بين مطمرَي برج حمّـود والجـديدة: توسيع المطامر البحريّة لإعادة إحياء "لينور" :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


بين مطمرَي برج حمّـود والجـديدة: توسيع المطامر البحريّة لإعادة إحياء "لينور"

سينتيا بوعون - المفكرة القانونية
03-07-2020
في 1 أيار 2020، بلغ مطمر الجديدة – برج حمّود قدرته الاستيعابية القصوى وانتهت مهلة العمل فيه وفقًا لقرار مجلس الوزراء بإنشائه والعقد الموقّع بين مجلس الإنماء والإعمار ممثّلاً الحكومة وشركة خوري للمقاولات التي تنفّذ الأعمال[1]. ونتيجةً لذلك، تفادياً لعودة النفايات إلى الشوارع في كسروان والمتن وبيروت ولإخماد غضب الناس، قرّر مجلس الوزراء في 5 أيار 2020 استكمال العمل في مطمر الجديدة عبر رفع مستوى طمر النفايات بما يؤمّن علوّاً ما بين المتر والمتر والنصف على امتداد مساحة المطمر الحاليّة[2]، رغم اعتراض نوّاب المنطقة. وأعطت الحكومة وزارة البيئة مهلة شهرٍ لاستكمال خطّة مستدامة (2020-2025) لإدارة النفايات الصلبة وعرضها على مجلس الوزراء، وفي ذلك إقرار ضمني لسياسة "الترقيع" المتّبعة منذ إنشاء المطمر عبر توسعته مراراً وتكراراً كلّما استنفد قدرته الإستيعابية وكأنّها طارئة ولم تكن مرتقبة. ففي تمّوز 2019، أُقفل مطمر برج حمّـود بعدما كان قد توقّف عن استقبال نفايات جديدة منذ شباط 2018 [3] وفي نهاية شهر أيلول 2019، كان من المرتقب إقفال مطمر الجديدة أيضاً نتيجة بلوغهما قدرة استيعابهما القصوى وذلك بسرعة فائقة جدّاً. وكان رئيس بلديّة الجديدة – البوشريّة – السّد أنطوان جبارة قد وجّه كتاباً إلى وزارة الداخليّة والبلديّات وإلى مجلس الإنماء والإعمار في تمّوز 2019 يبلغهما فيه تعذّر استقبال نفايات قضاءي المتن وكسروان إبتداءً من نهاية آب 2019 بعد امتلاء الخلايا الصحيّة، مع إمكانية الاستمرار بالعمل في المطمر لمدّة إضافيّة أقصاها 6 أشهر ولكن لاحتواء النفايات الصادرة عن بلديّته فقط لا غير[4]. وكانت بلديّتا برج حمّود والجديدة – البوشرية – السدّ قد قدّمتا مشروعاً إلى وزير الأشغال العامّة والنقل يقضي بتوسيع ٍ جزئيّ لمطمر الجديدة عبر طمر جزء من المسطّح المائي بين المطمرين (ما يقارب ثلث مساحة مرفأ الصيادين الواقع بينهما) وذلك لإنشاء خليّة واحدة تطيل عمر المطمر لسنة. وحسب جـبارة، تكون هذه الخطوة تحضيريّة ريثما يتمّ تجهيز مرفأ بديل لنقل مرفأ برج حمّـود إليه، قد يكون مرفأ الجميّل[5] أو غيره. بعدها، يستكمل التوسيع في المرحلة الثانية بعد نقل أنابيب شركات النفط من هذه المنطقة إلى مكانٍ آخر، وإنجاز حاجز بحري بطول 200 متر وردم المساحة المتبقّية بين المطمرين. وإذا كان هذا المشروع مقبولاً في السابق، فقد أصبح مصيره مجهولاً اليوم بسبب الكلفة العالية التي يرتّبها نقل أنابيب النفط وكذلك نقل مرفأ الصيادين التي "قدّرت كلفته بــ 13 مليون دولار"[6].

