هونج كونج .. رايح جاي :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


هونج كونج .. رايح جاي

جميل مطر - على الطريق
19-07-2020
نزلنا في مطار هونج كونج، أنا وزوجتي وبالأصح عروستي، لنجد في استقبالنا موظف من إدارة مراسم حكومة المقاطعة. اصطحبنا الشاب، أظن أنه كان في عمر الشباب. نحن أيضا كنا في هذا العمر. كنت تجاوزت العشرين بعامين وكانت زوجتي تجاوزت الثامنة عشر بشهور قليلة. أعترف أنني ما زلت أجد صعوبة في اطلاق صفة الزوجة على رفيقتي في هذه الرحلة. كنا بالفعل صغارا. مرة أخرى تصدمني هذه الحقيقة وأنا أقدم زوجتي للشاب المكلف باستقبالنا. رأيت لوهلة طويلة وجهها وقد اكتسى صفارا ومن عينيها اختفى بريق معتاد وغابت فرحة لم تكن تنقطع. أظن أن الخوف انتابني للحظة، هذه الطفلة هي الآن، وللمرة الأولى، مسئولية مطلقة من مسئوليات أتحملها ومعظمها جديد. لعلها انتبهت فراحت تطمئنني إلى أن ما أراه على وجهها ليس أكثر مما يمكن أن أراه على وجه مسافر في رحلة استغرقت يوما كاملا. لم تسنح الفرصة لننام خلال الليلة التي قضيناها في بانجكوك للسياحة فيها ولتقطيع مدة الطيران في رحلتنا من الهند إلى الصين. هناك في الفندق المتواضع هاجمتنا على موجات جحافل الناموس الشهير في جنوب آسيا وتركتنا مع الشروق جسدين مشوهين ومرهقين وما تزال أمامهما رحلة ست ساعات إلى هونج كونج. غاب عنا مندوب المراسم دقائق قليلة عاد بعدها ليبلغنا بأن حقائبنا، وهي ثمان حقائب جلدية كبيرة واثنتان معدنيتان أصغر، انتقلت بالفعل إلى الفندق الذي حجزنا لنقضي فيه ثلاثة أيام وأننا يمكن أن نتحرك لنلحق بها وقتما نشعر بالرغبة والقدرة.

***

تصورنا أننا بدخولنا غرفتنا في الفندق يمكن أن تبدأ فترة للراحة. والراحة ضرورية لأن مهمتنا في هذه المدينة، كما تعلن سمعتها، صعبة ومرهقة وقد ننجح في أن نجعلها ممتعة. مهمتنا في أساسها التبضع. زملاؤنا في بكين وفي نيودلهي أغرقونا بقوائم مشتريات يجب علينا اقتناؤها إذا كنا ننوي قضاء الشتاء في جليد بكين وزمهرير عواصفها. وصلتني على عنواني بالهند رسائل عديدة تعلن بكل الوضوح أن لا بضائع من أي نوع ولأي غرض مطروحة للبيع في محلات بكين. كل شيء قد نحتاجه، أو نتخيل أننا نحتاجه، هو شيء غير موجود في الصين. لم أعرف وأنا أتلقى هذه الرسائل وأقرأ معها القوائم أنني، وزوجتي، لن نعيش حياة كريمة إلا إذا وفرنا لبيتنا جل ما ورد في القوائم. اكتشفنا، هي وأنا، أن يوما سيأتي نسأل فيه أنفسنا ماذا احتاج لأعيش وماذا احتاج لأعيش حياة كريمة، وأننا لن نجيب إجابة مفيدة لأننا بكل بساطة لم نعش سنوات بعدد يكفي لأن نتعرف على حاجاتنا واحتياجاتنا. كنا بالفعل صغارا بالعمر والتجربة.

قطعت الصمت دقة خفيفة على باب الغرفة. فتحت لرجل متقدم في العمر يرحب بي ويقدم نفسه، هو الترزي الذي يفصل أطقم البذلات والقمصان والبلاطي لأعضاء في سفارات عديدة في بكين ومانيلا. وصلته معلومة عن وصولنا وتوصية خاصة من زبائن معروفين لنا للتعامل معنا بشكل مريح. أكد بسرعة أنه لا يحتاج مني في لحظتها أكثر من ثلاث دقائق. وبالفعل أخذ المقاسات وعرض الأصواف الإنجليزية التي في حوزته، بعضها للشتاء والبعض الآخر لصيف شديد الحرارة والرطوبة. طلب أن نمر عليه في دكانته على يمين مدخل الفندق بعد أربع ساعات لعمل “بروفة”. أكد أننا عند عودتنا من العشاء خارج الفندق سنجد الأطقم والقمصان في أماكنها بخزائن غرفتنا. أوفى بعهده وأكثر. وجدنا بالغرفة حقيبة فارغة هدية منه وتتسع لكل ما صنعته يداه من أجلنا. وبالفعل كانت سعادتنا بالغة كأطفال وسط طوفان من الهدايا. أعترف أن وزارتي كانت كعادتها كريمة مع المنقولين في ظروف استثنائية، كانت تمنحنا ما يعادل مرتب ثلاثة شهور لتغطية نفقات نقل الأمتعة الإضافية، من هذه المنحة سددنا فاتورة نقل الحقائب العشر وتكلفة أطقم الملابس الجديدة والإقامة بهونج كونج.

