هلع بين المستأجرين تبعا لنشر الخطة الإقتصادية للحكومة: أي تدابير لضمان حق السكن في وجه التضخم وانهيار المداخيل؟ :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


هلع بين المستأجرين تبعا لنشر الخطة الإقتصادية للحكومة: أي تدابير لضمان حق السكن في وجه التضخم وانهيار المداخيل؟

المفكرة القانونية-عمر طالب
06-05-2020
ما أن أقرت الحكومة اللبنانية الخطة الإقتصادية التي تحدثت عن توجّه لتحرير سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي لتصبح 3500 ليرة مقابل الدولار الواحد، حتى أقدم العديد من مؤجّري المباني السكنية إلى التلميح للمستأجرين بدفع بدلات إيجار الشقق السكنية وفق سعر الصرف الجديد في حال أقر، وذلك بالنسبة الى عقود الإيجار الخاضعة لقانون الموجبات والعقود والمحررة بالدولار الأميركي. مجرد التلميح إلى ذلك شكّل حالة هلع وقلق بين المستأجرين كونه وفي حال حدوث ذلك سيضطر أكثرية المستأجرين لدفع رواتبهم كاملة إيفاء للإيجار ولا نبالغ إذا ما قلنا أن بعض المستأجرين لن يكفيه راتبه الشهري لتسديد بدل الإيجار في ظل حد أدنى رسمي للأجور يبلغ 675,000 ل.ل فقط. وعليه، نحن أمام مأساة إجتماعية حقيقية بتخيير الشريحة الأكبر من المجتمع اللبناني بين تأمين حاجات معيشتهم الأساسية من مأكل ومشرب وطبابة وخسارة مصدر الأمان والإستقرار النفسي والإجتماعي واللجوء للتشرد في الشوارع لعدم قدرتهم على توفير مسكن يأويهم. وحتما سيتكرر المشهد الذي رأيناه منذ بضعة أسابيع، وبشكل أوسع، عندما إفترشت عشرات العائلات معرض رشيد كرامي في طرابلس بسبب فقدان هذه العائلات مساكنها لعدم إمكانيتها تأمين الحد الأدنى من المعيشة.

وفي ظل عجز الدولة اللبنانية لسنوات طويلة عن إيجاد سياسات إسكانية، فقد تفاقمت أزمة السكن في السنوات الأخيرة بفعل ثلاثة عوامل: دخول مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى لبنان إبتداء من عام 2011، تحرير الإيجارات القديمة عام 2014، وتوقف القروض السكنية المدعومة لإعتبارات تتصل بالأزمة المالية وحماية النقد الوطني.(1) وتأتي الآن مشكلة إرتفاع بدلات الإيجار في ظل تراجع المداخيل وانهيار الليرة اللبنانية لتفاقم أزمة السكن بشكل أكبر.

ويمكن تعريف الحق في السكن إستنادا إلى تعليقات لجنة الحقوق الإقتصادية والإجتماعية في الأمم المتحدة التي تشير إلى أن الحق في السكن ينبغي ألا يفسر تفسيرا ضيقا أو تقييديا يجعله مساويا، على سبيل المثال للمأوى الموفر للمرء بمجرد وجود سقف فوق رأسه. وينبغي النظر إلى هذا الحق باعتباره حق المرء في في أن يعيش في مكان ما في أمن وسلام وكرامة.(2) وبالعودة الى الدستور اللبناني وإن لا نجد نصا صريحا يتحدث عن الحق بالسكن، فإن المواثيق الدولية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي توجب مقدمة الدستور (الفقرة ب) احترامها تؤمن هذا الحق. فتنصّ المادّة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق "كل شخص في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن... وكذلك تنص المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على وجوب إقرار "الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته يفي من الغذاء والكساء والمأوى...وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق".

وكذلك يظهر الحق بالسكن بوضوح كحق دستوري في قرار المجلس الدستوري رقم 6/2014 بتاريخ 6/8/2014 الذي إعتبر أن الحق في السكن يفرض موجباً على السلطات العامة في اعتماد سياسات عامة اجتماعية واقتصادية في الإسكان والتنمية المتوازنة والنقل، وبخاصة في لبنان حيث يساهم نقل مشترك منتظم في تشجيع السكن في مختلف المناطق وتجنب ترييف المدينة، وتجنب الاضطراب في بنياتها السكنية ونسيجها الاجتماعي. ويضيف القرار: "أن الحق في السكن هو من الحقوق الدستورية الأساسية إستناداً إلى الشرعات الدولية واجتهادات دستورية مستقرة، وأن أهم مستلزمات العيش الكريم توفير المسكن، كما أن العدالة الاجتماعية تقتضي العمل على إيجاد مسكن لائق لكل مواطن، وبما أن المسكن من أهم مستلزمات تأسيس الأسرة والحفاظ عليها، وبما أن المسكن عامل ارتباط بالأرض وبالتالي بالوطن، وبما أن المسكن عامل استقرار نفسي واجتماعي وعامل أمان، وشرط أساسي لتحقيق الأمن الاجتماعي، وخلص إلى أن غاية الدستور تنظيم العلاقات في مجتمع الدولة بما يضمن العيش الكريم للمواطنين والاستقرار والأمن، وتوفير المسكن هو من مستلزماتها جميعاً".

