آفاق تشكيل الحكومة على ضوء المستجدات الإقليمية :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


آفاق تشكيل الحكومة على ضوء المستجدات الإقليمية

إبراهيم ياسين - جريدة البناء/ الوطن - سياسة
09-10-2018
بعد لقاء الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، أعلن الرئيس الحريري أنه سيتم خلال عشرة أيام الإتفاق على تشكيل الحكومة الجديدة.
هذا الإعلان طرح تساؤلات عدة منها، هل هناك فعلاً مستجدات حصلت تؤشر إلى حلحلة حقيقية في موضوع الإتفاق على تشكيل الحكومة الجديدة و تذليل العقد التي كانت تحول دون تشكيلها حتى الآن، إن كان على المستوى المحلي أو على المستوى الخارجي.
المدقق في التطورات الأخيرة يلحظ بأن هناك مستجدات خارجية و داخلية تشير إلى أن هذه الأجواء الإيجابية "المستجدة" على صعيد تشكيل الحكومة تنبع من التالي:
على المستوى الإقليمي، من المعروف أن الذي يؤخر تشكيل الحكومة هو الفيتو الأميركي السعودي الذي يسعى إلى منع تشكيل الحكومة على أساس نتائج الإنتخابات اللبنانية التي تُحدث تحولاً في موازين القوى لمصلحة الفريق الوطني اللبناني الرافض للهيمنة الأميركية و المساند لخط المقاومة ضد الإحتلال الصهيوني و الداعم لإنهاء القطيعة مع سوريا و عودة العلاقات بين البلدين الشقيقين.
و قد عمد هذا الفريق الأميركي السعودي إلى إستخدام سلاح الضغط الإقتصادي و التهويل على اللبنانيين من أجل الحيلولة دون تشكيل الحكومة، تكون الغالبية فيها لتحالف المقاومة و القوى الوطنية و التيار الوطني الحر، و بالتالي العمل على إنتاج حكومة لا تختلف كثيراً بتوازناتها عن الحكومة السابقة. و في هذا السياق جرى التهويل بخطر إنهيار الوضع الإقتصادي و المالي إذا ما رفض هذا الأمر، و قد كان واضحاً أن تضخيم مطالب و حصص قوى 14 آذار التي خسرت الأغلبية النيابية في الإنتخابات كان يندرج في هذا السياق .
فتيار المستقبل أعلن تمسكه بإحتكار حصة التمثيل السني في الحكومة رغم أنه لم يعد يمتلك هذا الحق بوجود كتلة من النواب السنة المعارضين له، و لهم الحق في أن يتمثلوا في الحكومة وفق حجمهم التمثيلي في البرلمان حسب ما ينص دستور الطائف. كذلك الأمر على المستوى المسيحي حيث رفعت القوات اللبنانية من سقف المطالبة بحصة وزارية تتجاوز حجمها التمثيلي في البرلمان، و ذات الأمر ينطبق على كتلة اللقاء الديمقراطي. و كان من الطبيعي أن يرفض التيار الوطني الحر و حلفائه من المقاومة و القوى الوطنية تجاوز نتائج الإنتخابات النيابية و تشكيل حكومة لا تعكس هذه النتائج.
لكن ما الذي تبدّل حتى خرج الحريري و تحدث عن إحتمال تشكيل الحكومة بعد عشرة أيام؟!!!

الشيئ الجديد الذي يرجح مثل هذا الإحتمال هو التطورات التي حصلت أخيراً في المشهدين السوري و العراقي. ففي العراق أشّرت التطورات الأخيرة إلى فشل محاولة الإنقلاب الأميركية لتسمية رئيسين للجمهورية و الحكومة ينسجمان مع التوجهات الأميركية السعودية، حيث أخفقت الأحداث المدبرة في البصرة في تحقيق هذا الهدف، و أدت إلى إحداث إنقلاب في المشهد السياسي تمثّل في التحالفات بين كتلة "الفتح" التي تضم قوى الحشد الشعبي، و كتلة "سائرون" التي يرأسها التيار الصدري، و بالتالي إنتخاب برهم صالح كرئيس للجمهورية، و تسمية عادل عبد المهدي كرئيس لتشكيل الحكومة على حساب مرشحي القوى الموالية للتوجه الأميركي السعودي.

