فنون التوظيف الوهمي لشركات تتعاقد مع الدولة :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


فنون التوظيف الوهمي لشركات تتعاقد مع الدولة

آمال خليل - الاخبار
20-10-2018
عجائب وغرائب في منافذ الهدر والفساد داخل الإدارات العامة. فنون في التوظيف وهمي والفائض عن الحاجة وإبرام العقود الوهمية والمضخمة والتهرب من التصريح وضمان العمال. ظواهر باتت من سمات المنظومة القائمة. وقليل منها يصل إلى مرحلة التقصي والمحاسبة

السادس من كانون الأول المقبل، موعد جلسة في مجلس العمل التحكيمي في وزارة العدل، برئاسة القاضية وفاء مطر، للنظر في ملف إحدى شركات مقدمي الخدمات بتهمة عدم التصريح عن عمالها للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي. الملف الذي يحمل الرقم 277\2015، أساسه شكوى تلقاها الصندوق من مستخدمي وعمال مؤسسة مياه لبنان الشمالي، منتصف عام 2013، ضد شركة «ميتال للتعهدات والتجارة»، يطلبون فيها «التدخل لإلزام الشركة بتسجيل عمالها في الضمان». بين آب 2013 وآذار 2014، شرع جهاز التفتيش التابع للضمان بإجراء مراقبة شاملة على الشركة التي تأسست عام 2004 وتنشط منذ 2005 في صيانة مضخات المياه والتجهيزات الصحية العائدة لمنشآت الدوائر الرسمية العامة، وتشغّل عمالاً مياومين. الكشف أظهر أن الشركة لم تخضع لرقابة من الصندوق منذ تأسيسها. واللافت أنه رغم التزامها مشاريع عدة لصالح «مياه لبنان الشمالي»، إلا أن عدد الأجراء المسجلين لديها في الضمان بين 2005 و2012، لم يتعد التسعة. وفي عام 2013، عقب الشكوى، سجلت 24 أجيراً إضافياً «يعملون في المحطات التابعة لمياه لبنان الشمالي بصفة تقني». وأظهر الكشف أيضاً وجود عمال غير مصرح عنهم لوزارة المالية ولا توجد أسماء لهم أو هويات وتواقيع. مجموع هؤلاء بلغ 227، تبرر الشركة عدم تسجيلهم في الضمان او التصريح عنهم بأنهم «استخدموا لفترة تقل عن عشرة أيام وأحياناً لفترة لم تتعد ثلاثة أيام». أما عن استخدام عمال من الجنسية السورية وغيرها، فقد اعتبرت «ميتال» بأنها «ككل المؤسسات» تفعل ذلك. قدمت الشركة اعتراضاً ضد تقرير تفتيش الضمان الذي أدانها بعدم تسديد مستحقات الصندوق وحقوق المستخدمين. لكن التبرير لم يقنع التفتيش الذي وجد أن عدداً كبيراً منهم يعمل بشكل دائم كسائق او حارس ومشغل معلوماتية، وبالتالي يخضعون لأحكام الضمان. فيما أجورهم تعادل الحد الأدنى الرسمي وأحيانا نصف الحد الأدنى شهرياً.
شركة «ميتال» تعمل في الشمال وتسجّل عمالا من الجنوب والبقاع وتتهرب من التصريح عنهم للضمان


حالياً ينظر مجلس العمل التحكيمي في الملف الذي يتضمن تقرير الضمان والمستندات التي قدمتها «ميتال» للدفاع عن نفسها. لكن أحد هذه المستندات قد يفتح الباب على مخالفات من نوع آخر. في جدول الأجور المقطوعة المدفوعة لعمال غب الطلب الذي قدمته الشركة (في 22 تشرين الأول 2013) عن الخدمات التي نفذتها لصالح «مياه لبنان الشمالي» في آب 2013، وردت أسماء 807 عمال تتراوح اجورهم اليومية بين 30 و32 ألف ليرة، ولا تتعدى فترات استخدامهم الثمانية أيام. وبما أن المعيار المنطقي لاختيار العمال يفرض أن يكون مكان إقامتهم غير بعيد عن مقر عملهم، تبيّن أن عدداً كبيراً من أصحاب الأسماء الواردة في اللائحة من الجنوب وبيروت والبقاع. فهل أدرجت «ميتال» أسماء عمال وهميين أم أن هؤلاء يعملون لديها لصالح مؤسسة أخرى؟. هذا الإحتمال قد يكون منطقياً لأن الشركة التزمت عام 2013 تقديم خدمات للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني. مصدر مواكب للقضية لفت إلى أن الشركة «أضافت أسماء عمالها في الشمال في الكشوفات التي تقدمها لمصلحة الليطاني وتقوم بالعكس في الكشوفات التي تقدمها للمؤسسة. وعليه، فإنها تقبض مرتين عن العامل الواحد»!
التضارب لا يقتصر على عدد العمال، بل يشمل أيضاً الكشوفات المالية التي قدمتها الشركة لـ «مياه لبنان الشمالي» للحصول على مستحقاتها المالية. مجموع أجور العمال الـ 807 الواردين في اللائحة الإسمية التي قدمتها «ميتال» عن آب 2013، بلغ 173 مليوناً و 436 الف ليرة. لكن الكشف المالي الذي قدمته للحصول على مستحقاتها عن الشهر نفسه، بلغ 254 مليوناً و672 ألف لاسترداد المبالغ الذي دفعتها كأجور للعمال عن الشهر ذاته. وبعد أن أضافت إليها ضريبة القيمة المضافة (10 في المئة) لتصبح، 280 مليونا و 193 الفا و 200 ليرة. حتى أصبح الفارق بين الرقمين نحو مئة وسبعة ملايين ليرة.