وفيما تٌرجّح مصادر مطّلعة في وزارة البيئة توسيع مطمر الجديدة – برج حمّود ونقل مرفأ الصيادين، ينفي ذلك رئيس قسم الأشغال في بلدية برج حمود شربل باحوط (وهو أيضاً رئيس تعاونية صيادي الأسماك في مرفأ برج حمود) وكذلك أمين سرّ التعاونيّة كريكور طوغراماجيان، متمسّكين بوعود مدير عام النقل البحري والبرّي في وزارة الأشغال الذي أكّد لهما بقاء المرفأ – أقلّه على المدى القريب – مكانه. وما يرسّخ قناعتهم هو كلفة تجهيز المرفأ الحالي من قبل وزارة الأشغال والنقل والتي بلغت 22 مليار ليرة لبنانية؛ فإذا كان مشروع نقل المرفأ واقعيّاً، فلماذا صرفت الوزارة هذا المبلغ على تأهيله بخاصّة في ظلّ العجز المالي والأزمة الإقتصادية؟[7]

من جهة أخرى، طرحت وزارة البيئة خريطة طريق لقطاع الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة[8]، جاء فيها اقتراح 25 موقعاً لمطامر صحيّة، بعضٌ منهـا بحريّــة، ومن ضمنها توسيع مطمر برج حمّـود – الجديدة، ما يعني ردم مساحات واسعة من الأملاك العامّة البحرية واكتساب أراضٍ على البحر. انطلاقًا من هنا، لا يمكننا إذًا فصل أزمة النفايات عن التخطيط المدني واستراتيجيّة التطوير العقاري وتأثيره على الاقتصاد: فالمطامر البحريّة تسمح باكتساب أراضٍ يُخضِعها مطوّر عقاري إلى مخطّط توجيهي خاص بها، فتُــقـسَم إلى عقاراتٍ بعد التنازل عن 25% منها للدولة لإنشاء الطرقات والبنى التحتيّـة، وتُلحَق بمعدّلات استثمار تُحَدّد حسب طلب السوق العقارية وبعد دراسة عائدات المشروع الماليّة وجدواهُ الاقتصاديّة على المستثمر. إذًاً كلّ مطمر بحري هو مشروع عقاري خاصّ مُرتَقَب.

من هنا، من يراقب شكل الردم البحري الناتج عن مطمري الجديدة وبرج حموّد وكيفيّة إمتدادهما بإحكام حول مرفأ الصيّادين، قد يفهم لمَ تمّ الإسراع في وصولهما إلى قدرتهما الإستيعابيّة القصوى إذا ما قارناهما بشكـل الرّدم المقترح في مشروع تطوير ساحل المتن الشّـمالي المصدّق في التسعينيّات، أو ما يُعرَف بمشروع "لـيـنـور". فهل يكون إذاً خيار اعتماد وتوسيع المطامر البحريّة في المتن إعادة إحياء لينور المجمَّـد منذ عام 1995، وذلك عبر توفير الشروط الملائمة لإطلاق مشروع عقاري استثماري لمساحة تقارب مليونين ونصف متر مربّع من الواجهة البحريّة؟ لذلك، لم نستغرب إعادته الى الواجهة من قبل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في الورقة الإصلاحيّة التي قدّمها إلى الحكومة في تشرين الأول 2019 والتي تمّ الموافقة عليها، رغم الأزمة الاقتصاديّة الخانقة، لأنّ الظروف المؤاتية لاستكماله باتت متوفّرة جرّاء أزمة النفايات المستمرّة منذ عام 2015.

سنشرح في هذه المقالة ماهية مشروع لينور، وما هي آثاره على ساحل المتن من الناحية المُدنيّة، كما سنحاول أن نبيّن كيف تعيد المطامر إحياءه وأبرز المواقف العامة الحالية حياله.



