بين التجارة... والسياسة! :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


بين التجارة... والسياسة!

محمد عبد الشفيع عيسى
25-03-2020
التجارة والسياسة صنوان لا يفترقان. تتبع التجارة الدولية السياسة، بينما تحاول السياسة أن تقتفي أثر التجارة لتتبعها، أو تصحّح مسارها أو تغيّر هذا المسار. هذا ديْدَن العلاقات الاقتصادية والسياسة الدولية على مرّ التاريخ، بما فيه ذلك الحديث والمعاصر، وحتى التاريخ القريب لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم التاريخ الراهن على مدى عقد أو عقدين.
بعد الحرب العالمية الثانية، انبثق نظام عالمي هو نظامان: نظام متمحور حول الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، يتبنّى «اقتصادات السوق» من دون مواربة، أو «الكتلة الغربية» «الرأسمالية»، ونظام آخر كان متمحوراً حول الاتحاد السوفياتي (السابق) ومعه بلدان أوروبا الشرقية، ويجمعها كلّها توجه اقتصادى ـــــ اجتماعى ينحو نحو «الاشتراكية»؛ وإن نازع النجم السوفياتي نجمٌ من الصين بزغ ثم احتكّ احتكاكاً خفيفاً بالسوفياتي ثم خشناً، اعتباراً من 1957، لتكون هناك اشتراكيتان، إن صح التعبير: سوفياتية ــــ روسية وأخرى صينية. وقد حاولت الصين جذب عدد من «الكواكب الصغيرة» في أقصى الشرق الآسيوي (وخصوصاً فيتنام ولاوس وكمبوديا وكوريا الشمالية) إلى جانب أحزاب كثيرة في العالم، شيوعية ذات هوى صيني أكيد، بيْد أنها لم تستطع مدّ نفوذها الخارجي إلى الحيّز «متعدد الأقاليم» أو العالمي. وعلى العكس، أفلح السوفيات في مدّ نفوذهم عبر العالم، ليتكوّن نظام دولي على مدى أربعين عاماً أو يزيد (1945 ــــ 1990)، قائم على المنافسة بين الاتحاد السوفياتي والغرب بالقيادة الأميركية، قيل له نظام «القطبية الثنائية»: غربي/ شرقي، أو اشتراكي/ رأسمالي، أو أميركي/ سوفياتي. ولكلٍّ منهما أحجار بناء مختلفة اقتصادياً وعسكرياً بالذات. على المستوى الاقتصادي، أقام السوفيات ما يشبه منظمة اقتصادية دولية إقليمية عبر أوراسيا، مكوّنة من الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية، عُرِفت عالمياً، بعد الحرب العالمية الثانية، بمسمّى «كوميكون»، ثمّ اسْتوتْ في صورة أكمل بعد ذلك، خلال الستينيات وأوائل السبعينيات، تحت مسمّى «مجلس المساعدة الاقتصادية المتبادلة» CMEA. وكانت تسعى إلى بناء نوع من تقسيم العمل الإنتاجي، وفق صيغة للتخصّص وتوزيع الأدوار بين البلدان الأعضاء، في المجال الاقتصادي، والصناعي بالذات.
وكذلك، أقام السوفيات تحالفاً عسكرياً سُمّي إعلامياً باسم العاصمة البولندية، ليكون «حلف وارسو». وعلى الجهة الأخرى، شجّعت الولايات المتحدة على إقامة تحالف عسكري غربي عبر المحيط الأطلسي يجمع الولايات المتحدة وشركاءها من أوروبا ــــ غربها وشمالها ــــ هو ما يسمى إعلامياً بـ«الحلف الأطلسي» (ناتو) North Atlantic Treaty Organization.
كذلك شجّعت الولايات المتحدة على إقامة تجمع اقتصادي أوروبي صرف، أخذ يتطوّر ويتغيّر عبر الزمن، ابتداءً «من المجمّع الأوروبيّ للفحم والصلب»، في أواسط الخمسينيات إلى «الجماعة الاقتصادية الأوروبية» منذ السبعينيات، حتى استقر أخيراً على «الاتحاد الأوروبي»؛ وفي داخله، أقيم تجمّع نقدي ومالي أكثر تكاملية، باسم «منطقة اليورو»، مع مطلع القرن الجديد.
