تعليقات على خطّة الحكومة (1) بقلم محمد زبيب :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


تعليقات على خطّة الحكومة (1) بقلم محمد زبيب


02-05-2020

• الخطّة كلّها مبنية على رهان وحيد: استجداء قروض بالعملات الاجنبية من صندوق النقد الدولي لتمويل عجز ميزان المدفوعات. وبالتالي ما صدر عن مجلس الوزراء ليس الصيغة النهائية، فهذه لن تظهر الا بعد انتهاء المفاوضات مع الصندوق وصياغة الشروط.
#السقوط_الحر

• شروط صندوق النقد الدولي معروفة، فهو يحمل وصفة نيوليبرالية ويفرضها اينما حل وفي كل وقت: تعويم سعر الصرف، تقشّف حاد، خصخصة، النمو بواسطة القطاع الخاص، استدامة الدين وخدمته... وهو كأي مصرفي، يبسط سيادته على المقترض بحجة ضمان استعادة امواله.

• غالبا، ستكون المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بمثابة مفاوضات من جانب واحد، لانه ببساطة يمتلك كل الاوراق، فالبلدان تلجأ الى الصندوق عندما تكون بحاجة ملحّة الى المال ومستعدة لدفع اثمان باهظة للحصول عليه.

• في التجارب، تركت تدخلات صندوق النقد الدولي وبرامجه ندوبا مؤلمة في المجتمعات، واثارت الكثير من التوترات السياسية والاجتماعية. والاكثر اثارة للقلق ان اليات تدخل الصندوق في اي بلد تشبه تقنيات الفخ، فعندما تبدأ المفاوضات يصبح الخروج منها او اعلان فشلها مكلفا جدا.

• يفرض صندوق النقد شروطه ولا يفاوض عليها، وبالتالي يخنق كل نقاش في البلد، ويولّد الصراعات المكبوتة. وعلى عكس الاعتقاد الشائع، ليس هناك اي دليل على حسن استعمال قروض الصندوق، ففي الكثير من التجارب ظهر ان هذه القروض تُستخدم احيانا لتهريب رساميل وانقاذ الدائنين وليس العكس.

تعليقات على خطة الحكومة (2)
الخطة التي اقرّها مجلس الوزراء هي بمثابة نقطة الانطلاق للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، ولذلك حاولت هذه الخطة الاستجابة مسبقا لما امكن من شروطه المعروفة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

•التخلي عن نظام سعر الصرف الثابت، والانتقال الى نظام جديد (تعويم سعر الصرف كليا او جزئيا). وسيتم في مرحلة اولى رفع السعر الرسمي الى 3500 ليرة في هذا العام وصولا الى 4297 ليرة في 2024. طبعا يجدر التعامل مع هذه الاسعار كفرضيات ستتعدل دائما، ولا شيء يمنع ان يرتفع سعر الدولار اكثر.

•اعادة هيكلة الدين العام وتخفيضه من 176% من مجمل الناتج المحلي في عام 2019 الى 102.7% في هذا العام وصولا الى 98.7% في عام 2024، بهدف ضمان القدرة على تسديد ما تبقى من ديون بالليرة والعملات الاجنبية.

•اعتماد سياسات تقشفية وانكماشية، وستقوم الحكومة بتخفيض الانفاق عبر تخفيض الاجور وتمعاشات التقاعد وتقليص التقديمات للموظفين والغاء دعم الكهرباء وعدم القيام باي استثمارات الا بواسطة قروض "سيدر" اذا جاءت. كما ستقوم بزيادة الضرائب والحد من التهرب الضريبي والجمركي.

تقّر الخطة بوضوح ان هدفها في النهاية هو الحد من الطلب المحلي (الاستهلاك والاستثمار)، عبر تخفيض القدرة الشرائية لتخفيف الطلب على الاستيراد، وبالتالي تخفيض العجز المالي وعجز الحساب الجاري لتحسين ميزان المدفوعات والحد من نزيف العملات الاجنبية.

تعليقات على خطة الحكومة (3)
تحسم خطة الحكومة ان اي سيناريو غير برنامج صندوق النقد سيكون اسوء بكثير من البرنامج نفسه، وتعلن مسبقا ان الصندوق لن يموّل اي خسائر تراكمت في القطاع المالي. لذلك ستوزعها بين المجتمع والدولة ومصرف لبنان والمصارف والمساهمين والمودعين. كيف؟

•تقدر الخطة صافي خسائر القطاع المالي بنحو 186 تريليون ليرة لبنانية، معظمها بالعملات الاجنبية، ومنها 121 تريليون ليرة ناتجة عن الخسائر المتراكمة في مصرف لبنان،والباقي ناتج عن خسائر في القطاع الخاص والخسائر المقدرة من اعادة هيكلية الدين العام واعادة هيكلة المصارف ومصرف لبنان.

