشروع القرار إذا لم يتم إستثناء جبهة النصرة و فيلق الرحمن و غيرهما من التنظيمات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة من القرار . و هكذا تم، لكن ذلك كان بمثابة مؤشر قوي على حدة المواجهة و الإشتباك بين روسيا و حلفائها من جهة، و أميركا و حلفائها من جهة ثانية. و إذا كان هذا الإشتباك يتخذ الْيَوْمَ من الخلاف حول الموقف مما يجري في سوريا إلا أن له أبعاداً أوسع من سوريا تشمل كل الساحة الدولية، أي أن الخلاف و الصراع جوهره على طبيعة النظام الدولي القائم، و الذي لم يَعُد ملائماً لإدارة الشؤون الدولية و الأزمات لأنه يقوم على الإحادية القطبية التي إنبثقت من مرحلة سابقة على إثر إنهيار الإتحاد السوفياتي و تسيُّد أميركا على سُدة القرار الدولي. أما الْيَوْمَ فإن روسيا و الصين لم تعُدا تقبلان بإستمرار هذه الإحادية، لا سيّما بعد أن نجحت روسيا في إستعادة قوتها و مكانتها الدولية، و باتت قادرة على الدفاع عن مصالحها في العالم. و ظهر ذلك من خلال الصراع في أوكرانيا، و قرار روسيا إستعادة جزيرة القرم إلى الإتحاد الروسي، و قرارها بإرسال قواتها و أسطولها العسكري إلى سوريا و إقامة قواعد عسكرية إستراتيجية دائمة لها في اللاذقية و طرطوس، و تصدي الرئيس بوتين منذ أيام للتهديدات الأميركية بشن الحرب على سوريا، و فرض المزيد من العقوبات على روسيا، بإعلان القدرة الروسية العسكرية على الدفاع عن أمن روسيا و حلفائها، مما يُعتبر الموقف الأكثر حدةً و تصعيداً في الموقف الروسي في مواجهة سياسات الغطرسة الأميركية التي ترفض التسليم بالشراكة الدولية و تُصر على الإستمرار في محاولات إعادة تعويم مشروع هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على القرار الدولي، رُغم إستحالة تحقيق ذلك في ضؤ التبدل الجذري في توازن القوى الدولي العسكري و الإقتصادي. و ما ينطبق على روسيا يسري أيضاً على الصين الدولة العُظمى الصاعدة بقوّة إقتصادياً و عسكرياً. فبكين من خلال تحالفها مع روسيا تسعى أيضاً إلى كسر الهيمنة الأميركية و إنهاء مرحلة القطب الأوحد و إعادة تشكيل النظام الدولي سياسياً و إقتصادياً على قواعد تأخذ بعين الإعتبار التبدلات الجوهرية التي أصبحت سائدة في العالم، و لا تتيح لأميركا الإحتفاظ بفرض سيطرتها و قوانينها و إملاءاتها على الآخرين.
هذا هو الجوهر الحقيقي لإحتدام الصراع الْيَوْمَ بين أميركا و حلفائها من جهة، و بين روسيا و الصين و حلفائهما من جهة أخرى، إنه صراع المصالح و الهيمنة على الثروات و طرقات الإمداد و التجارة الدولية، و لم تَعُد أميركا تملك التفوق الإقتصادي و العسكري الذي يُمَكِّنُها من إخضاع العالم. فالصين مثلاً باتت بالأرقام الإقتصادية الحقيقية تتصدر القمة، و هذا ما يدفعها لتطوير قدراتها العسكرية لحماية مصالحها و خطوط إمداد النفط و تجارتها و إعادة إحياء طريق الحرير الذي يُشكِّل علامة من علامات الإزدهار عبر التاريخ بين الصين و الدول الواقعة على ضفاف هذا الطريق. إذاً فإن إنتقال الثقل في الإقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق حيث تنهض دول إضافة إلى الصين، و تتقدم إقتصادياً كالهند و البرازيل و روسيا و جنوب أفريقيا و غيرها، في مقابل تراجع أميركا و بعض الدول الغربية من حيث الحصة التي كانت تحوز عليها من الناتج العالمي يجعل من المستحيل أن يستمر النظام الإقتصادي و النقدي العالمي على ما هو عليه الآن من هيمنة أميركية، و بالتالي لا بُد و أن يحصل تغيير في هذا النظام ينسجم مع هذا التحول في موازين القوى الإقتصادية،و إستطراداً العسكرية و السياسية إنطلاقاً من أن السياسة هي التعبير عن المصالح الإقتصادية.
لهذا لن ينتهي الصراع المحتدم الْيَوْمَ بين روسيا و الصين من جهة، و أميركا و الدول الغربية من جهة ثانية، ما لم يُعاد تشكيل النظام الدولي بحيث يعبّر فعلياً عن موازين القوى الجديدة على المستوى الدولي.


New Page 1