سرقة وهدر واستعباد
تشرع الدولة جيوبها للسرقة والهدر، لكنها تشجع أيضاً على السخرة والإستعباد. عمال غب الطلب هم من يعملون لدى متعهدين يتعاقدون مع المؤسسات الرسمية لتقديم خدمات متنوعة من الأعمال الإدارية إلى الصيانة والجباية. وهؤلاء يقومون بغالبية المهمات في مؤسسات الكهرباء والمياه في ظل تجميد الدولة للتوظيف والمماطلة في تعيين الناجحين في مجلس الخدمة المدنية. مع ذلك، فإن العمال يأكلون الحصرم والمتعهدين يأكلون الشهد.
شراكة وطيدة تجمع بين المتعهدين وبعض أصحاب القرار في المؤسسات الرسمية. تلك الشراكة تنسحب على تقاسم الأرباح غير المشروعة على حساب الدولة والعمال. في هذا الإطار، يؤكد المدير العام مؤسسة مياه لبنان الجنوبي وسيم ضاهر بأن قطاع مقدمي الخدمات «صندوق أسود». قبل توليه منصبه في شباط الماضي، كان الداخل مفقوداً والخارج مولوداً في العلاقة بين المؤسسة والمتعهدين، في بعض الأحيان.
«لا أحد يعرف شيئاً. العمال يفاجأون بحسم أجورهم من دون سبب في حين أن الأجر يرد كاملاً في الكشوفات المقدمة للقبض. لا نعرف عما يصرح به المتعهد للضمان أو قيمة المبلغ الذي يوضع في حسابه في المصرف كبدل مستحقات عن الخدمات التي قام بها...». حالياً الوضع اختلف، بحسب ضاهر. «المؤسسة باتت تجري المناقصات بنفسها. بينما كان المكلف بسحب القرعة أحياناً يخبئ اسم المتعهد (الذي عقد اتفاقاً ضمنياً مع جهات معنية) في كم قميصه. وعند سحب القرعة يسحب الورقة من الكم ويبرزها للحاضرين!». يؤكد ضاهر على شفافية المناقصات التي جرت منذ توليه منصبه. «أصبحنا نحدد قيمة بدل الأشغال ونحدد اجور العمال ونشرف على الكشوفات التي يقدمها المتعهد للمصرف وللضمان الإجتماعي. كما منعنا بأن يكلف المتعهد الفائز بالمناقصة، الأشغال المكلف بها إلى متعهد الباطن كما كان يحصل سابقاً، وإلا تلغى المناقصة».
يقر ضاهر بأشكال متنوعة للهدر والسرقة تتم عن طريق شركات مقدمي الخدمات. «تسجيل ساعات عمل اضافية من دون وجه حق وسرقة الجابي للرسوم التي يجبيها من المواطنين، حيث يعطيهم وصلاً بالدفع لكن لا يصرح عنه لدى المؤسسة. إضافة إلى إبرام عقود مضخمة لناحية التكلفة والأشغال التي لا لزوم لها وإبرام عقود وهمية لمشاريع لا تنفذ وتنفيذ صيانة المحطات شكلياً لقاء مبالغ كبيرة، فيما الأعطال تتكرر والمبالغ تزداد». أما التوظيف الوهمي والفائض عن الحاجة، فتلك مغارة علي بابا. في غضون 9 اشهر، شطب ضاهر 55 شخصاً مسجلة أسماؤهم كموظفين لدى المؤسسة يقبضون رواتبهم وهم في الحقيقة غير موجودين. وأحصى نسبة الموظفين الذين يقبضون رواتبهم من دون أن يداوموا في مكاتبهم بأكثر من 50 في المئة.
يتحدث ضاهر عن سنوات تحول فيها الفساد إلى أداء مقبول ومتعارف عليه، في ظل تواطؤ بعض الإدارات أو السكوت في أحسن الأحوال. ماذا عن المحاسبة؟. من كل الفنون الذي استعرضها ضاهر في الهدر والإختلاس والسرقة، لم يتم الإدعاء سوى على ثلاثة موظفين باختلاس مليارات الليرات من مؤسسة مياه لبنان الجنوبي. أحدهم حكم بالسجن لسنتين فقط. «لدي تأكيدات بتورط عدد من الموظفين بالنظر إلى سلوكهم وثرائهم المستجد ونمط حياتهم. لكن القضاء يسألني: أين الدليل؟. ولست أنا من يجب أن يحقق في الأدلة».


New Page 1