أما في سوريا فإن العدوان الصهيوني الأخير على مدينة اللاذقية و الذي تسبب بسقوط الطائرة الروسية و إستشهاد الضباط و الجنود الخمسة عشر الذين كانوا على متنها، دفع بروسيا إلى إتخاذ الرد على هذا الكمين الصهيوني الغادر و تسليم سوريا منظومة صواريخ الS300، و بالتالي تقييد حركة الطيران الصهيوني و حرمانه من القدرة على الإعتداء على سوريا مما شكّل ردعاً ليس فقط للعدوانية الصهيونية، و إنما أيضاً لكل من الولايات المتحدة الأميركية و تركيا، و بالتالي إضعاف قدرة كل من واشنطن و أنقرة على المناورة و محاولة تحقيق أهدافهما الإستعمارية في سوريا و تعزيز الموقف السوري و حلفائه في العمل على إنهاء ما تبقى من وجود إرهابي في سوريا و إستعادة السيادة السورية كاملة على قاعدة رفض كل الشروط و الإملاءات الأميركية للحصول على تنازلات تمس إستقلال سورية و حرية قرارها الوطني.

إذا كان الرهان الأميركي السعودي على تعطيل تشكيل الحكومة عبر رفع سقف مطالب قوى 14 آذار مرتبط بالرهان على إحداث إختراقات لمصلحة المشروع الأميركي السعودي في كل من العراق و سوريا لإستخدام ذلك ورقة تعزز من قدرته على الإنقلاب على نتائج الإنتخابات في لبنان، و تشكيل حكومة لا تعكس هذه النتائج، فإن هذا الرهان قد فشل و بات من الواضح أن المعادلة الإقليميةفي كُلٍ من سوريا و العراق و حتى اليمن لم تَعُد في مصلحة هذا الرهان الأميركي السعودي.

على المستوى المحلي، إحتمال أن تكون المستجدات الإقليمية قد إنعكست محلياً من خلال موقف الرئيس الحريري الذي تحدث عن إحتمال تشكيل الحكومة خلال عشرة أيام، و ما نقل عن إستعداده لقبول تسمية وزير سني من خارج كتلته، يمثل كتلة النواب السنة الوطنيين و يكون من حصة رئيس الجمهورية، و إستعداد النائب السابق وليد جنبلاط لقبول تسمية وزير درزي من خارج كتلته لكن بالتوافق مع الوزير طلال أرسلان، و عدم معارضة جنبلاط لزيارة وزرائه العاصمة السورية. لكن هذه الأجواء الإيجابية على الصعيد المحلي و التي يفسرها المراقبون كإنعكاس للتطورات الإقليمية( الآنفة الذكر ) قلل منها إستمرار تصلب موقف القوات اللبنانية في مواصلة التمسك بسقفها العالي لتمثيلها في الحكومة بحصة أكبر من حجمها، و هو ما أشار إليه رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل في مؤتمره الصحفي الأخير رافضاً مطلب القوات المُضَخّم، و داعياً إلى إعتماد معيار واحد في تمثيل الكتل النيابية ينسجم مع ما أفرزته نتائج الإنتخابات.

إذاً...
إذا كان هذا موقف القوات لا ينبع من( تعليمة) أو من توجهات أميركية سعودية، فإن الرئيس سعد الحريري الذي لديه كلمة السر في ذلك قادر على تذليل عقدة القوات و إلزامها بما يتفق عليه مع رئيس الجمهورية الذي شدد على ضرورة إحترام نتائج الإنتخابات.
من هنا فإن القادم ِ من الأيام لا سيما بعد إنتهاء فترة العشرة أيام التي حددها الرئيس الحريري، سوف تكشف عمّا إذا كانت العقبة الإقليمية قد ذُللت، أم أنها لا زالت قائمة و أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت إلى حين تسليم واشنطن و الرياض بالعجز عن الإنقلاب على نتائج الإنتخابات اللبنانية، و بالتالي الإفراج عن تشكيل هذه الحكومة وفق هذه النتائج، كما سلمت سابقاً بعد طول إنتظار بإنتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.


New Page 1