دمشق... العاصمة التاريخية عشية الاشتباكات المسلحة [1] :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


دمشق... العاصمة التاريخية عشية الاشتباكات المسلحة [1]

جريدة الأخبار اللبنانية
28-07-2019
طالت الأزمة في سوريا. وهي لم تنته بعد رغم توقُّف الاشتباكات المسلَّحة، التي امتدَّت إلى المدن الرئيسة، فدمَّرت أجزاء من دمشق (مساكن برزة، والقابون، وجوبر)، وطالت معظم محيطها في الغوطتين، فأكملت تدمير جوبر، وحرستا، ودوما في الغوطة الشرقية. وأصابت زملكا، وعربين، وسقبا، وحمُّورية... إصابات جزئية محدودة. وامتدت الاشتباكات إلى مدينة داريا في الغوطة الغربية، فدمَّرتها جزئياً. كما طالت الاشتباكات قلب حلب التاريخي، وأسواقها المصنَّفة في لائحة التراث المبني العالمي، فدمَّرته كلياً، كما دمَّرت أجزاء من أحياء حلب. لقد قدَّر فرع حلب، «للشركة العامة للدراسات والاستشارات الفنيَّة»، نسبة مجموع ما تهدم في الاشتباكات، بـ 20% من نسيج المدينة المبني. كما قدَّر بأن 60% من مجمل النسيج المبني في المدينة، هو بحاجة إلى ترميم. وفي الشمالي الشرقي، التدميرُ جزئي في جبل بدرو، وتعتبر الشركة أن المستوطنة غير القانونية في «الحيدرية» غير صالحة للسكن. وفي حمص، تُظهِرُ الوثائق المتوفّرة حجم الدمار، الذي أصاب المدينة في قلبها، وفي شوارعها الرئيسة. إعمار سوريا الوطن يعني بالدرجة الأولى إعمار مدنها الرئيسة:
• دمشق عاصمة سوريا التاريخية، يسكنها اليوم مع محيطها، ما يقارب أربعة ملايين ونصف مليون من السكان.
• حلب، التي تستمرُّ فيها الحياةُ منذ خمسة آلاف سنة، وربما يفوق عدد السكان فيها وفي محيطها اليوم، عدد السكان في دمشق وفي محيطها.
• حمص ومحيطُها، حيث بنى الإسكندر المقدوني الرستن، فيها المصفاة، والسد، ومنشآت أخرى.
إذا أضفنا إلى الحواضر الثلاث، مدن الساحل السوري، لرأينا، أن كل إعمار، في دمشق وحلب خاصةً، هو إعمار نموذجي بالضرورة:
- في إعداد المُخطَّطات التنظيمية للحاضرة ومحيطها، في ضوء ما تهدَّم فيها.
- في إعداد المخططات التنظيمية التفصيلية، للمناطق المتضرّرة.
- إعمارٌ، يقلّص رقعة الدمار، باعتماد الترميم.
- صياغة لغة معمارية، تنبع من روح المكان، أليفة، غير مغرَّبة.

الحواضر السورية في التاريخ
قليل من التاريخ، وموجز لتتابع الحقبات، في هذه الحواضر.

2 – 1 – قليل من التاريخ.
ما يهمُّني كمعمارٍ عربيّ هو إدراكي، أن المكتشفات الأركيولوجية تؤكد أن منطقة الشرق الأوسط العربي هي المهد الأكيد، للمدن الأولى في التاريخ.
منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، في الجنوب، وفي ما عُرف بمنطقة «الميزوبوتاميا»، تكوَّنت مجموعاتٌ مبنيَّةٌ، تميَّزت بأنماطٍ من التنظيم المديني وسطُها قلبها، فيه مبانٍ دينية ومدنيَّةٍ، من بينها مباني الحكم. وفي الألفين التاليين، انتشر هذا التنظيم المدينيُّ في أرجاءِ المنطقة. فنشأت عواصمُ إقليمية، مثل سومر، وبابل، وإبلا. ومدنٌ تجارية على الشاطئ الكنعاني في جبيل، وأوغاريت، وصور... وإذا كان بعض هذه المدن، قد تحوَّل إلى أطلال، فإن إستمراراً عنيداً، ما زال يشاهدُ اليوم في دمشق، وحلب، وجبيل، وصور... ومن عناصر الاستمرار المميَّزة، هو البيت المنظَّم حول فناءٍ مفتوح، تدخله السماء. نموذجٌ انتشر في أرجاء الشرق الأوسط العربي، ولا يزال يوجد بكثافة في مدننا الرئيسة، أذكر منها:
دمشق، وحلب، والقدس، وطرابلس (لبنان)، وصيدا.