لينور: استثمار 2.5 مليون متر مربّع من واجهة المتن البحريّة.

خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، كثُرتْ التعدّيات على الأملاك العامة البحريّة، حيث استفاد مستثمرو هذه المشاريع من غياب دولة صارمة تطبّق القانون. وقد برز أيضاً، خلال الحرب، نموذجٌ آخرٌ من تشويه الواجهة البحريّة، تمثّل بالردميّات الضّخمة أو ما كان يُعرف بـ"جبل النفايات" كمطمر برج حمّود أو مكبّ النورماندي في وسط بيروت، الذي استُخدِم في أوائل التسعينيات لرمي النفايات ومخلّفات البناء وموادّ الأنقاض التي نشأت خلال فترتي الحرب وإعادة الإعمار بين عامي 1975 و1994.

منذ نهاية الحرب، أصبح هدف السياسات المُدنيّة المتّبَعة جَعْل الأملاك العامّة البحريّة مُربحة ماليّاً للدّولة عوضاً عن إزالة التعدّيات عليها وإنهاء إشغالها. ويتمثّل ذلك في ضخامة الرّدم الناتج عن مشاريع إعادة الإعمار (مثلاً: في وسط بيروت التجاري والضبية) التي تفوّق مساحتها وأبعادها الحَضَريّة والاقتصاديّة مساحات الشاطئ المُحتلّة بشكلٍ غير قانونيّ خلال الحرب[9].

يندرج مشروع لينور ضمن هذه السياسة. حدودُه من نهر بيروت إلى نهر إنطلياس ولكنّه جزءٌ من مشروعٍ متكاملٍ لردم وتطوير ساحل المتن على مسافة 8 كيلومترات، من نهر بيروت إلى نهر الكلب (خريطة رقم 1). وهو يشكّل امتداداً لتطوير الساحل من وسط بيروت التجاري (سوليدير) إلى المارينا - الضبيّة (جوزيف خوري).

طُرِح مشروع تطوير ساحل المتن لأوّل مرّة في الثمانينيات وذلك لإيجاد حلّ لمشكلة النفايات في برج حمّود والتلوّث في نهر بيروت. وكان الهدف الأساسي معالجة المطمر وتحويله إلى حديقة عامّة ومُنتزه (Park) وإنشاء محطّة لتكرير المجارير. في هذا السياق، في عام 1980، عندما كان أمين الجميّل نائباً عن المتن، أقنع هذا الأخير المديريّة العامّة للتنظيم المدني بوضع دراسة لتطوير ساحل المتن الشمالي، التي أوكلت بدورها إلى "دار الهندسة" أن تضع تصميماً للمنطقة الممتدّة من مكبّ برج حمّود إلى مصبّ نهر الكلب. في عام 1983، عُرض المشروع للتلزيم وأوكل إلى مجلس الإنماء والإعمار إجراء المناقصة التي رست على شركة جوزيف خوري من بين 4 شركات متنافسة )بينهم الرئيس رفيق الحريري والنائب ميشال المر[10]( وكان للحريري حوالي 5% من أسهمها[11]. وكُرّس مشروع ردم البحر تباعاً في المخطّط التوجيهي لبيروت الكبرى عام 1986 (Schéma Directeur d’Aménagement et d’Urbanisme de la Région Métropolitaine de Beyrouth) الذي أجاز ردم البحر لاكتساب 3،56 مليون متر مربّع بين نهر بيروت ونهر الكلب[12] بعرض 400 متر مقسّمة على جزئين: الجزء الأوّل من نهر بيروت إلى نهر أنطلياس وقد لُزّم إلى شركة لينور في عام 1995 والجزء الثاني من نهر إنطلياس إلى نهر الكلب الذي سبق أن لُزّم للشركة الوطنيّة للتّعهّدات – جوزيف خوري في عام 1983. لم يلتزم هذا الأخير بمجمل العقد واقتصر التنفيذ على الجزء المتعلّق بالمارينا في الضبيّة ومعدَّلاً عن المخطط الأساسي. لذلك، لاستكمال مشروع ردم الساحل، وجُب تعديل مخطّط "دار الهندسة" للتكيّف مع التغيّرات التي حصلت وإدراجها ضمن مخطّط توجيهي ثانٍ، متجانسٍ مع الطروحات الأساسيّة لترتيب الجزء الأوّل – أي لينور.

