وداعاً لبنان الكبير.. والآتي أفدح :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


وداعاً لبنان الكبير.. والآتي أفدح

نصري الصايغ - على الطريق
29-05-2020
كتب نصري الصايغ:

كثير من الكلام، كثير من الخراب. أفدح ما يصيب شعوباً، هو الكلام المبني على الكذب. اللبنانيون، أفدح الكذابين، في شتى الميادين. الصدق معجزة لم تحقق بعد. من بدائع الكذب ما يتفوه به السياسيون وبيئاتهم التابعة، والاقتصاديون وخبرائهم الخائبة، ورجال الاعلام وأقلامهم المجيَّرة، ورجال الدين ومقاماته التي… (ضعوا الصفة المناسبة لهم، والتي يستحقونها، من دون أي افتراء).

أعظم الاكاذيب: النطق الشائن، بأننا دولة، وان الدولة لبنانية، تُرى متى كان عندنا دولة ومتى كانت لبنانية. جرت العادة في هذر الكلام، على أن لبنان بدأ تاريخه منذ ثلاثين عاماً. كذابون. عمر لبنان مئة عام، وطوال هذا القرن ما كان لبنان دولة، لا في ظل الانتداب ولا في ظل الميثاق، ولا في ظل أفضل الرؤساء او في ظل أسخفهم وأدناهم. ولا في حقبة الفتن ولا في حقبة الحروب الاهلية، ولا في ظل الدستور القديم ولا في رحاب جسور الطائف الذي هجره محرروه ومدبجوا مواده.

ولا مرة، لبنان هذا، كان دولة.

تأسس بعد سايكس بيكو، بحدوده الراهنة، لصقاً واضافة وانتزاعاً، ليكون وطناً للموارنة، بمعية سنية دونية، وبنبذ متعمد للشيعة. فلبنان لم يولد كدولة، بل هو هبة فرنسية للموارنة، في مواجهة رفض سني ومقاومة شيعية مسلّحة… ثم كان ما كان. هجمت البورجوازية المسيحية على البلد واجتاحت المؤسسات. ساحة البرج صارت ملكا لهم. الادارات بتصرفهم. مفاتيح السلطة السياسية والعسكرية والامنية والقضائية والاقتصادية، بزنارهم. حدث ذلك في ظل الانتداب وفي حمى “الاستقلال” بقيادة الميثاق.

الميثاق لم يُحترم. الوطني خرق. كل الموارنة جالية فرنسية الانتماء والهوى، والسنة لاجئون وكعبتهم السياسية دمشق، اما الشيعة فكانوا غير مدعوين إلى المائدة، حصتهم في ذمة السنة.

دلونا: أي دولة كانت هذه الدولة، بل أي نظام؟ بل أي سلطة؟

أخرجوا من هذه الكذبة البلقاء. صحيح أن الدستور كان مكتوبا، ولكنه لم يكن مقروءا ومنفذاً. صحيح أن القوانين قد زينت الادارة والقضاء والمؤسسات، ولكنها زينة فقط. الطائفة اقوى من الدستور والقوانين. زعران الطوائف الزعماء، هم الذين ينفذون مقتضيات المعاملات لتي تخص الناس.

كذب. لم يكن عندنا دولة، ولا دويلة، ولا كان عندنا شعب. لأنه لم يكن عندنا مواطن. كان لدينا احزاب لعائلات ورثت سلطتها من زمن العمال للعثمانيين او للفرنسيين او لمزاحميهم الانكليز.

كانت الشكوى السنية من الاجحاف. طالبوا بالمشاركة. ظلوا هكذا حتى اندلعت الحرب اللبنانية الدولية. الشيعة لم يسمع لهم صوت الا بعد صعود نجم السيد موسى الصدر. كانت الدفة دائماً طابشة لمصلحة المسيحيين، والباقون ينتزعون الفتات.