الاشتباكات المسلحة تُزنر العاصمة دمشق (الصورة ليسار عابدين) | انقر على الصورة لتكبيرها

وفي زمن تعدّى القرن الواحد قليلاً، انتشر الإسلامُ ووصل إلى إسبانيا والهند. رافق هذا الانتشارَ ازدهارٌ قلَّ نظيرُه. من المؤكَّد أنه قرابة نهاية الألفية الميلادية الأولى، كان في الوطن العربي، المجموعةُ المدينيَّةُ الأكثرُ عدداً في العالم. أي ما يقارب عشر مدنٍ تعدَّى عدد سكَّان كلّ منها، مئة ألف نسمة. في مشرق الوطن العربي، شُيّدتْ على التوالي ــ البصرة في عام 635م، والكوفة في عام 638م، والفُسطاط التي بناها عمرو بن العاص في عام 641م، وكانت النواة الأولى لبناء القاهرة. أما في المغرب العربي، فقد بُنيتْ على التوالي: القيروان في عام 670م، وقد بناها عقبة بن نافع. وبعدها المونستير، وسوسه، والمهديَّة. واستمر الحراك باتجاه الغرب، فبنيت فاس في عام 810م، ومراكش في عام 1070م. هذا في مجال المدن الجديدة، مع التأكيد على التطور المديني الذي شهدته مدنُ المشرقِ العربي العريقة، مثل دمشق، وحلب، والقدس، وأنطاكية (التي كانت لنا).
لقد شكلت التعاليم، والسلوك التي أرساها الإسلام في حياة الناس، الأسس التي قامت عليها حياة مدينيَّة جديدة. وأنحازُ، إلى موقفٍ يرى أن هذه المدن العربية الإسلامية، تجسّدُ طابعاً مُميزاً، ونموذجاً أصيلاً، لما ستكون عليه المدن العربية الإسلامية، التي تألّقت في القرنين العاشر والحادي عشر، الميلاديين.
لقد ارتكز هذا النموذج المديني العربي الإسلامي، إلى مفهومٍ يرى أن تنظيم المجال مدينياً، يقوم على مركزٍ، تشيَّد فيه المباني العامة الدينيُّة والمدنية، ومباني الحكم. أمّا المباني السكنية، فتتوزَّع في الأطراف، تربطها طرقٌ بالمركز. إنّ في هذا المفهوم، استمراراً لموروثٍ مدينيّ عربي في مدن الإسلام الجديدة، آت من اليمن والحجاز. والصفةُ التاريخية لهذه المدن، تقوم على ركيزتين اثنتين:
ــ الأولى: إنها نماذج لمدنٍ قطعت مع النماذج القائمة، وأسَّست لنماذجَ جديدةٍ أصيلة.
ــ الثانية: إنّ أجزاء هامة منها، استمرَّت عَبْر التاريخ، ووصلتنا بخاصيَّاتها. يعيش الناس فيها اليوم وهي أمكنة مميَّزةٌ، للسكن، وللنشاط الاجتماعي.