كان المخطّط الثاني من تصميم المهندس الإسباني ريكاردو بوفيل: مدينة البحر" (La cité de la mer ) تمتدّ على شكل متنزّه ساحلي ذي جادةٍ واسعة، تغلب فيه المساحات العامّة على الأبنية الخاصّة (ساحات، حدائق، مسرح في الهواء الطلق، مرفأ، كورنيش بحري ...)، في محاولةٍ لترسيخ الجانب الإجتماعي للتخطيط. تتجلّى هذه الرؤية في استحداث 5 ساحات عامّة ومرفأ، يتمحور حولها كلّ المشروع، وحُدّدت مواقعها في المخطّط التوجيهي حيث ستعكس وتعزّز الدور الاجتماعي للسّاحات العامّة[13]. ولكن أدّى استئناف القتال واحتدام المعارك إلى إجهاض هذا المخطّط نهائيّاً.

أُعيد إحياء مشروع تطوير ساحل المتن الشمالي ضمن مرحلة إعادة الإعمار وطُبّق نموذج "سوليدير" مرّةً أخرى: في 9 آب 1996، أنشأ المرسوم رقم 8937 "الشركة اللبنانيّة لتطوير الساحل الشمالي لمدينة بيروت ش.م.ل" (Société Libanaise pour le Développement du Littoral Nord de la ville de Beyrouth – LINORD) وأوكل إليها ردم البحر والقيام بجميع الأعمال لتنفيذ المخطط التوجيهي لمشروع تطوير ساحل المتن الشمالي الذي كان قد صُدّق بالمرسوم رقم 7309 بتاريخ 25/9/1995، أي مشروع لينور الذي وضعه "المكتب الهندسي الإستشاري – ايس بيروت" (Associated Consulting Engineers). وشكّل ذلك سابقة قانونيّة حيث أنّ الحكومة أجازت لنفسها التصرّف بالأملاك العامّة فوهبتها إلى شركة خاصّة بدون العودة إلى مجلس النواب لإصدار قانون يسمح بذلك (نجاح واكيم، "الأيادي السّود"، 1998)[14].



المخطط التوجيهي: عمليّة تجاريّة يملي شروطها المستثمر

في مشروع لينور، اختفت الرؤية الاجتماعيّة التي هي عنصر أساسي في أيّ مخطط توجيهي، فبدا التخطيط كأنّه يضع الإطار التنظيمي لعمليّة تبادل تجاري بحتة. فقد أتت التعديلات جذريّة على مقترح بوفيل، ولم تبقِ منه شيئاً، لكي تتلاءم مع متطلّبات المستثمر بزيادة أرباحه. وقد عكس هذا التوجّه النهج المتّبع من قبل الدولة الذي يغلّب مصالح المستثمرين بتحقيق عائدات من مشاريع سياحيّة ضخمة - كالضبيّة ولينور- على حماية الشاطئ العام والأملاك البحريّة. فالمخطّط الجديد ألغى المساحات العامّة لزيادة المساحات المبنيّة وتباعاً عائدات البيع، وأبقى فقط الكورنيش البحري الذي هو بطبيعته ممر أكثر مما هو مساحة عامة. وقد بدت هذه الخيارات تعبيراً عن النمط الوحيد المقبول لدى المُطوّرين العقارييّن في ظلّ نظامٍ يعتبر أن ّكل تجمّعٍ عامّ يستدعي القلق ويهدّد الاستقرار الأمني.[15] فقد استبدلت الساحات الواسعة المفتوحة على البحر بأربع مساحات خضراء صغيرة – توحي بأنّها فضلات عقاريّة – محاطة بأبنية من الجهات الأربعة وألغيت ساحة المرفأ لتُشيّد مكانها الأبنية السكنيّة. حافظ المخطط على المارينا (وقد تمّ تنفيذها في الضبيّة) إلّا أنّها لم تعُدْ على شكل مرفأ عام متواصل مع الكورنيش بل أصبح الوصول إليها مخصّصاً للفئات الاجتماعيّة الميسورة. أمّا المساحة الخضراء الكبرى فستكون على شكل منتزه مستحدث في مكان مطمر برج حمّود.