وقد نسج «الحلف الأطلسي» من حوله شبكة للتحالفات العسكرية المرتبطة بالغرب والقيادة الأميركية، ومعها شبكة من القواعد والنقاط العسكرية، في كلّ من القارات الثلاث: آسيا بشكل خاص، أميركا اللاتينية وأفريقيا.
وبالتوازي، أقام الغرب (والولايات المتحدة)، نظاماً اقتصادياً دولياً يوشك أن يكون عالمياً، في المجالَين التجاري والنقدي ــــ المالي بالتحديد، في عزل كامل للمجموعة السوفياتية والصين عبر كلّ منهما. ففي الدائرة التجارية، تمّ عقد «الاتفاقية العامّة للتعريفات والتجارة» ــــ غات ــــ عام 1947، وحدثت عليها سلسلة من الإضافات والتعديلات، خلال عقدَي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، وخصوصاً من خلال «النظام المعمّم للتفضيلات الصناعية»، لمحاولة جذب البلاد النامية إلى دائرة النظام التجاري شبه العالمي.
وفي الدائرة النقدية والمالية، نجح الغرب في عقد مؤتمر دولي في مدينة بريتون وودز الأميركية الصغيرة، عام 1944، أسفر عن عقد اتفاقيّتين أقامتا المنظّمتَين الأكثر أهمية على مستوى المنظومة النقدية ــــ المالية العالمية، حتى الآن، وهما «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي»، من دون مشاركة من الاتحاد السوفياتي وحلفائه.
تبنّت الـ«غات» مبدأ «حرية التجارة»، المقيّدة أو المنقوصة على كلّ حال، بشكل عام. وبالتوازى مع ذلك، تبنّت الولايات المتحدة ــــ والغرب الأوروبي ــــ نهجاً متسامحاً إلى حدّ بعيد، خلال الستينيات والسبعينيات ومطلع الثمانينيات، مع تجارة الصادرات الآسيوية، القادمة بشكل موسع من اليابان وبعض البلدان الآسيوية الأخرى، السائرة على النهج اليابانى، والتي اتخذت لها طريقاً خاصّاً هو «النمو المدفوع بالصادرات» Export-led growth. وهذه التجارة الغزيرة، اليابانية الشرق آسيوية، إلى أين؟ إلى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بالتأكيد. ومع التوسع التصديري الهائل، بطابعه «الفيضانيّ»، وقع ردّ فعل قويّ من الجانب الأميركي، الذي ظلّ يستقبل الشطر الأعظم من الصادرات الآسيوية بطريقة تيسيرية أو «تساهلية»، ردحاً من الزمن. وكان ردّ الفعل ذا طابع «مركنتيلي» ــــ أي تجاري حمائي في المعنى بشكل عام. وفرضت الولايات المتحدة قيوداً عدّة من أنواع عديدة، فيما أطلق عليه في أواسط الثمانينيات مسمّى «الحمائية الجديدة» Neo-protectionism، وذلك خلال عهد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان. ولكن تحت الضغط الدولي المتزايد لتحرير التجارة الدولية، وخصوصاً لمصلحة البلدان النامية، عقدت سلسلة من جولات التفاوض التجاري الدولية في ما سُمّي بـ«جولة أوروغواي»، سعياً إلى عقد اتفاق تجاري عالمي شامل. وقد أسفر ذلك، في نهاية الأمر، عن إقامة «منظمة التجارة العالمية» WTO بمقتضى «اتفاق مراكش»، في أيار/ مايو 1994.
في التوقيت ذاته، أو توقيت مُقارِب، أخذ الاتحاد السوفياتي يترنّح لأسباب متعدّدة، قبل أن ينهار كلياً عام 1990، ومعه منظومته (الشرقية ــــ الاشتراكية). وبذلك، تمّ تمهيد الطريق لإقامة نظام تجاري كامل جديد، تغيب عنه المنافسة الحقيقية ويُطلق السراح كلياً للمنظومة الرأسمالية العالمية بقيادة «الدولة العظمى الوحيدة»، وباسم الحرية. نظام شعاره العام «حرية التجارة»، حيث السيطرة فيه للأقوى، وفي سياق عام يدعو إلى «فتح الأبواب»، من خلال الدعوة إلى العولمة.
