طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة الموجودات: لبنان يتّجه لوقف سداد الدين :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة الموجودات: لبنان يتّجه لوقف سداد الدين

محمد وهبة
12-02-2020
مع اقتراب استحقاق سندات اليوروبوندز في 9 آذار المقبل بقيمة 1.2 مليار دولار، يحتدم النقاش حول خيارَين: الاستمرار في سداد الدين أو التخلّف عنه. على ضفّة السداد، يقف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وحيداً، فيما يتموضع رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة في موقع أقرب الى رفض السداد، والسعي الى مشورة تقنية من صندوق النقد الدولي تساعدهم على تغطية اتخاذ القرار

بعد 25 يوماً يستحق دَين على لبنان بقيمة 1.2 مليار دولار. هذا الدين هو عبارة عن سندات خزينة بالعملة الأجنبية (يوروبوندز) أصدرتها وزارة المال في آذار 2010 لمدّة 10 سنوات وبفائدة سنوية 6.375%، أي أن الخزينة دفعت سنوياً لحملة هذه السندات 76.5 مليون دولار، أو ما مجموعه 765 مليون دولار خلال السنوات العشر الماضية. ويأتي هذا الاستحقاق في ذروة الأزمة المالية ــــ النقدية التي بدأت منذ سنوات وتفاقمت مؤشراتها منذ ظهور سعرَين لصرف الليرة مقابل الدولار، بفارق يزيد 55% على السعر المدعوم من مصرف لبنان (1507.5 ليرات وسطياً مقابل 2325 ليرة في السوق الموازية) وعدم قدرة مصرف لبنان على اتّخاذ تدبير نهائي مقبول في مواجهة تمويل السلع الأساسية مثل المحروقات والدواء والقمح والمستلزمات الطبية، بل اختبر المقيمون في لبنان تقنيناً في هذه السلع لعدّة أيام، ودفعوا فروقات سعر الصرف من رواتبهم التي تآكل أكثر من 34% منها بفعل وجود سعرَين لليرة (نسبة تآكل الليرة محتسبة من قبل جهات متخصّصة على أساس سلّة من السلع المستوردة بسعر الليرة في السوق الموازية). والأسوأ من ذلك كلّه، أن حاكم مصرف لبنان أقرّ بأن المصارف تودع لديه 70 مليار دولار بالعملات الأجنبية، بينما هو لا يملك أكثر من 30 ملياراً في احتياطاته بالعملات الأجنبية؛ من ضمنها احتياطات إلزامية بقيمة تفوق 19 مليار دولار.

موقف حاسم
إزاء هذا الوضع، واصلت القوى السياسية عقد اجتماعات ولقاءات منذ تأليف الحكومة إلى اليوم، من دون أن تحسم موقفها النهائي بعد. إلا أنه ظهرت مؤشرات في الأيام الأخيرة عن موقف ستتخذه الحكومة في اجتماع يُعقد في قصر بعبدا ظهر الخميس المقبل مع بروز أرجحية تدعم التوقف عن السداد وإطلاق عملية التفاوض مع الدائنين بالاستناد إلى مشورة صندوق النقد الدولي. وبحسب مصادر مطّلعة، فإن رئيس الحكومة حسان دياب دعا إلى اجتماع للجنة الوزارية ــــ المالية قبل ساعتين من موعد جلسة الحكومة لمناقشة القرار النهائي، علماً بأنه تبلّغ من معظم الوزراء رفضهم مواصلة سداد الديون.
في الواقع، إن اللقاءات التي عقدت بعد تأليف الحكومة لم تتوصّل إلى نتيجة سوى تلك التي كشف عنها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أشار إلى أن بتّ سندات آذار ينبغي أن يستند إلى مشورة (تقنية) من صندوق النقد الدولي. بعض المراقبين يشيرون إلى أن برّي كما غيره من زعماء الكتل السياسية في لبنان، يبحثون عن وصيّ ما يلصقون به أخذ لبنان نحو هذا الخيار أو ذلك، وهم لا يبدون أي نيّة لتحمّل المسؤولية، ليس فقط لأنهم ليسوا قادرين على تحديد الخيار الأنسب، بل لأنهم ليسوا قادرين على الخروج من حدود اللعبة المحليّة التي تنطوي على تبادل الاتهامات كسباً للشعبية.