يهدف المشروع حسب دراسة 1996 إلى وضع خطّة تطوير عقاري تتمحور حول النقاط التالية:

إعادة تأهيل مطمر برج حمّـود وتحويله إلى حديقة عامّة مساحتها 260،000 متر مربّع.

نقل كل خزّانات الوقود إلى منطقة صناعيّة مخصّصة لها ومنظّمة حسب معايير دوليّة (300،000 م2).

تأمين قاعدة لخفر السواحل (تخصيص مساحة 57000 متر مربّع من المسطّح المائي).

دعم الاقتصاد عبر تنظيم منطقة حرّة وقاعدة وطنيّة لتجارة التكنولوجيا العالية (مساحتها 14 هكتار).

ترتيب منطقة سكنيّة تجذب الاستثمارات (1،3 مليون متر مربّع من الأراضي المكتسبة على البحر).

إنشاء محطّة لتكرير مياه الصرف الصحّي تخدم الأجزاء الشمالية والغربيّة لبيروت، ساحل المتن وقسماً من جباله.



في هذا المخطط، تنقطع العلاقة بين المدن الساحليّة والبحر إذ سيفصلها عنه أوتوستراد وحوالي 400 متر من الردميّات، أي سيختفي الشاطئ الرملي تماماً في كلّ المتن. ولم يلحظ المشروع أساساً ترتيب أيّ شاطئ رملي عام على خلاف التصميم الأوّل لريكاردو بوفيل. وحِدَّة هذا الانقطاع تبرز بشكلٍ جذريّ في القسم الممتدّ من نهر بيروت إلى نهر الموت أي ضمن بلديّات برج حمّود والجديدة – البوشريّة – السّد. فهذا الجزء مخصّص لتنظيم "منطقة البنى التحتيّة" (Infrastructure Zone) التي تحوي محطّة تكرير مياه الصرف الصحّي، ومنطقة صناعيّة لتخزين الوقود ومنتزه عامّ (مستحدث على المكبّ) محصور بينهما. حتّى أنّ المنطقة الاقتصاديّة الحرّة والمرفأين المقترحين للصيّادين وخفر السواحل قد تمّ إلغاؤها من التصميم النهائي عام 2005، فأصبح جزء برج حمّـود – الجديدة بكامله مصنّفاً منطقة صناعيّة ما يعزّز انفصال المدينة عن بحرها، على خلاف القسم الآخر بين نهر الموت ونهر الكلب المخصّص للمنطقة السكنيّة وللنشاطات الترفيهيّة والتجاريّة حول المارينا والكورنيش، حيث هناك تواصل، بصريّ على الأقل، مع البحر.

يلفتنا في جميع هذه المخططات غياب مرفأ الصيّادين في برج حمّود عن الخرائط. فهل سيطمره الردم كما يظهر في التصميم التوجيهي؟ في مقابلة مع بلديّة برج حمّود عام 2009، قالت رئيسة مصلحة الهندسة آنذاك[16] إنّ المشروع توقّف بعد رفض البلديّة للجزء المتعلّق بالمطمر ومرفأ الصيّادين الذي كان مهدّداً آنذاك. أمّا اليوم، فيبدو من خلال المقابلات التي أجريناها في تمّوز 2019 أنّ المعطيات تغيّرت، بدون إمكانيّة الجزم بوضوح في مصير مرفأ الصيّادين في برج حمّود، بخاصّةً بعد توسيع مطمر برج حمّود وإنشاء مطمر الجديدة، كما شرحنا في المقدّمة.