2 – 2 – موجز لتتابع الحقبات التاريخية في الحواضر السورية، دمشق، وحلب خاصة
في عام 333 قبل الميلاد، فتح الإسكندر المقدوني هذه المنطقة، وأسَّس إمبراطورية. وبنى في مكان انتصاره على داريوس، مدينةً سمَّاها الإسكندرون. مات الإسكندر. وورثه في سوريا سلوقس نيكاتور، قامت الدولة السلوقيَّة. وانتصرت روما على بقاياها، في عام 65 أو 64م.
2-2-1- دمشق الآرامية. معبد حدد، والمدينة الأولى.
مع فتح الإسكندر، كانت دمشق مدينة آرامية، يميّزها وجود معبد الإله الآرامي الأشهر حدد، فيها. إنه أهم الأوابد الدينية على سطح الأرض. مورست العبادة فيه، أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة عام، يقول الصديق طلال العقيلي. أما عن المدينة الآرامية الأولى، فلا تصور واضحاً عنها، تنظيماً وعمارة. ثمة صور مدينية ومعمارية لمدن أخرى (ممباقة) في سوريا، (أوغاريت) شمالي اللاذقية، (وتل أسمر) في العراق، فيها صفات مشرقية متشابهة، (بُنيت تدريجاً، الطرق فيها متلاقية، والدور متلاصقة، مداخل الدور غير متقابلة. كلُّ المدن، مطوّقةٌ بأسوارٍ).

2-2-2- ستة قرون في إمبراطوريتين: السلوقية، والرومانية، ثم دمشق البيزنطية المسيحية.
خلال ستة قرون، شكلت دمشق جزءاً من الإمبراطورية السلوقية، وجزءاً من الإمبراطورية الرومانية. أثّرت هاتان الإمبراطوريتان الأوروبيّتا المنشأ، في صورة دمشق، وطبعتها جزئياً بطابعها. فكان لها صورتان عمرانيتان. واحدة يونانيـة رومانية، وثانية آرامية مشرقية. فعرَّفها سوفاجيه بالمدينة المزدوجة: Ville Double. وفي أواخر القرن الميلادي الرابع، حلَّت في المجتمع الدمشقي، النظم البيزنطية، مسيحية في عقيدتها، يونانية في لغتها، مشرقية في أنظمتها. ثم غزا الفرسُ دمشقَ فدمَّروها، وضعضعوا نظامها العمراني. فذاب النسيجُ الروماني القديم، في النسيْج المشرقيّ الجديد، وأصبح جزءاً منه.

2-2-3- دمشق إبان الفتح العربي الإسلامي وزمن الخلافة الأمويَّة.
عندما فتح العرب المسلمون دمشق (عام 15هـ - 636م)، كانت المدينة قد قاربت في صورتها، المدينة المشرقية. ضاقت شوارعها، وتحوَّلت بأروقتها إلى ما يشبه السوق. وتحولت الأمكنة من تجمُّع رومي، إلى تجمُّع عربيّ إسلامي. لكنّ دمشق بقيت في المحل الثاني، حتى بويع لمعاوية بالخلافة وكان والي سوريا، فاختارها عاصمةً له سنة 660م. بدا من مظاهرِ الحكم الجديد، صرحان ضروريان، هما الجامع، ودار الخلافة. شيِّدا جنباً إلى جنب، في حرم الهيكل الآرامي. شكَّلت العمارات التي بناها الفاتحون، بلدةً إسلاميةً كانت مركز سادة الحكم، فغدت عنصراً مهمّاً في تطور مدينة دمشق. ثم قام يزيد ابن معاوية، وحفر في سفح الجبل قناة جديدة اسمها إلى يومنا نهر يزيد، فأحيت أراضي حرستا والقابون، وخلقت مزارعَ وقرى في تلك الضاحية.

