التحرك الشعبي: اللاعفوية والحيرة اليسارية :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


التحرك الشعبي: اللاعفوية والحيرة اليسارية

أحمد جابر - المدن
12-01-2020
مرَّت أيام التحرك الشعبي الغنية بدلالاتها، وحافظ المعترضون في الشارع على وتيرة متابعة الضغط على المشهد السياسي العام. في سياق الاستمرارية الشعبية، بات ضرورياً الخروج بخلاصات وعناوين قراءة لما حصل حتى تاريخه، ولواقع الحال الراهن، ولما يمكن أن يكون متصلاً باستمرارية التحرك في المستقبل، استمرارية قد تكون مفتوحة على استقامة أحوال حركة شعبية لبنانية جديدة. جملة من المواضيع باتت مطروحة على بساط البحث، ولعل الأبرز منها، أو أكثر ما يدعو إلى التفكير المواضيع الآتية:

موضوع أول: سقوطان
سقط من صاغ فذلكة إدعاء العفوية وألصقها بالتحرك الشعبي، الصحيح أن اللاعفوية الكامنة كانت سياستها الترويج للعفوية. الأسباب كثيرة، ومن أراد ذكر ما يراه منها سيجد الكثير مما يمكن قوله وشرحه، بإيجاز وبإسهاب.

كذلك سقط إدعاء التشكيلة الطائفية باستجابتها لـ "صوت" التحرك الشعبي، والصحيح أنها تراجعت دفاعياً لبرهة، ثم استأنفت هجومها ومناورات التفافها على أيام الشارع الحافلة.

سقوط التحرك الشعبي عن حافة زخمه واندفاعه مرئي الآن من خلال مشهد ساحاته، ومن خلال "نمطية" مجموعات متفرقة تنوب عنه وتختزل كل حركاته، وسقوط السلطة السياسية عن حافة استجابتها مرئي أيضاً، من خلال مشهد المكلف بتأليف الحكومة وتحركاته، ومن خلال مشهد كل طالب حصة وحركاته وخزعبلاته.

حصيلة السقوطين في ملعب السياسة الآن
ربح للساقط الحاكم والمتحكم الذي عاد فأمسك بقوانين إدارته، وخسارة للساقط المعترض الذي لم يحاول صياغة قوانين اعتراضه، وأشكال حشد وصياغة وتنظيم برامجه، وأساليب إدارة سياساته.

ماذا في اليد الشعبية للتأسيس للغد الشعبي؟ ما صلة الوصل بين اليوم المعارض والغد المعارض؟ فاتت فرصة عظيمة، فكيف يعوض مستقبل الفرص من حال الفوات؟

الأسئلة ليست بلا أجوبة، هذا من الثوابت، ومن الثوابت أيضاً، أن لا أهلية سياسية للكثيرين من اللاعفويين الذين قادوا "عفوية" التحرك الشعبي. اللاأهلية السياسية صفة مشتركة اليوم بين الحاكم وبين "قيادة" الجمهور التي انتدبت ذاتها للاعتراض على لا أهلية هذا الحاكم.. ومن الثوابت، أن حزمة من القضايا غير المفكر فيها، أو المسكوت عنها، هي القضايا الأهم من بين كل العناوين التي تدور عليها ثرثرات التكرار.

موضوعٍ ثانٍ: قراءة مكونات التحرك الشعبي
الحديث عن بنية التحرك الشعبي تمليه ضرورات سياسية وعملية، إذ على تبين حال التحرك وقواه، من جمعيات معلنة وحزبيات مضمرة وجمهور عادي من دون انتماء، يُبني تقدير الموقف الذاتي، وتُقترح السياسات، وتُبتكر الأطر الانتظامية المناسبة، وتُعتمد الشعارات والأساليب التي تتواءم وحال التحرك، لجهة نقاط قوته وكيفية تطويرها، ولجهة الثغرات المتوقعة وكيفية تلافيها، أو الحد من سلبياتها، ولجهة ردود السلطة وصيغة وأساليب التعامل معها.

لقد بات ممكناً الآن نقاش البنية التي اجتمعت في ساحات، وعبرت عن "صورة حالها" في تجمعات، وهي مستمرة في التعبير عن هذه الصورة من خلال تحركات يومية متفرقة.

يجب طرح سؤال عن النقاط المشتركة بين ساحة وساحة، وطرح السؤال عن ما يميز ساحة عن زميلتها. ربما يسمح القول أن كل ساحة تشبه الثانية من جوانب، ولا تشهبهها من جوانب أخرى، وأن الخيوط السياسية والاجتماعية والأهلية التي تشد انتظام ساحة هنا، ليست نسخة مطابقة لخيوط انتظام ساحة قريبة أو بعيدة. على سبيل الأسماء الساحاتية، طرابلس ليست البقاع، وساحة الشهداء ليست ساحة رياض الصلح، وصيدا ليست صور، والنبطية ليست الجية، وهذه كلها ليست ساحة الذوق أو الشيفروليه.. هذا الواقع الحقيقي يضع كل مهتم بشؤون التحرك أمام سؤال: هل الواقع هذا تنوع ضمن فضاء تنسيقي واسع، أم هو تنوع ما زال خارج هذا الفضاء؟ الجواب يتصل مباشرة بأسئلة برامج الحد الأدنى المشترك، وأسئلة التنسيق الضروري المتصل بالتحرك في ظل هكذا برنامج، ودائماً وفق صيغ انتظامية مبتكرة تتلاءم وطبيعة القوى المشاركة، وباقي المكونات الشعبية.

