مسلسل الانتخابات التمهيدية للرئاسيات الأميركية(1) سرقة الانتصار في ظل الإثارة :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


مسلسل الانتخابات التمهيدية للرئاسيات الأميركية(1) سرقة الانتصار في ظل الإثارة

أحمد هاني الزعتري
19-02-2020

عندما يسأل شخص غريب في ولاية "أيوا" الأمريكية: "ماذا يفعل الناس هنا من أجل الإثارة؟"
يجيبه أهلها: "نحن نهتم بأعمالنا ولا نتدخل بالآخرين".
هكذا يصد أهل هذه الولاية الغرباء على طريقة مسرحية "برودواي" الموسيقية "الرجل الموسيقي".
لكن كل أربع سنين تصبح هذه الولاية محط أنظار، فلا تغيب عن ولاية "أيوا" الدراما والإثارة كونها المحطة الأولى للانتخابات الأمريكية.و لعل القارئ يسأل لم الاهتمام الكبير بولاية صغيرة يمثل مندوبوها أقل من 2٪ من المجموع ؟
والجواب يكمن في كونها المحطة الأولى، فيستخدمها المحللون السياسيون كمؤشرعلى من سيربح تمثيل كل حزب من الحزبين، وهي تقدم زخماً قوياً لمن يتوصل إلى حسم المعركة فيها.