2-2-4- دمشق والجامع الأموي الكبير والعمارة في المسجد
كان الوليد قد وعد أهل دمشق المسلمين، وهم أكثرية سكانها، بأن يبني لهم مسجداً جامعاً، يفاخرون به كما يفاخرون بمائهم، وهوائهم، وفاكهتهم، وحمَّاماتهم. اصطدم الوليد بعدم وجود مساحة خالية كافية لبناء الجامع المطلوب. وكان الحل الوحيد الذي اعتمده، تنظيف الحرم الداخلي للمعبد الآرامي، من كلّ ما هو مبني فيه. في عام 705م، بدأت أعمال البنيان بالهدم. وأُبقيَ على حائط السور، وعلى أبراجه الأربعة في الزوايا. ونتج عن أعمال الهدم، مجالٌ فاقت مساحته الهكتار (10.000م2)، وفُرِضَ على المهندسين أن يعملوا داخل هذا الإطار. بُني الجامع على أرض المعبد، وجاءت وحدة التأليف في الجامع، والتناسق الأمثل بين كتله ومجالاته، والعلاقة الوظيفية والجمالية المثلى، التي نظَّمت عناصر المبنى في حرمه، وصَحْنه، وأروقته، ومآذنه، مضافاً إلى هذه اللغة المعمارية، الزينة والزخرفة الرائعتان. جاء كل ذلك، جديداً وفريداً لا مثيل له.


المستوطنات غير القانونية (الصورة ليسار عابدين) | انقر على الصورة لتكبيرها

إن جامع دمشق الأموي، هو نتاج انفجارٍ حضاريّ أبهرَ محيطَه، وأسَّس إمبراطوريةً، عربية إسلامية أموية مترامية الأطراف. وجعل هذا الدينُ الجديدُ من دمشق، أهم مركزٍ للإشعاع الحضاري على وجه الأرض. وجامع دمشق الأموي، هو المعادل «المعماري» لعظمةِ هذه الإمبراطورية. وبه وضُعِتْ الأسس التأليفية والتقنية لـ «عِمارة» الجوامع، التي أسست لكل ما نعرفه من روائع الفن العربي الإسلامي. لقد وفى الوليد بوعده، وبنى للمسلمين في دمشق، مسجداً جامعاً يفاخرون به. جامعٌ سيبقى درَّتَها الغالية، ومعجزتَها إلى ما شاء الله. هذا ما كتبه الصديق، طلال العقيلي.

2-2-5- دمشق في حقبة العصور الوسطى: العبَّاسيون والفاطميون
تطور المدينة في بعض الحقبات اللاحقة، الأتابك، والزنكيون، والأيوبيُّون.
إثر سقوط الأمويين، أرهق العبَّاسيون دمشق، وازدادت حالتُها سوءاً في ظلّ السيادة الفاطمية. مع قيام الدولة العباسية، بدأَ عهد انحطاطٍ في دمشق، وضواحٍ جديدة، قامت آنذاك، كالعُقيبة، والشاغور. في سنة (1076 م – 468هـ)، انتزع الأمير أتسيز التركي دمشق من الفاطميين، فحكمها السلاجقة، وأشهر الأتابك، نور الدين محمود ابن زنكي. ثم كان الحكم لصلاح الدين، الذي أسس الدولة الأيوبية، التي استمرَّت حتى غزوة المغول (سنة 1260م). وكان هذا العصر في دمشق، عصر نهضة حقيقية، سببها وجود السلطان في المدينة، مع حرسه، وهم المماليك. وجعل الأيوبيون من دمشق، موقعاً حربياً، ومركزاً ثقافياً ودينيَّاً. ومن المنشآت المتعلقة بالحياة العسكرية ميدانان، كان ينزل فيهما السلطان: الميدان الأخضر، بُني غربي المدينة، في مرج فسيح قرب النهر. وميدان الحصى، الذي يقع جنوب المدينة. واتّسعت الأسواق في المدينة، وأصبح فيها نحو مئة مدرسة. وقامت في لحف قاسيون، ضاحية الصالحية نسبة إلى مسجد أبي صالح. ثم نزل بالقرب من هذا المسجد، أكراد، لحقوا بالسلطان صلاح الدين.