في قلب دعوة ــــ أو «دعاية» ــــ العولمة، نجمت وقائع صلبة قائمة على تشديد النهج الوطني ــــ القومي في المعاملات الاقتصادية الخارجية لدول العالم، المتقدمة والنامية، تحت مسمّى مغاير هو «التنافسية»، وكذا دعم القدرات التنافسية، وخصوصاً في الميدان التكنولوجي؛ نهج «استراتيجي» إن شئت. كانت تلك حقبة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، الذي عمل خلال التسعينيات وفق النهج المذكور في حقلَين متلازمَين: التنافسية والتكنولوجيا. وكان له ما أراد من إطاحة الشركاء ــــ الغرماء، المنافسين القدامى، الحلفاء بالذات، في أوروبا واليابان. ولكن (مكْر التاريخ) اشتغل! فقد ارتأت العقول الاستراتيجية الأميركية بالذات، أن تستبدل السوفيات بالصين، وأن تحوّل الصين هذه من عدوّ محتمل إلى شريك موثوق. وكان الصعود الصيني العظيم. وبعدما كانت قد حدثت في الماضي موْجة لـ«نقل الصناعات» ــــ من الغرب وأميركا ــــ إلى اليابان والشرق الأقصى، في الستينيات والسبعينيات وأوائل الثمانينيات، حدثت موْجة ثانية منذ أواخر التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، ولكن هذه المرة باتجاه الصين. وهذا ما كان.
ولكن النمو الصناعي الصيني، وفق الشراكة الاستراتيجية، الصريحة أو «الضمنية»، بين أميركا والصين، واصل طريقه من دون هوادة، حتى أحدث، أخيراً، آثاراً عميقة على الصعيد الاقتصادي الداخلي في الولايات المتحدة، من خلال إقفال عدد من الفروع الصناعية ذات المستوى التكنولوجي الأدنى نسبياً. وكان أن ارتفع معدّل البطالة، ولا سيما بين العمال البيض «الأنغلوسكسون»، الذين شكّلوا، ومعهم جمهور غفير نسبياً متضرّر من التجارة مع الصين، القاعدة الانتخابية لرئيس جديد، دونالد ترامب، أتى سريعاً على صهوة جواد جامح غضوب، ليتولّى مقعده الأثير في البيت الأبيض، متربّعاً على دسْت الحكم، في بداية عام 2017. ومن ثم تهيّأت الظروف لموجة جديدة من الحمائية التجارية تقودها أميركا، وجهتها المحدّدة هي الصين بالذات، موجة تتلو تلك التي انطلقت في الثمانينيات، وكانت تُسمّى Neo ــــ Protectionism.
ولكن الحماية التجارية المجدَّدة، الآتية بعد عشرين أو خمسة وعشرين عاماً من سابقتها، ماذا عساها أن تُسمّى يا تُرى؟ لعلّها يمكن أن تُسمّى بالحمائية التجارية «الجديدة ــــ الجديدة»New Neo-Protectionism أو الحمائية التجارية المجدَّدة، وربّما Renewed Protectionism، تلك هي موجة الرئيس دونالد ترامب الراهنة. وهي هجومية الطابع لا ريب، تخوض «مباراة صفرية» في ما يبدو، مع خصم تجاري عنيد ــــ الصين بالذات. فإلى أين؟
إلى أين، وها هي الطبيعة تعاند الجميع أو تفاجئهم، بما لا يخطر على قلب بشر، و إذا هي حرب بيولوجية من البشر أو عليهم، لعلّها تفتتح جولة غير منتظرة من دورة الركود الاقتصادي العميق. فكيف يتم فضّ الاشتباك بين السياسة والتجارة، ليتفرّغ «أولياء الأمور» للاقتصاد من بوابة الطبيعة؟
أم أنّ نوازع الهيمنة العدوانية لدى البعض من سادة العالم الراهن وتوابعهم، في عصر سيادة إيديولوجيا «الليبرالية المستجدّة»، سوف تسدّ الطريق أمام العقلانية وروحية التقدّم؛ ليظل عالمنا، لا قدّر الله، نهباً لتخبّط «آلهة الشر» الأسطورية؟ ذاك ما لا نرجوه؛ فنرجو استعادة جماعية لروح العقل، ولعقل التقدم الاجتماعي المستقبلي المنشود للإنسانية المعذّبة.
وهيّا إذاً إلى العمل الحقيقي، إلى أعلى وإلى الأمام!
* أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية في «معهد التخطيط القومي» (القاهرة)


New Page 1