لذلك، فالحق بالسكن له قيمة دستورية، وإذا كان الدستور اللبناني قد نص صراحة على كون "النظام الاقتصادي حراً يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة"، (الفقرة " و" من مقدمة الدستور)، فمن الجدير بالاهتمام التأكيد على إلزامية وأهمية تأمين العدالة الاجتماعية والمساواة وهما مبدأين دستوريين وردا في الفقرة "ج" من مقدمة الدستور والتوازن بين الحق بالسكن مقابل الحق بالملكية الخاصة والتي بالتأكيد يجب أن تحترم ولكن ليس على حساب التضحية بحق شريحة واسعة من المجتمع اللبناني من ذوي الدخل المحدود من حقهم بإيجاد مسكن لائق لهم.

وينبغي الإشارة إلى أن إرتفاع سعر صرف الدولاروتبعا لذلك زيادة بدلات الإيجار أمر طارئ وخارج عن إرادة المستأجر ويندرج ضمن إطار الظروف الإستثنائية الطارئة على إنفاذ العقد.ما يؤدي إلى إختلال في التوازن للموجبات العقدية بين المستأجر والمؤجر. وإن كان المشرع اللبناني لم يحذُ حذو العديد من التشريعات الأخرى في سد هذه الثغرة، بنص واضح وصريح يتيح للقاضي التدخل لإعادة التوازن للعقد، (فعلى سبيل المثال نجد المادة 147 من القانون المدني المصري تعتبر أنه إذا طرأت حوادث إستثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الإلتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلا، صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة)، جاز للقاضي تبعا للظروف، وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن يردّ الإلتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويقع باطلا الإتفاق على خلاف ذلك.

ولكن، نجد نص المادة 221 من قانون الموجبات والعقود التي تعتبر أن العقود يجب أن تفهم وتفسر وتنفذ وفقا لحسن النية والإنصاف والعرف. فالإستقامة في التعاقد هي فكرة عامة ومجردة تعود في مصدرها إلى فكرة الأخلاق وتهدف إلى تحقيق الإنصاف والعدالة وتستمد عنصر الإلزام من مصدرين: الحق الوضعي ألذي يفرض إقامة العدالة التبادلية في العقود وحسن النية كمبدأ قانوني عام يفرض نفسه في كل تعاقد. فإذا كان تحقيق الربح وحصول الخسارة هو من آثار كل عقد، إلا أن تحقيق ربح فادح مقابل خسارة فادحة يجب أن لا يكون أثرا لأي عقد.(3)

فلا مانع تاليا وبالإستناد الى نص المادة 221 من قانون الموجبات والعقود من إعمال قواعد العدالة والإنصاف وحسن النية لإعادة التوازن إلى العقد، ووفقا للمادة الرابعة من قانون أصول المحاكمات المدنية في حال غياب النص يستعين القاضي بالمبادئ العامة والعرف والإنصاف. والمبادئ العامة المشار إليها في القانون تستنتج من صميم القانون الوضعي ألذي أقام قانون العقد على أسس الإستقامة في التعامل وعدم الخداع والغبن، كما أنه أخلاقيا وإجتماعيا يجب الحؤول دون إلحاق الضرر الفادح بأحد أطراف العقد تحقيقا لمبادئ الإنصاف وهي وليدة الأخلاق الطبيعية ومتلازمة مع فكرة العدالة التي تلتصق بها.وبهذا السياق يكمن أهمية دور القاضي عند غياب النص وفهمه لدوره الخلاق الحامي للحقوق والمكرس للعدالة الإجتماعية.

وبالنتيجة، وبما أنه في حال إرتفاع سعر الصرف الرسمي للدولار سيكون تأثيره كارثيا وخانقا على فئة واسعة من المستأجرين مما سيؤدي لأزمة إجتماعية تتعلق بحق أساسي من حقوق الإنسان وهو الحق بالسكن. ولا يفترض أن يلقى اللوم على المالك أو تصوير الأزمة وكأنها بين المستأجرين والمالكين، بل الحقيقة، وفي حال حدوث ذلك أن المشكلة تكمن بين المستأجر والدولة والتي هي المسؤولة عن تأمين السكن اللائق للمواطن، وحماية الطرف الضعيف وهو المستأجر من تعسف المالكين والحؤول دون تحمله خسارة فادحة.

لذلك فإنه يتعين على السلطتين التشريعية والإجرائية التدخل بشكل سريع ومسبق وبشكل وقائي أقله في اتجاه الإبقاء على قيمة بدل الإجارة كما كانت بالليرة اللبنانية فيما يتعلق بعقود الإيجار الخاضعة لحرية التعاقد والمحررة بالدولار الأميركي، تمهيدا لإيجاد حل ومخرج سريع عبر إقرار سياسات تمنع من وقوع كارثة إجتماعية ستطال شريحة واسعة من المجتمع اللبناني ستصبح من دون مأوى وستشرد في الشوارع، خاصة وأن الأجور بالعملة الوطنية لا تزال كما هي.


New Page 1