هل يعود "لينور" إلى الواجهة؟

"في مرفأ الصيّادين في برج حمّود 540 زورق، تعتاش منها أكثر من ألف عائلة، وهو، على المستوى الوطني، ثاني أكبر مرفأ للصيّادين بعد مرفأ طرابلس[17]. لذلك ليس من السهل التكلُّم عن طمر المرفأ أو تغيير موقعه من دون تأمين كافّة التجهيزات الضروريّة". يعتبر أمين سرّ تعاونيّة صيّادي الأسماك في مرفأ برج حمّـود كريكور طوغراماجيان أنّ المرفأ أصبح موضوع تجاذبٍ سياسيٍّ بين فريقٍ معارضٍ للمطامر وآخر مؤيّدٍ لها. فبالنسبة له، حين وضع مخطّط لينور عام 1995، لم يعِ مهندسوه أهمّية المرفأ الاجتماعيّة والاقتصاديّة، واقترحوا تغيير مكانه؛ وعارضت ذلك البلديّة والتعاونيّة، وجرى العمل على تعديل التصميم. أمّا اليوم، فالمرفأ باقٍ بين المطمرين خاصّةً أنّ مكب برج حمّود لن يبقى على حاله بل سيصبح حديقة عامّة مطلّة على المرفأ، "وسيتمّ ربط المطمرين ببعضهما البعض عبر بناء جسر. وقد أتى فريق عمل لأخذ قياسات الموقع في منتصف تموز 2019، وذلك للحفاظ على المرفأ". ويضيف طوغراماجيان أنّ خير دليلٍ على ذلك تجهيزه حديثاً من قبل وزارة الأشغال العامّة والنقل بأحدث المعدّات وهي مكلفة جدّاً. وعن تأثير المشروع على الصيّادين، يجيب: "بطبيعة الحال، إنّ الشاطئ في برج حمّود قد رُدم والثروة السمكيّة قلّت اليوم بعدما طُمِرَ المكان الذي يبيض فيه السمك عادةً وأغرقت المنطقة بالمجارير. واستكمال مشروع لينور سيقتل ما تبقّى من الثروة السمكيّة في المتن إذ سيوسّع الردم على باقي الساحل وسيقضي بذلك على كل المواقع الرمليّة التي هي أماكن حيويّة ضروريّة لتكاثر الأسماك، وبالتأكيد لذلك تأثيرٌ كبير على الصيّادين". أمّا في بلديّة برج حمّود، فيعتقد رئيس قسم الأشغال شربل باحوط أنّ إعادة إحياء لينور ليست في الأفق لأنّ التحديات كبيرة وهو يتطلّب تمويلاً ضخماً، إضافةً إلى صعوبة استكمال الرّدم لطمر المرفأ أو لتوسيع المطمر نحو البحر بسبب وجود أنابيب النفط التي تمتدّ في البحر. ويرى باحوط أنّ الانعكاس الإيجابي على برج حمّود يكمن في ملكيّة البلديّة حصّةً من الردم لإنشاء حدائق عامّة من جهة نهر بيروت، وعلى البلديّة أن تضع رؤية لذلك عند انتهاء الطمر. أمّا محطّة التكرير، فستستوعب مجارير كلّ من الدكوانة، الجديدة وبرج حمّود )محطّة الضخّ ستكون في الدورة على البحر قبالة فانليان).

