طبيب يداوي النّاس... على الــ«واتساب» :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


طبيب يداوي النّاس... على الــ«واتساب»

هبة سلامة - الاخبار
11-05-2018
غيّر تطبيق «واتساب» مفهوم التواصل في كل الأمور، بما فيها «المعاينات» والاستشارات الطبية التي انتقلت إليه. ولئن كان هذا الإنتقال قد سهّل الكثير على المرضى، خصوصاً لناحية التخفيف من التكاليف المالية التي يتكبدونها، إلا أن ذلك دونه مخاطر تتعلق بإمكانية التشخيص الخاطئ الذي قد يهدّد حياة المريض، كما مسيرة عمل الطبيب

يستيقظ طبيب الأطفال على «رنّة» رسالة تصله عبر الـ«واتساب». صورة لطفل يغطّي ظهره طفح جلدي، مُرفقة بجملة «دكتور، هلّق بدي أعرف شو هني هالحبوب اللي على ضهر ابني»! يطلب من الأم المرسلة أن تحضر الطّفل إلى العيادة صباحاً فلا تخفي انزعاجها، وتصرّ على تشخيص المشكلة على الـ«واتساب» بحجة ضيق الوقت.
منذ ظهور التّطبيق منذ أقلّ من تسع سنوات، بات «طب الواتساب» جزءاً من يوميّات الأطباء. الخدمة التي اعتبرها المرضى مخرجًا لتجنّب تكاليف المراجعات الطّبيّة والإنتظار في صالات العيادات، يجدها أطبّاء كثر وسيلة لـ«الاستعباد»، بحسب الطبيب ح. أ. وهي، وإن سهّلت حياة المرضى، فقد عقّدت حياة الأطبّاء وزادت من احتمالات الوقوع في التّشخيص الطّبي الخاطئ.

يؤكّد طبيب الأطفال أ. ي. بأن الـ«واتساب»، وغيره من تطبيقات السّوشال ميديا، غيّرت في طبيعة العلاقة بين الطّبيب والمريض، فبات الأخير يعتبر الطبيب صديقه ومن واجبه الردّ على استفساراته واتصالاته في أي وقت، من دون احترام خصوصيّته وعطلته ووقت نومه. هكذا، يمكن أن تتّصل مريضة بطبيبها عند منتصف الليل لأمر غير طارئ عبر التطبيق ذي الجودة الرّديئة في أغلب المناطق، أو ترسل صورًا لطفلها مرفقة بمقاطع صوتيّة تظهر سعاله الحاد، أو تُعاتب الطبيب لأنه ظهر على الـ«واتساب» من دون أن يردّ على اسئلتها.
كثيرون من الأطباء يذكرون في حالاتهم الشّخصيّة على الـ«واتساب» بأنّهم لا يستقبلون الإستفسارات والمراجعات الطبيّة، إلّا أن أغلب المرضى يتجاهلون ذلك، ويعتبرون بأنّ سؤالًا صغيرًا لا يؤذي الطبيب ولا ينبغي أن يزعجه. «أحيانًا أقضي استراحة الغداء بالاستماع إلى المقاطع الصوتية على الواتساب والردّ عليها، وغالبًا ما تكون إمّا غير مهمّة، أو تستدعي معاينة مباشرة للمريض»، يشكو طبيب الأطفال. ويضيف: «كثيرون يبعثون برسائل صوتية يطلبون مني موعدًا للمعاينة، رغم أن جدول المواعيد ليس في حوزتي».
يؤكد الطّبيب ع. ف. أن من يمضي نهاره في غرفة العمليّات لن يكون بكامل نشاطه في منتصف اللّيل إذا تلقى رسالة من مريض يعاني من أوجاع حادّة يطلب معاينته عبر الـ«واتساب»، «ولن يكون قادرًا، بالتأكيد، على تشخيص الحالة بدقة. فالمرض يُشخّص بالسّؤال والرؤّية واللّمس والفحص الطبّي السريري، وقد يتعدّاه إلى طلب اجراء فحص للدّم أو صور اشعاعيّة. التشخيص عبر الهاتف ناقص وغير دقيق، ووصف الدّواء العشوائي ليس من مصلحة المريض الذي يجب أن يكون أكثر الحريصين على الحصول على معاينة دقيقة».

وجهان لتطبيق واحد
يبقى أن للتطبيق وجهين بالنسبة الى الأطباء. بحسب الطبيب م. م. «لكلّ شيء حسناته وسيّئاته. أحيانًا أطلب من المريض أن يرسل لي نتائج فحوصات الدّم على الواتساب لأنني أحتاج إلى معرفة نتيجة عدديّة محدّدة، أو أتواصل مع طبيب آخر يعاين الحالة نفسها لنكون على توافق بشأن العلاج والتّشخيص. لذا، لا أرى في الواتساب مشكلة، بل قد نستخدمه أحيانًا لحلّ مشاكلنا». أما في ما يتعلق بعدم احترام خصوصيات الطبيب، فالأخير «مسؤول عن تنظيم أموره وعلاقته مع مرضاه، وعن وضع حدّ للإتصالات والإستشارات الهاتفية. يمكنه، بكل احترام، الاعتذار من مرضاه عن عدم قدرته على معاينتهم عبر الواتساب. قد ينزعج البعض من ذلك، لكنهم سيعتادونه».