2-2-6- دمشق في حقبة المماليك، وفي الحقبة العثمانية
بعد الاكتساح المغولي (سنة 1260م/ 658هـ)، شكَّلت سوريا ومصر دولة واحدة، على رأسها المماليك الترك. ظهرت هذه الدولة المصرية – السورية شديدة القوة. غدت دمشق مدينة صناعية عظيمة، فازداد عدد سكانها ونشأت بفعلِ ذلك ضاحيتان: الأولى في الجنوب الغربي، ودعيت «السويقة». والثانية «سويقة صاروجا» في شمال المدينة. ترك المماليك في دمشق القبور الفخمة، ذات الواجهات المتعددة الألوان، والمساجد الجامعة، وأهمها جامع يلبغا.
دخل السلطان سليم سوريا (سنة 1516م/ 922هـ)، وتطورت دمشق في الحقبة العثمانية بتأثير عوامل عدة. أولها، كيان الإمبراطورية الواسع، الذي سهل السفر داخلها. وثانيها، فتح المرافئ التركية لتجار أوروبا، الذين أخذوا يصدّرون إليها المصنعات، ويستوردون منها المواد الأولية. وثالثها، الحج إلى مكة عَبْرَ دمشق، الذي شكَّل مورد المدينة الأعظم. ورابعها، الجوامع الكبيرة، التي بنيت شبيهة بعمارة مساجد اسطنبُول.

2-3- دمشق في الحقبة الراهنة.
نميز، في المدينة راهناً، ثلاث حقبات رئيسة:
* ـ الحقبة الأولى: الاحتلال المصري مع ابراهيم باشا بين (عامي 1832 و1840).
أثّرت الثورة الصناعية في فرنسا، في مصر، وفي بلاد الشام وسوريا. وظهرت اهتمامات جديدة. اهتمام بالصحة العامة، وبحركة سير العربات، ورؤية فرنسية للإدارة، أدَّت إلى إقامة مبانٍ إدارية جديدة. بنيت هذه المباني في «المرجة»، غربي المدينة القديمة مع إعادة توزيع المياه، ونشوء أحياء بعيدة عن وسط المدينة القديم. وكانت السلطات، قد أنزلت في الصالحية، مهاجري جزيرة كريت المسلمين، في حيّ المهاجرين، الذي أنشأه والي دمشق، حسين ناظم باشا. وقد بنى لنفسه قصراً هناك، صار في ما بعد، القصر الجمهوري.
المكتشفات الأركيولوجية تؤكد أن الشرق الأوسط العربي هو المهد الأكيد، للمدن الأولى في التاريخ