ثم… ويباهون بلبنان قبل الحرب واتفاق الطائف. كذب. لم يكن لبنان لبنانياً ولا مرة. كان لبنان بعناوين متعادية. طوائفه بانتماءات مضادة متحاقدة متآمرة وغادرة. لبنان كان سوريا لقسم من اللبنانيين، وفرنسياً لقسم آخر. المسيحيون غربيون، المسلمون شرقيون: سوريون مرة، ناصريون مراراً، فلسطينيون كثيراً، بينما اعتصم المسيحيون بالحماية الغربية وحلفائها في الخليج.

الفراش اللبناني نامت فيه سفارات وقناصل وبعثات. هو ابن زنى لا وطني. قاد ذلك إلى انفجار مع مشروع ايزنهاور، ومع حلف بغداد، ومع الوحدة المصرية-السورية، ثم، ولما جاءت الحرب، بات لبنان ساحة محلية واقليمية ودولية، حتى اسرائيل نامت مراراً فراش لبنان، فيما كان الاعداء، قد احتلوا مقام الامرة.

أما الفساد، فحدث ولا حرج. الفارق بين فساد السلطان سليم شقيق رئيس الجمهورية، وبين فرسان الفساد اليوم، هو ليس في الكيفية بل في الكمية.

يطنبون في مدح لبنان قبل الحرب. هذا المدح لتلك الحقبة، هو معزوفة مارونية، لان لبنان يومذاك، كانت الغلبة الطائفية المارونية المدعومة من بورجوازية شرهة من كل الطوائف. وفي هذه الاثناء، التي تسمى سنوات البحبوحة، كان الريف قد بدأ يزحف إلى المدينة. احزمة البؤس من الريف احاطت بالمدن. بيروت، طرابلس، صيدا، إلى اخره. بارت اراضٍ هاجر السكان هربا من فقر ومذلة وجوع. فيا كان لبنان جائزة لحفنة من اللبنانيين، يتهافتون على ما غلا ثمنه وكثر ربحه.

السلطة آنذاك كانت تحت طغيان ماروني، متحالف مع إقطاع سني وشيعي. فاذا أطعم الغني، ظن النظام أن ابناءه في القرى قد شبعوا. كذب. لم يعد في السهول مزارع، بل اضحت عقارات. شبابنا يهاجر، ونتباهى بلبنان الاغتراب. T.O.Z

في الحروب اللبنانية، خرَّت الدولة على قدميها. سجدت امام آلهة الطوائف وشياطينها. تفتت لبنان، ولا تزال خطوط التماس العسكرية، هي خطوط مناطق النفوذ، وحيث الاختلاط مزمن، “فحط ايدك على قلبك”. لا تعايش، بل تنابذ، مدعَّم بخطب وتصريحات هي من صلب حرب الفتنة المتكررة.

لا. لبنان الدولة، ليست على قياس هؤلاء الزعماء وجماعاتهم الراكضة على عماها خلفهم. العصابات لا تصنع دولة. والنافذون عندنا عصابات. قراصنة المال يجتاحون الادارات والقضاء والفضاء العام والخاص. كما يجتاحون الاعلام العابر للأوطان والمستقر في احضان زبانية الايمان المستقيم نزولاً.

ويذهلنا، استنكار البعض، لتدخل رجال الطوائف، بمقاماتها العليا والسفلى، في شؤون البلاد. انهم اصحاب حق. عندهم فيتو. ثم أن التدخل في السياسة اختصاصهم، ولا مرة كان اختصاصهم دينيا. انهم في غاية الوفاء للثراء ودورهم في البقاء، إلى جانب الزعماء.

من لا دولة عنده، يجب الا يعجب الا تكون سلطته سهلة ونظامه متعاف. جرب اللبنانيون صيغا كثيرة للنظام. فالصو. لم تزبط ولن.

أما بعد … هل من حل؟

رجاء، لا تسألوا احداً من زعماء الدهماء. اسألوا ثوار 17 تشرين لعلكم تجدون معهم الجواب. لأن لبنانهم لن يشبه لبنان المئة عام من الفشل والمأساة.


New Page 1