مشاورات ما قبل المشورة
وتشير المصادر إلى أن المشورة المنتظرة من الصندوق، سبقتها تحضيرات مع صندوق النقد والبنك الدولي من أجل إنجاز خطّة تمهيدية لاتخاذ القرار النهائي، على أن تكون جاهزة خلال بضعة أيام لعرضها على الدائنين الأسبوع المقبل إذا اتخذ القرار بالتوقف عن السداد. وتتضمن هذه التحضيرات الآتي:
ــــ مشاورات عقدت بين مسؤولين محليين مع ممثلي صندوق النقد الدولي في منطقة الشرق الأوسط، لدرس «الإخراج» المناسب لما يسمّى «مساعدة تقنية» سيقدّمها صندوق النقد الدولي بشأن إعادة هيكلة الدين العام. وهذه المساعدة تشمل تقديم الدعم العلني لعملية إعادة هيكلة الدين العام، وتقديم الدعم التقني للسيناريوات المحتملة بشأن إعادة الهيكلة ونتائجها على الوضع المالي للخزينة ومصرف لبنان والمصارف. هذا الدعم هو البديل من لجوء لبنان إلى برنامج مع الصندوق. وهناك الكثير من القوى السياسية التي تعتقد بأن الحصول على هذه المساعدة التقنية أهون مما قد تفرضه تطورات الأزمة المالية ــــ النقدية ــــ المصرفية في الأيام المقبلة، إذ ستصبح الخيارات مؤلمة جداً وقد تفرض على لبنان اللجوء «مكرسحاً» إلى برنامج مع صندوق النقد، بينما يمكنه اليوم الحصول على مساعدة تقنية وهو يملك بضعة مليارات من ذخيرة الاحتياطات بالعملات الأجنبية.
ــــ بعد يومين يفترض أن يُنجز البنك الدولي بالتعاون مع وزارة المال خطّة متوسطة الأمد تمتد على ثلاث سنوات لتحفيز النموّ الاقتصادي ستعرض على اللجنة الوزارية، ثم على الدائنين، في إطار خطّة شاملة مع سيناريوات صندوق النقد الدولي. وقد سبقتها موافقة البنك الدولي على منح لبنان قرضاً ميسّراً بقيمة 400 مليون دولار سينفق في مجمله على برنامج استهداف الأسر الفقيرة الذي يعدّ برنامجاً زبائنياً لتوزيع المساعدات على الأزلام والتابعين لهم سياسياً المسجّلين في البرنامج المعتمد كسياسة عامة بدلاً من أن يكون برنامجاً ظرفياً لمساعدة هذه الأسر على تخطّي مرحلة الفقر.

مواصلة الهندسات
إزاء هذا الواقع، ستتمحور مشورة صندوق النقد الدولي حول مسارين: مواصلة الهندسات المالية التي ينفّذها مصرف لبنان لشراء مزيد من الوقت بالكلفة الباهظة، والقيام بعملية منظمة لإعادة هيكلة للدين العام بعد استشارة صندوق النقد ومشاركة البنك الدولي في صياغة الخطة الاقتصادية للسنوات الثلاث المقبلة.
عملياً، يقف رياض سلامة وحيداً على ضفّة خيار مواصلة الهندسات المالية. وتقول المصادر إن سلامة يفضّل القيام بعملية «سواب» لاستبدال سندات يوروبوندز تستحق على المدى الطويل بالسندات التي تستحق في آذار المقبل وفق السعر السوقي لكل منها، وفوقها هندسة تتضمن إقراض المصارف مبالغ بالليرة فائدتها متدنية وتوظيف هذه الأموال لديه بفائدة مرتفعة. سلامة يعتقد بأن هذه العملية تتيح شراء مساحة وافرة من الوقت بكلفة غير كبيرة نسبياً، وعلى هذا الأساس حاول استمالة رئيس الحكومة، لافتاً إلى أن الاستبدال لن يؤثّر على احتياطاته بالعملات الأجنبية المخصصة لتمويل السلع الأساسية، وبالتالي لن تكون هناك ردّة فعل شعبية تجاه تسديد الأموال للخارج، فيما المودعون في لبنان لا يتمكنون من الحصول على ودائعهم. ومن الواضح أن ما يقوله مصرف لبنان ينطوي على الآتي: تصدر وزارة المال سندات جديدة بنفس قيمة الإصدار المستحق وفوائده، ويضمن مصرف لبنان أن تشتري جهات خارجية سندات قيمتها توازي قيمة ما دفعه لحملة السندات الأجانب في الإصدار المستحق (لا أحد لديه فكرة من هو المجنون الذي سيخاطر بشراء سندات بلد على قاب قوس أو أدنى من التخلف عن سداد الديون).

ويتوقع ألا يكون خيار الاستبدال والاستمرار في الهندسات المالية موافقاً عليه من صندوق النقد الدولي الذي وجّه انتقادات لاذعة لمصرف لبنان على تنفيذ الهندسات المالية المكلفة جداً على ميزانية مصرف لبنان، وانتقده أيضاً بسبب السياسات النقدية غير التقليدية التي تكبده المزيد من الخسائر. وهذا أحد الأسباب الذي يدفع سلامة إلى رفض فكرة وجود صندوق النقد الدولي من أساسها، إذ إنه يعتقد بأن الصندوق سيجبره على فتح دفاتره وكشف موجوداته الفعلية والالتزامات الحقيقية المترتّبة عليه. وهو أصلاً يرفض تقديم جردة واضحة وشفّافة عن هذه الموجودات والالتزامات لرئيس الحكومة بما تشمل من ديون وتسليفات للقطاع المصرفي والعلاقة بينه وبين المصارف. قبل بضعة أيام، سأله دياب عن هذه الجردة فأجاب سلامة بأنه يحتاج الى أسبوعين لإعدادها، ما جعل دياب يستغرب الموقف، فأوضح سلامة محرجاً: هي موجودة، لكنها بحاجة الى تدقيق. مصادر قريبة من دياب تنفي حتى الآن تلقّيه أي معلومات مفصّلة عن هذه الجردة، رغم الاهتمام الذي أبداه دياب أخيراً في متابعة أوضاع القطاع المصرفي واستقباله رئيس لجنة الرقابة على المصارف سمير حمود (لم تتّضح حتى الآن أسباب زيارة سمير حمود أمس للرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة).