* ــ الحقبة الثانية، (في عام 1921م) انتُدِبَت فرنسا لتحكم سوريا ولبنان. أقام المنتدبون الكولونياليون الفرنسيون في دمشق، واستأثروا بإدارة البلاد. إلا أن الثورة السورية اندلعت في عام 924م. ويوم الأحد 18 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1925م، قصفت الطائرات الفرنسية، المدن السورية الثائرة، ومنها دمشق. استتب الأمر بعدها، للفرنسيين. وسكنوا الأحياء الممتدة بين الصالحية والمدينة القديمة. تطوَّرت تلك الأحياء، وظهرت مناطق الجسر، وعرنوس، والشهداء، بمظهر المدن الغربية، مثالها التنظيم المديني الحديث، وأداته البارون هوسمان.
وكما في بيروت كذلك في دمشق. في منتصف الثلاثينات، جاءَ الأخوان دانجيه (Danger) بدايةً، فرسما شارعاً رئيساً عريضاً، وشوارع ثانوية متجاهلين روح المدينة، مدمرين ما تيسَّر من صروحها التاريخية. فظهرت تلك الشوارع التي سُرَّ بها سوفاجيه، في كتابه «دمشق الشام»، زاعماً، أن مدينة غربيَّة بدأت تظهر في دمشق، إلى جانب المدينة التاريخية العريقة. وكما في بيروت كذلك في دمشق، أتى إيكوشار مقترِحاً تصوراً، يتجاهل وجود بساتين دمشق، وصروحها التاريخية، فرُفِضَتْ مقترحاته. ثم أعدَّ مخطَّطاً جديداً، بمشاركة الياباني بانشويا. فقُبلَ مخطّط إيكوشار – بانشويا لمدينة دمشق بكاملها، في عام 1967م. ولم يُعَدّ أي مخطَّط شامل للمدينة بكاملها، بعد هذا التاريخ.
*- الحقبة الثالثة: دمشق، خلال نصف قرنٍ، بعد الاستقلال. لقد تغيرت صورة دمشق كلياً، خلال نصف قرن. بعد الانتداب تمدَّدت، واتسعت مساحة «دمشق الكبرى»، وناهز عدد سكانها الخمسة ملايين نسمة. ابتلع البنيان الغوطتين، وتسلَّق جبل قاسيون. استُحدِثَتْ طرقاتٌ رئيسة، وأخرى فرعية، وشوارعُ، وبولفاراتٌ، وأوتوسترادات. بُنيت المجمَّعات السكنية، والجامعات، والمعارض، والمدن الرياضية. تمَّ كل ذلك، وفق مخطَّطات تنظيمية مدينية جزئية، متسرّعة، ومرتجلة.

- 3- دمشق، عشية الاشتباكات المسلحة.

3-1- دمشق، والمستوطنات غير القانونية (Informal).
نشر الصديق يسار عابدين، في «المجلة الدولية لمنظَّمة الصليب الأحمر» نصَّاً طويلاً بعنوان، «هشاشة أمن الجماعة، في دمشق وفي محيطها». تناول فيه الأخطاء التنظيمية في التخطيط المديني السوري، ورأى فيها السبب الرئيس في تصاعد الأزمة السورية، وفي استمرارها. وخلُص إلى استنتاجٍ مفاده، أن الهشاشة، في دمشق ومحيطها، تتشارك مع الفقر ومع الأخطاء التنظيمية، ومع المستوطنات العشوائية المكتظة بالسكان، فتصنع بكل ذلك، نموذجاً لهشاشة كافة المدن السورية. وفي الصفحات الأخيرة من الدراسة، مصوَّرات خمسة تُظهر مواقع تجمُّع الأسباب، التي يرى فيها حاضنة الأزمة، والتي تحولت بسرعة، إلى اشتباكات مسلَّحة.

3-1-1 في المعطى الموثَّق حول المستوطنات «غير القانونية، Informal» في محافظة دمشق.
يظهر هذا المعطى الموثق، أن المستوطنات «غير القانونية» كما تسمّى، Informal تحـوط دمشـق. فهي داخل حدود «محافظة دمشق»، مثل الميدان، والقابون، وجوبر، والمزة وكفرسوسة، ومساكن برزة، ومنحدرات قاسيون. وفي جيوب عتيقة، تعود ربما إلى نهاية الحقبة العثمانية، في أبو رمانة، والقصَّاع، والمهاجرين... أما في محافظة ريف دمشق، فالمستوطنات «غير القانونية» Informal موجودة في كل امتدادات المدينة. نجدها في اليرموك، والحجر الأسود، والقدم، والعسَّالي. وفي الغوطة الجنوبية الغربية، نجدها في معضميَّة الشام، وهي تحاصر مدينة داريا. وفي الغوطة الشمالية الشرقية، نجدها في طبالة، وجوبر، والقابون، وحرستا، ودوما. وفي جيوب، على جانبي الأوتوسترادات المستحدثة.