النقاش، إذا ذهب إلى مداه، يدور كما هو واضح على وقع هتافات مجموعات ما زالت في الشارع، لذلك تقتضي المسؤولية السؤال: أي تفاهم تنسيقي يقف خلف هكذا تحركات؟ ولماذا هذه السياسة المطلبية دون غيرها؟ وهل صحيح ترك "السياسي" في غرفة الانتظار، وترك أركان التشكيلة الحاكمة طلقاء الأيدي في إعادة تكوين "الحياة" السياسية؟

عودة إلى البنية للقول، إن التمايز الأكيد بين ساحة وساحة، صار واضحاً أكثر منذ تكليف السيد حسان دياب بتشكيل الحكومة. أين برز التمايز ولماذا؟ لماذا غابت "الذوق والشيفروليه"؟ ومن صاحب الكلمة العليا في بعض "الخيم" أو في التنسيقية التي تجمع أكثر من خيمة؟ وبعد كل ما ذكر: هل يمكن الحديث عن "تنسيقية" واسعة، تستطيع ببنيتها وبوزنها في الشارع وبوضوح برنامجها المشترك... تشكيل نواة صلبة تستمر في لعب الدور المبادر إلى التحرك؟ وتستطيع تأمين حضور حاشد يشكل حلقة قوية في سلسلة تستكملها مجموعة إضافية من الحلقات؟

باختصار، معرفة وضع التحرك الفعلي الآن، ضروري للانتقال بالنقاش إلى موضوع كيف يكون التحرك غداً وفي المستقبل القريب، وضروري لصياغة الجواب الملح حول هواجس المرحلة الانتقالية بين حاضر التحرك وغده، هذا لأننا نظن أن من يتابع بمسؤولية، يوجه عنايته الشاملة إلى مسألة ديمومة التحرك، وتعزيز صفوفه، وتطوير أدائه، وتعظيم قوته، وترسيخ أقدامه في رحلته التغييرية الشاملة، الشاقة والطويلة.

موضوع ثالث: فقر الحزبية، وحيرة اليسارية الشاملة
تختص الحزبية بكل الأجسام التي ما زالت تتحرك من خلف رايات اشتراكية وشيوعية وقومية، أي أنها ذات طبيعة مؤطرة، وصاحبة برامج متفرقة، وتتحرك وفق نمط تنظيمي محدد تضطبه تراتبية هرمية، وتراكم حصيلة تحركه أساليب عمل متنوعة ومتبدلة. هذه الحزبية المؤطرة نزلت إلى ساحة المساهمة الاجتماعية من خلال عناوين مموَّهة، فكانت لها خِيَم مثلها مثل غيرها من جمعيات العمل المدني، وانضبطت تحت السقف الذي حدده المدنيون، فكان انضباطها مجرد تكرار عملي لما يرسمه سواها، وكان تحركها، غالباً استجابة لدعوات لا تصدر عنها، ومن ضمن رؤية يعوزها كثير من السياسة التي تعطي للمطلبي بعده الاجتماعي، بحيث يأخذ هذا الأخير تراكمه المتدرج إلى عناوين متقدمة تمسّ الركائز الأساسية للنظام الذي اندلعت نار الاحتجاج الشعبي على وجوه سياساته العامة. عدم الابتكار، وعدم المبادرة، وعدم التمسك بالمضامين الجوهرية التي تأخذ التحرك الشعبي إلى محطات ناجحة متوالية، وعدم التصدي لما بدا من ثغرات وأساليب عملية خاطئة، كل ذلك كان من إشارات الفقر الحزبي، ومن علامات تردده وإحجامه، أي من جوهر دوره الحقيقي القائم على التقاط اللحظة، والتفاعل معها والفعل فيها... على طريق العبور مع قوى اللحظة إلى أوقات نضالية متقدمة عليها.

الفقر المنوَّه عنه، ليس أحادي المصدر، وليس مجهول المنبع والمجرى، بل هو منبثق من يسارية أشمل، تتجاوز البنى الحزبية لتطال كل المرجعيات الإيديولوجية والثقافية التي قالت يساراً، اليسارية التي هي مشروع جديد يقابل اليمينية الشاملة التي ما زالت تمسك بمقاليد اللعبة التي تشدّ لبنان إلى قعر هاويته.

الحيرة اليسارية؟ صحيح، فبعد مرور ثلاثين من الأعوام على وقف الحرب الأهلية، لم تتحرك آلة اليسارية إلى الأمام، بل هي توقفت عند زمن وقف الحرب التي شاركت في اندلاعها، وقد كان من نتائج الوقوف على مفارق الحيرة، هذه النسخة المنتهية الصلاحية من النظام، وهذه التجربة الشعبية التي تغذيها لا أهلية السلطة، وهذا التحرك الأخير الذي يلقي مسؤولية مضاعفة على كل اليسارية، مسؤولية العمل من أجل نجاحه ومسؤولية منع فشله، ودائماً من موقع التجديد الحيوي الذي يدمج بين خبرة وعبرة الاستفادة من الماضي الشعبي الكفاحي، وبين تطوير صيغ التجدد وصيغ العمل مع نسخة النضال الراهنة، التي تتلمس من خلال تحركها، طريقها الجديد.

تحدي الجديد، مسؤولية الجميع، فلا انفصال ولا انقطاع بين أجيال الحركة الشعبية اللبنانية، إذن ليتوقف الحديث عن التمييز العمري بين مختلف القوى الاجتماعية.


New Page 1