نحو إعادة الهيكلة
في المقابل، فإن التوقف عن السداد هو سلوك يقود نحو الاستعانة التقنية بصندوق النقد الدولي. هذا الأمر يعزّز صدقية الخطة التي ستقدمها الحكومة للدائنين الأجانب ويضمن، إلى حدّ ما، موافقتهم عليها. هذه الخطّة تعني أن لبنان سينتقل إلى مرحلة منظمة في عملية إعادة الهيكلة، ويتطلب الأمر ثلاثة فرق: فريق اقتصادي (البنك الدولي)، فريق تقني (صندوق النقد الدولي واللجنة الوزارية وخبراء محليون)، وفريق قانوني (مكاتب محاماة عالمية يرجح أن يكون بينها مكتب الوزير السابق كميل أبو سليمان).
يبدأ هذا المسار من خلال تعيين لجنة للتفاوض مع الدائنين (Credit committe) سيكون لديها نحو 6 أشهر للتوصل إلى اتفاق مع الدائنين. في هذه الفترة، على لبنان تدبير أموره، أي تأمين تمويل استيراد السلع الأساسية، ومعالجة العقود الخاصة التي وقّعتها الشركات المصدرة، ومعالجة عقود الاستيراد أيضاً، وتأمين حماية لأصحاب الرواتب المتوسطة وما دون من انخفاض قيمة الليرة وتآكل رواتبهم، وتأمين الحماية لأموال الضمان الاجتماعي، والحفاظ على الودائع... هناك الكثير للقيام به. على لبنان اليوم الاختيار بين تجربة الأرجنتين التي تواصل التخلّف عن السداد، وبين فنزويلا التي تناضل من أجل استيراد السلع الأساسية.

في ظل هذه المفاضلة، قد تبدو هناك حاجة إلى إقصاء الآراء السياسية عن القرار. فهناك من يعتقد بأن الاستعانة التقنية بصندوق النقد الدولي الذي يوفّر على القوى السياسية أعباء اتخاذ قرار التوقف عن السداد ويوفّر لها الغطاء المناسب لإلقاء اللوم على مشورة الصندوق، قد يشكّل فرصة لتسويق أو إغراق لبنان ببرنامج مع صندوق النقد الدولي، وهو أمر يختلف بآلياته عن آليات تقديم المشورة التقنية لكنه يشكّل حافزاً سياسياً لدى هؤلاء من أجل تعزيز الحصار المالي والاقتصادي الذي بدأته الولايات المتحدة بفرض العقوبات المالية على مصارف ورجال أعمال وشركات لبنانية.

ترحيب أوروبي ودولي
رغم المناخات السلبية المحيطة بالوضع المالي والسياسي، يتوقع أن تصدر مجموعة العمل الدولية لدعم لبنان (الدول المانحة) بياناً يرحب بنيل الحكومة الثقة ويجدد الوقوف إلى جانب لبنان ودعمه لمواجهة الأزمات. يفترض أن يتضمّن البيان إشارات واضحة عن مطالب هذه الدول بإجراء إصلاحات جذرية في الإدارات العامة والسياسات المالية والنقدية في لبنان. هذا المناخ موجود أيضاً بين ممثلي الاتحاد الأوروبي، ولا سيما بريطانيا وفرنسا.

حملة تهويل
لا يقف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعيداً عن حملة تهويل مفادها أن الدائنين سيضعون يدهم على موجودات تخص لبنان؛ من بينها الذهب وطائرات الميدل إيست ومصادرة الاعتمادات التي قد تفتحها المصارف لشراء النفط والأدوية والقمح، لكن تبيّن أن هذا التهويل غير حقيقي، لأن عقود اليوروبوندز تميّز بين أصول المصارف المركزية وأصول وزارة المال، على اعتبار أن المصارف المركزية لديها استقلالية عن الدولة المركزية، أي أن أصول مصرف لبنان بمقاييس القوانين الدولية هي غير أصول الدولة اللبنانية، ولا يحقّ لأحد مصادرتها بحجّة تخلّف وزارة المال عن الدفع.

استحقاق داهم
تسيطر الاستحقاقات المالية الداهمة على كل النقاشات. من ضمن هذه الاستحقاقات، هناك مبلغ 592 مليون دولار مضطر أن يدفعها مصرف لبنان للمصارف في 22 شباط لسداد شهادات إيداع استحقت. مصرف لبنان غير قادر على الدفع، فيما المصارف تريد الحصول على سيولة، أي أنها ترفض تجديد الاكتتابات بشهادات الإيداع.


New Page 1