3-1-2 النازحون إلى المستوطنات «غير القانونية»؟ من هم؟
سياسات عامة ومحلية أدت إلى إفقار الريف. غيابُ التخطيط السكَّاني سببٌ رئيسٌ آخر، في نشوء مثل هذه المستوطنات. ومن نتائج بعض السياسات المحلية هذه، التحول الجذري طبقياً، في بنية صغار المزارعين والفلاحين. تستملك السلطات المحلية، أراضي لتنفّذ بعض مشاريعها، عبر لجان تخمين جائرة أولاً، ولا تدفع البدل العائد إلى المالك ثانياً.

جامع دمشق الأموي، هو المعادل «المعماري» لعظمةِ هذه الإمبراطورية
ثم يُهمل المشروعُ العام، وتنتقل ملكية الأرض إلى مُلاَّك جدد. ويُصبح صاحب الأرض الأصلي، أجيراً، عند المالك الجديد. ينخفض سعر الأراضي، ويُدفعُ سكان الريف إلى النزوح إلى العاصمة. دُفِنَتْ الزراعةُ، وتقلَّصت مساحات المراعي، فلم تعد حياة البداوة سهلة. فقرر كثرٌ من البدو، الاستقرار، في المستوطنات «غير القانونية» ذاتها. وبديهي، أن مستوى الحياة في سوريا، يختلفُ من محافظةٍ إلى أخرى. فكما ينزح أهل عكار، والبقاع، والجنوب، في لبنان باتجاه بيروت، كذلك ينزح بعض سكان المحافظات في سوريا، إلى مدن الساحل، وإلى المدينة الاقتصادية حلب، وإلى العاصمة دمشق. وملاذهم الأخير دائماً: المستوطنات «غير القانونية» في المدينتين. وفي ذاكرتنا، حرب حزيران في عام 1967. لقد رافق «النكسة» في سوريا، نزوحٌ من الجولان المحتل. واستقر النازحون في مستوطناتٍ بنوها «غير قانونية» حول دمشق.
بالإضافة إلى هذا النزوح الداخلي، هناك نزوح اللاجئين الفلسطينيين. فبعد الحروب المتعددة، ازداد عدد الفلسطينيين اللاجئين إلى سوريا، واستقروا في اليرموك وجواره.

رأس المال والمستوطنات «غير القانونية»
بوجود هذه الأعداد من النازحين، أقام رأس المال في سوريا، قطاعاً موازياً للبناء، وبنى لهم المستوطنات تحوط المدن الرئيسة. بناها بتقنياتِ مدن الصفيحِ، المنتشرة في الوطن العربي: القاهرة، بيروت، تونس، دمشق... بناها بدون ترخيص، وبدون تجهيزات، وبدون بنى تحتية. بناها لتأمين المزيد من الأرباح، ولتكون لهم، الملجأ والمأوى. بتغاضٍ من السلطات العاجزة عن تأمين السكن للجميع.

الطبقات والشرائح الاجتماعية، في النسيج المديني، وفي محيطه.
في هذه الجموع من النازحين، الفقر مدقع 7 إلى 12%، والانغلاق سيدٌ يجزّئها إلى مجموعات توحّدها عصبيات متعددة المسارب، دينية، قبلية، مناطقية، عائلية... وربما صح فيها القول، إن في ذلك مظاهر تضامنية. وهي، رغم كل هذه التفاصيل، غير كافية لتصنيفها اجتماعياً. فالفقير، يشبه في حياته فقيراً آخر. إلا أن الفقراء ليسوا شريحة اجتماعية. ففي المجتمع طبقات، وشرائح طبقية. تحتكرُ الشرائح العليا، الجزء الأكبر من الثروة الوطنية، في حين لا تحظى الشرائح الدنيا إلا بالفتات. إن هذا التفاوت في توزيع الثروة الوطنية، يولّد الشرائح المسمَّاة «فقيرة». وهي في العلاقات الاجتماعية القائمة عندنا، مضطهدَة، مهمَّشة، مقصيَّة. والمطلوبُ هو شيءٌ من العدالة الاجتماعية، تعيد توزيع الثروة الوطنية توزيعاً فيه بعض الإنصاف. عندها، يصبح دخول هذه الشرائح في الحياة العامة، ممكناً، بعيداً عن الإقصاء والتهمش.