ولكن، لرئيس بلديّة الجديدة ونائب رئيس إتّحاد بلديّات المتن في آنٍ أنطوان جبارة رأيٌ آخر: "حتّى لو ليس هناك علاقة بين خطّة المطامر ولينور، الإرادة موجودة لدى المسؤولين بإعادة إحيائه ولكنّ ذلك يتطلّب التلزيم والتمويل، ولا إمكانيّات ماليّة في الوقت الحالي. أمّا على صعيد إتّحاد بلديّات المتن، فالقرارات المتعلّقة بمشروع لينور مجمّدة في الوقت الراهن لأسباب تعود إلى هيكليّة الإتّـحاد". وحسب جبارة، مرفأ الصيّادين في برج حمّود سيبقى في مكانه مؤقّتاً على الأقل لثلاث سنوات، إلى حين تجهيز الموقع البديل، وقد تمّـت الموافقة على تنفيذ الطريق المخطّطة في مشروع لينور ("بولفار لينور") في عام 2015. هذه الطريق موازية للأوتستراد الحالي وستربط الضبيّة بمرفأ بيروت (خريطة رقم 3). ويؤكّد جبارة أنّه سيتمّ توسيع مطمر الجديدة – برج حمّود من دون تحديد مهلة زمنيّة، ويعود للبلديّتين حق انتفاع ضمن المساحات التالية: 450،000 متر مربّع لبلديّة برج حمّود و 325،000 متر مربّع للجديدة.

من جهة أخرى، إذا كان لينور يرتّب الواجهة البحريّة بين الجديدة وبرج حمّود والتي هي صناعيّة وملوّثة اليوم، يعتبر جبارة أنّ "لينور كارثيّ على المتن من الناحية الحَضَريّة والاجتماعيّة والبيئيّة لأنّه لن يبقي حبّة رملٍ من الواجهة البحريّة. لذلك، في المقابل، يتمنّى أن يقدّم المشروع شيئاً إيجابيّاً لمنطقة الجديدة التي ستنقطع عن بحرها، ويفكّر مثلاً في إنشاء مارينا في نطاقه أسوةً بالضبيّة".

أمّا وزارة البيئة، التي اقترحت 25 موقعاً لمطامر صحيّة كجزءٍ من الحل لأزمة النفايات، فتؤكّد أوساطها في حديثٍ أجريناه نهاية تمّوز 2019، أنّ "موقف وزارة البيئة اليوم ضدّ المطامر البحريّة التي تكلّف الدولة كثيراً وخطّتها لإدارة النفايات مستقلّة عن لينور. ولكن، سياسيّاً، هناك توجّه كما هو واضح لإعادة إحياء لينور عبر توسيع المطامر لاكتساب أراض على البحر. بالنسبة للوزارة، البيئة هي الأولويّة، وإذا كان لا بدّ من إنشاء مطمرٍ بحريٍّ، فاختيار الموقع سيتم بشكلٍ يتواءم مع مشروع لينور، ويرجّح توسيع مطمر الجديدة – برج حمّود ليصبح كياناً واحداً وسيتمّ اختيار موقع آخر لمرفأ الصيّادين".

ختاماً، في ظلّ الغموض الذي يسيطر على مصير مشروع لينور وحلّ أزمة النفايات من جهة، وتضارب بعض المعلومات من جهةٍ أخرى، هل سيُطمَر كل ساحل المتن الشمالي في السنوات القادمة بالنفايات؟ أنطوان جبارة يستبعد ذلك، لأنّ إعادة تأهيل مكبّ النفايات يتطلّب 15 سنة من الإنتظار قبل البدء بإستعماله وتطويره وهي المهلة الضروريّة للتخلّص من غاز الميثان المتسرّب منه، خلافاً للرّدم الذي يسمح بالتطوير العقاري للأراضي المكتسبة فور انتهاء الأشغال. أمّا نحن، فنترك الأمر لوزارة البيئة للإجابة على هذا السؤال.


New Page 1