«وينيّي الدّولة»؟
تعتاش المعادلة الثلاثيّة، الطّبيب ــــ «الواتساب» ــــ المريض على غياب القوانين المرعيّة للطّب. يؤكّد الطّبيب ح. إ. أنّ المشكلة تكمن أساسًا في عدم وجود نظام صحّي يكفل الجميع، لذا يلجأ المريض إلى الوسائل الأسهل والأرخص ولو على حساب صوابيّة التّشخيص ودقّته. «وفي لبنان، نُعالج الخطأ بالخطأ. فبدل أن نعالج مشكلة عدم تغطية جميع المرضى صحيًّا، نُحمّل الطّبيب عبء إهمال الدّولة ونطلب منه بأن يكون غبّ الطّلب 24/7».

خدمة... غير ملزمة
يؤكّد نقيب الأطبّاء الدّكتور ريمون صايغ أن الإستشارات الـ«واتسابيّة» خدمة يسديها الطّبيب للمريض، «وهي غير مُلزمة ولا تترتّب عليها أي تبعات قانونيّة». ويوضح أن الرّعاية الصّحية عن بعد، أو ما يسمّى بالـ telehealth، هي عبارة عن مجموعة من الوسائل لتعزيز الرّعاية الصّحية والتّثقيف الصّحّي وتقديم الدّعم للمرضى باستخدام مجموعة واسعة من التّقنيّات لتقديم الخدمات الطّبيّة والصّحيّة والتّعليميّة الافتراضيّة.
تدرس نقابة الاطباء اقتراح فرض تعرفة على الاتصال بالأطباء على غرار المحامين

يشدّد صايغ على أن للطّبيب الحق بإغلاق هاتفه متى شاء، «إلّا حين يكون طبيبًا مناوبًا أو تحت الطّلب. كما يستطيع أن يفرض على مرضاه مراعاة أوقاته الخاصّة ووضع حدّ لمن لا يحترم ذلك. وكما للمريض الحق في اختيار طبيبه، يستطيع الطّبيب اختيار مرضاه. بمعنى آخر، يُمكنه أن يمتنع عن معاينة مريض أزعجه وأن يدلّه على أطبّاء آخرين لمتابعة حالته، إلّا إذا كان هو الوحيد المتخصّص في هذه الحالة».

«واتساب» مدفوع
يوضح صايغ أن الطّب مهنة تحت الضّغط، لا سيّما لجهة شدّة المنافسة، لذا يعمد العديد من الأطباء إلى توزيع أرقامهم الخاصّة للحصول على عدد أكبر من المرضى. ولكن مع ظهور الـ«واتساب»، بات العديد منهم يضطرّون لتقديم إستشارات مجانيّة، وفي حال امتنعوا تنهال عليهم التّهم بأنّهم يلهثون وراء المال. ويلفت الى أن اقتراح إنشاء خط هاتف غير مجّاني خاص بالطّبيب، على غرار المحامي، لقي فشلًا في السّابق، «لكننا ندرس إعادة إحيائه، مع مراعاة جوانب عدة، منها التّكلفة التي سيتحمّلها المريض والأرباح التي سيجنيها الطّبيب والنّقابة. أمّا إذا كانت النّسبة الأكبر من الأرباح ستذهب إلى المُشغّلين فلا فائدة لنا منها»!


لا تبعات على الطبيب
أصدرت نّقابة الأطباء تعاميم عدة تدعو الأطباء إلى التّنبّه من الوقوع في الخطأ عبر المعاينة على الـ«واتساب»، وتشدّد على ضرورة المعاينة النّظريّة للمرضى.
وبحسب المحامي في نقابة الأطبّاء ميشال ريشة، يُلزم القانون الطبيب بالمعاينة النّظريّة المباشرة، وله الحق في رفض الرّدّ على الـ«واتساب» أو أي وسيلة تواصل أخرى. ويؤكّد أنه في حال أخطأ الطبيب في تشخيص الحالة عبر هذه التطبيقات، لرداءة الصّوت أو الصّورة أو لعدم إيصال المريض المعلومات الصحيحة حول حالته، «لا يتحمّل الطبيب أي مسؤوليّة قانونيّة ولا يُحاسَب، لأنّه لم يقم بالمعاينة الصّحيحة بمفهومها القانوني والطبّي، بل حاول مساعدة المريض بتقديم خدمة إستشاريّة له». ويلفت الى أن لـ«المعاينات الواتسابيّة حدوداً وضوابط. فحين يطلب الطّبيب من المريض بلتوجّه إلى غرفة الطّوارئ، لا يتحمل بعد ذلك أي مسؤوليّة طبيّة أو أخلاقيّة أو قانونيّة».


New Page 1