3-2- المستوطنات غير القانونية بؤرٌ، والاشتباكات المسلحة تعمُّ محيط العاصمة دمشق، وتطوّقها
في الغوطة الشمالية الشرقية، وفي الغوطة الجنوبية الغربية، وفي الجنوب والجبال، المحيط الذي أشعلته الاشتباكات المسلحة فسيح، وهو يحاصر العاصمة. ففي الغوطة الشمالية الشرقية مثالاً، طالت المواجهات المسلحة القابون وجوبر، وصولاً إلى حرستا ودوما. كما طالت حزَّه، وزملكا، وعربين، وعين ترما، وسقبا، وحمُّورية. يقدر مجموع سكان الغوطة الشمالية الشرقية، بمليون نسمة. أما في الغوطة الجنوبية الغربية، فقد حاصرت الاشتباكات المسلحة داريا، ومعضمية الشام. وطالت كل البلدات المجاورة. وربما قدّر عدد السكان في الغوطة الجنوبية الغربية بمليون نسمة أيضاً. وفي الأعلى في الجبال، فقد طالت الاشتباكات المسلحة جديدة الوادي، ومعربا. كما طالت قدسيا، وضاحية قدسية السكنية الجديدة. وفي الجنوب، اليرموك، والحجر والأسود. لقد حُسمت الاشتباكات المسلحة في البؤر التي سبق ذكرها، بعد قتال طويل، ونزح معظم ساكني الغوطتين. والزيارة الميدانية للعاصمة دمشق اليوم، تظهر أنها تعيش حياة عادية طبيعية. وهي مزدحمة بكثر أتوا من مناطق أخرى. وكل المجالات، والتجهيزات، والمؤسسات المدينية، تعمل بشكل طبيعي. ولن تظهر هذه الزيارة آثاراً تدميرية واضحة. في العاصمة بعض الإصابات الموضعية، في تلافيف الشوارع التاريخية المتراكمة، وبعض الإصابات في مساكن برزة، وفي غيرها، من مواقع دمشق القديمة.
الزيارة الميدانية إلى الغوطتين، الشمالية الشرقية، والجنوبية الغربية، مختلفة كلياً بنتائج المشاهدات فيها. ففي الغوطة الشمالية الشرقية، الدمار يكاد يكون شاملاً. المناطق مخطَّطة. والطرقات فيها عريضة، تعمل بالاتجاهين، في حين نرى، الركام يغطي كامل المواقع التي كانت مبنية. فجوبر مدمرة كلياً. والقابون كذلك، وحرستا، وصولاً إلى دوما. في الغوطة الشمالية الشرقية هذه، بلدات أو مدن كثيرة، طالها دمار جزئي. منها حزَّة، وزملكا، وعربين، وعين ترما، وسقبا، كما سبق وذكرنا. زملكا وعربين كمثالين، هما مسكونتان إلى الآن. والمدمّر فيهما سهل ترميمه. أما سقبا، فبالإضافة إلى الدمار الجزئي الذي أصابها، فقد تحولت كلياً، من مدينة متخصصة بإنتاج المفروشات التي تصدَّر، إلى مدينة عادية. فلم يبقَ من ماضيها، سوى أسماء المعارض، معلقةً فوق صالات العرض، التي تحولت اليوم إلى محلات تجارية عادية، إذ أن البلدة لا تزال مسكونة أيضاً. والجدير ذكره في هذا المجال، هو أن لكل من هذه البلدات المدن، بلديتها ومجلسها البلدي، وجميع الدوائر الفنية والإدارية الملحقة به. ثم كانت الزيارة الميدانية إلى داريا. فكل محيط المدينة مدمر بالكامل. وحدها مدينة داريا، حافظت على وجودها، مع دمار واسع فيها، يتطلب معالجة خاصة.


New Page 1