•تقترح الخطة شطب رساميل المصارف (نحو 21 مليار دولار) لتغطية جزء من الخسائر، وبالتالي على المساهمين الحاليين ان يساهموا مجددا برساميل جديدة او ان يخرجوا من القطاع المصرفي.

•تقدّم الخطة افكار مختلفة لتغطية بعض الخسائر من دون اجراء الهيركات التقليدي المباشر، الا ان كل ذلك لن يغطي الا جزء بسيط من الخسائر المقدرة، لذلك تذهب الى ملاقاة منطق حاكم مصرف لبنان الذي يراكم هذه الخسائر منذ 20 عاما بوصفها مبالغ سيتم اطفائها بايرادات مستقبلية لم تأت ولا مرة.

تقترح ايجاد طريقة ليكون لمصرف لبنان ايرادات مستقبلية يقوم من خلالها باطفاء خسائره على حساب المجتمع. كيف؟ سيتم انشاء صندوق توضع فيه ملكيات ومؤسسات عامة واسهم شركات مملوكة كليا او جزئيا من الدولة لتجيير عوائد هذا الصندوق الى ميزانية مصرف لبنان.

تعليقات على خطة الحكومة (4)

على الرغم من قساوة الاجراءات التي تقترحها الخطة، والاكلاف الكبيرة المترتبة على المجتمع، فهي تخبرنا بما يلي:
•ستستمر القيود على الحسابات المصرفية والتحويلات طالما كان هناك حاجة لذلك، ولا يوجد في الخطة اي افق زمني لذلك.

•سيستمر خروج الرساميل والودائع من لبنان، حتى سنة 2021 على الاقل.
•وستصل فجوة التمويل الخارجي المطلوب في السنوات الخمس المقبلة الى 28 مليار دولار، وتراهن على الحصول على قروض من صندوق النقد بقيمة تصل الى 10 مليار دولار، والباقي منشوف من وين بدو يجي.

اذا نجح الخطة، فهي لا تعد بالازدهار، بل تقول ان الانتقال الى النمو المستهدف بعد 5 سنوات سيكون مؤلما جدا لفئات اجتماعية واسعة، وتتوقع ان يستمر انكماش الاقتصاد لنخسر نصف الناتج المحلي، وسيسجل التضخم 53% في هذا العام، وستزداد البطالة وتتقلص الاجور وتنهار القدرات الشرائية اكثر بكثير

ولذلك، تلجأ الحطة الى نهج "لملمة" الاثار الاجتماعية الكارثية، بوصفها اضرارا جانبية، وتذهب الى اقتراح تنفيذ برنامج للفئات الاكثر فقرا، عبر تحويلات نقدية شهرية لنحو 200 الف اسرة، علما انها تقرّ ان 48% من المقيمين كانوا فقراء قبل استفحال الازمة وتفشي جائحة كورونا.

لا تتضمن هذه الخطة اي تغييرات بنيوية في الاقتصاد السياسي، وتلجأ الى كل ادوات السابقة من سيدر الى ماكينزي، ولا تقدّم اي شيء لاحتواء البطالة وتأمين السكن والضمان الصحي لنحو نصف الاسر المحرومة منه ولا تقدّم اي مقاربة لكلفة التعليم ومجانيته... الخ

تعليقات على خطة الحكومة (5)

ازمتنا الحالية غير مسبوقة بتاريخ لبنان (منذ الاستقلال على الاقل). وانهيار سعر الليرة والنظام المصرفي ونضوب الدولار، هو اشدّ وطأة واكثر خطورة بكثير من الانهيار الذي شهدناه بين عامي 1983 و1992.

علينا ان نتذكّر ان نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي لم يعد الى مستواه كما في عام 1974 (قبل الحرب) الا في عام 2002. لقد مضى جيل كامل في لبنان لكي نستعيد مستوى الدخل نفسه الذي كان قبل 28 عاما، بسبب الحرب والموجات التضخمية في النصف الثاني من الثمانيننيات.

كم سنحتاج هذه المرة؟ ربما اكثر من جيل.
السؤال الدائم: ما هو بديل؟ او هل يوجد بديل آخر غير هذه الخطة وبرنامج صندوق النقد الدولي؟ هذا السؤال يعدم الديمقراطية بوصفها تعدد خيارات وبدائل، ويحوّل السجال من ميدان السياسة الى التقنيات.

نعم، يوجد بديل دائما، وما نحتاجه هو اسقاط الاوليغارشية كطبقة وبناء دولة اجتماعية على انقاض الدولة الزومبي، لا محاولة كسب المزيد من الوقت لها ولو عبر تدمير المجتمع تدميرا تاما.
سؤال الامكانية هو سؤال آخر.


New Page 1