قبل الدخول في صلب الموضوع، وجب علينا توضيح أواليات الانتخابات للحزب الديموقراطي في "أيوا" التي تعتمد على التجمعات (caucuses) في 1683 دائرة إنتخابية، حيث يقوم الناخبون بـ"التصويت بأرجلهم"، أي أن التجمعات الموالية لمرشح معين يتجمعون في مكان ما قد يكون ساحة معينة، أو غرفة ما، ويقوم مسؤول منهم بتعداد الأشخاص في تجمع معين لإحصاء الأصوات المؤيدة لمرشح محدد. فإن كانت الأصوات غير كافية للحصول على 15٪ من عدد الناخبين، لا يكون التجمع (viable) أي قابلاً للحياة الانتخابية، ولا يحصل هذا المرشح على أي مندوب. فيصبح على هذه المجموعة أن تختار مرشحاً آخر. ويعطى للمجموعات الأخرى بعض الوقت لإقناع هؤلاء بالإنضمام إليها....
في "أيوا" اتضحت معالم فوز المرشح الديموقراطي للرئاسة السناتور "برني ساندرز". وهو السناتور المخضرم الذي لم يكل عن المطالبة بتوسيع البرامج الاجتماعية التقدمية التي تأسست خلال زمن الصفقة الجديدة 1933-1939، وهي الصفقة التي لا تزال تحظى برضا الشعب الأمريكي. بينما هي مستهدفة على الدوام من قبل الجمهوريين وأصحاب النفوذ الذين يحرضون جمهورهم ضدها.
تحت شعار الحرية الشخصية المواطن الأمريكي المحافظ على استعداد لتحطيم منزله. لكن مع ازدياد نسبة الفقر والبؤس في الولايات المتحدة تظهر آخر الأبحاث الإحصائية أن 70٪ من الشعب الأمريكي يدعمون إقامة برنامج اشتراكي للعناية الصحية، وتوسيع البرنامج المخصص للعجزة والفقراء ليشمل الجميع.
ولعلنا نخص القراء بمقال آخريتناول الحالة الاقتصادية للمجتمع الأمريكي، وهي مغايرة تماماً لما تتداوله الصحف الامريكية ومحطات التلفزيون الإخبارية التقليدية. وللمزيد من الاطلاع على ذلك أنصح القارئ بمراجعة كتاب "كريس هدجز"( Chris Hedges ) بعنوان: "أمريكا: جولة الوداع"( America: The Farewell Tour ).
هنا تبدأ الإثارة، فبعد أن تبين أن "بيرني" سيربح "أيوا"، وهو ما يعطيه ما يكفي من الزخم ليصبح ممثلاً للحزب الديموقراطي لرئاسة الجمهورية، سارعت وسائل الإعلام للكلام عن أخطاءٍ في إحصاء الأصوات والمندوبين، وسارع رئيس الحزب الديموقرطي في "أيوا" "تروي برايس" (Troy Price) للإعلان عن تأجيل إعلان نتائج فرز الأصوات.
أما تبرير الأمر فكان في أن الحزب الديموقراطي في "أيوا" قد تسرّع في استخدام تطبيق هاتفي( app ) إسمه ظل( shadow ). إلا أنه ظهر كذب "تروي برايس" (Troy Price)، بخاصة بعد أن سبق له تأكيد جهوزية التطبيق للاستخدام في التصويت، وتبريره غياب الشفافية عن مطوّري "ظل" بحماية مصداقية النتائج وخوفاً من القرصنة.
وهنا يكمن ما يثير السخرية، فبرأي الديموقراطيين الجدد الذين يصفون أنفسهم بالمعتدلين، أن على الشعب الأمريكي تصديق تهمة التدخل الروسي بالقرصنة لصالح "ترامب"، وهي التهمة التي أصموا بها الآذان على وسائل الاعلام. كما أن على الشعب الأمريكي أن يصدّق أيضاً الادعاء أن ما يروّج له الروس على مواقع التواصل الاجتماعي يؤدي إلى غسل أدمغة الناخبين.
غير أن الشعب الأمريكي لا يعيش حالة الإنكار هذه التي يعيشها هؤلاء. فهم تخلوا عن "برني ساندرز" في انتخابات 2016 لمصلحة "هيلاري كلينتون"، فخسروا خسارة فادحة أمام مبتدئ في السياسة هو "ترامب". وعوضاً عن دراسة أسباب خسارتهم التي تكمن في ابتعادهم كل البعد عن الأوجاع الاقتصادية والاجتماعية، نراهم يزكّون أنفسهم، ويتهمون كل من خالفهم الرأي، وبطريقة ماكيفيلية، بتهم تطالهم هم؛ كالتعامل مع الروس، وسرقة الانتخابات. فـ" هيلاري" هي من قامت بصفقة بيع للمواد النووية لصالح الشركة الروسية "روساتوم"، ومن أجلها سرقت الانتخابات من التقدميين في 2016.
وأكثر من ذلك كشفت "ويكي ليكس" عن استراتجية "عازف الناي"، فـ "جون بوديستا"، وهو رئيس حملة "هيلاري"، قام بتوزيع تعميم لمواجهة ضعف شعبيتها يطلب فعل المستحيل لتسليط الضوء على المرشحين المحافظين الأكثر تشدداً، وخاصة "ترامب"، بهدف زج الحزب الجمهوري في مواقف يرفضها المستقلون والمعتدلون من الجمهوريين والديموقرطيين، وبذلك تتهافت عليهم اصواتهم. وفي تعميمه يخص وسائل الإعلام بعرض "ترامب" بجدية. لكن حساباتهم أخطات وخسروا.
ولنعد إلى ما يثير التساؤل حول حقيقة "ظل"، حيث يتبين أن مطوري التطبيق كانوا عاملين في حملة "هيلاري" سنة 2016، وأن حملة "بيت بوتيجج" (Pete Buttigieg) قد استخدمت هذه الشركة لتطوير برامجها الداخلية. وقد عبّر عن هذا التساؤل وبإبداعٍ صادق الكوميدي "جيمي دور" وهو يعلّق ساخراً من "بوتجج" بعد إعلان نفسه فائزاً في "أيوا": "هكذا نظامنا المشين يعمل، حيث المرشح ذو الأصوات الأقل يحظى بالربح مرة أخرى. هذه هي أمريكا!! هذه هي الديموقراطية!! فلنصّدر هذا لبقية العالم!! عندكم انتخابات، لا عليكم، الخاسرون هم الرابحون !!... هكذا تتم سرقة الانتصار. فبعد أسبوعين على اقامتها، لا تزال الانتخابات في "أيوا" معلقة. ففي ظل الاثارة إثارة "ظل".


New Page 1