***

اخترت مكانا في بهو الفندق أراقب منه حركة المصاعد في انتظار نزول زوجتي التي استأذنت في نصف ساعة ترتب فيها بعض أشيائها وتلحق بي. لعلها من المرات القليلة التي استطعت أن انفرد فيها بنفسي منذ بدأنا قبل ثلاثة شهور رحلات شهر العسل وهذه الرحلة، رحلة هونج كونج. طلبت من النادلة أن تأمر لي بمشروبي المفضل لتلك الساعة من المساء، عادة من عادات اخترت ممارستها خلال سنوات الدراسة الأخيرة والتي كانت أيضا سنوات عمل بالمكتبة الأمريكية الكائنة بجاردن سيتي. امسكت بالمشروب وعلى الفور وجدت نفسي أعود بمحرك الذكريات إلى نقطة في البداية. رأيت مشهدا في العاصمة الهندية المحببة إلى قلبي وكأنني في صالة استقبال أعرفها أجلس في مقابل الاستاذ عمر وعلى يمينه جلست منيرة هانم. سمعته يسألني عن مرتبي الشهري الذي اتقاضاه في نيو دلهي. أجبته بسرعة، وفي اجابتي بعض الفخر وكثير من الرضا، سبعون جنيها استرلينيا. أما الرضا فلأنه لم يسأل عن مرتبي الشهري في القاهرة، وكان في ذلك الحين يدور حول مبلغ ثلاثة عشر جنيها مصريا وثلاثمائة وخمسون مليما. أما الدافع الآخر للرضا فكان لأنه لم يسأل عن أجرة شقتي التي أسكن فيها في نيو دلهي، وهو ما يعادل أربعين جنيها استرليني. فاجأني عمر به عندما استدار نصف استدارة ليواجه زوجته، الست أم شافع، وبادرها بما هو بين السؤال والاستفسار والاستنكار قائلا : “سبعون استرليني؟! يا منيرة، نحن ننفق هذا المبلغ على حفل غذاء دبلوماسي نقيمه في الأسبوع مرتين أو ثلاثة.” جاء رد الست منيرة سريعا وحاسما. قالت “منذ متى يا عمر تدلي بدلوك في مسائل مالية. هذا من اختصاصنا أنا وابنتك. أرجو أن تطمئن فالمرتب كاف ليعيش عليه شابان صغيران في عمر جميل ورفيف. هل نسيت يا سعادة السفير كم كان دخلك في حلب عندما تقدمت لخطبتي”. بهذا الرد التاريخي انتهى اللقاء لصالحي وخرجت مطمئن البال، ودعتني حتى الباب الست منيرة وعلى فمها ابتسامة الواثق المنتصر.

انفتح باب أحد المصاعد وخرج منه أجانب وصينيون عديدون وفتاة ممشوقة القوام، مشت نحوي بخطوات ثابتة وقسمات وجهها تكشف هناء وسرورا. نعم، لم أخطئ في الاختيار ولا قصرت في القرار. أوقفت محرك الذكريات ونهضت لاستقبالها.

***

وصلنا بكين بعد أربعة أيام قضينا ليلة منها في مدينة كانتون، أول مدينة كبيرة في الصين تطأها قدماي. فاتتني الإشارة إلى أن فريقا تابعا لوزارة الخارجية استقبلنا على محطة على طريق السكك الحديدية التي تربط، وتفصل، بين إقليم هونج كونج وأراضي الوطن. يومها نزلنا من قطار فاخر وأنيق تابع لحكومة الإقليم ومشينا على الأقدام أمتارا عشرة أو أكثر حيث كان فريق الخارجية في استقبالنا. ودعنا وشكرنا رسول هونج كونج وسلمنا أنفسنا لفريق بكين وبدوره سلمنا لمسئول القطار الذي سوف ينقلنا الى داخل الصين وتحديدا إلى كانتون لؤلؤة الجنوب. كان الاستقبال المعتاد لكل الوافدين والزوار الأجانب دافئا ولكن بحماسة متدفقة. مكبرات الصوت في المحطة تذيع أناشيد حماسية وفريق الاستقبال الرسمي يصر على أن يحكي لرئيس المحطة والشباب المرافقين له حكايات عن بطولات مصر في نضالها ضد الامبريالية. كسرت مصر القيود لتعترف بالصين وتقيم علاقات معها وها هو شاب من طليعة المناضلين فضل أن يحتفل في الصين بزواجه فقرر أن ينضم لزملائه الذين سبقوه وأقاموا سفارة لمصر في بكين. لا أحد كان يراجع المترجم الذي نقل خطبة الترحيب الحماسية، المؤكد أن ورقة معلومات حملتها إليه من بكين أجهزة البرق قرأها واستوعب جيدا مضمونها وأضاف إليها من عنده ما يخصنا كزوجين حديثي العهد بالزواج. أظن أنني ارتكبت وأنا أودعه أول أخطائي كدبلوماسي في الصين. سألت سؤالا مفاجئا لمسئول في موضوع غير متوقع. بكل البراءة في النية أبديت ملاحظة مفادها أن لهجة الخطب الحماسية، الأناشيد الوطنية، تختلف عن اللهجة التي تحدثتم بها أنت والمترجم ورئيس المحطة. صعدنا إلى القطار ووصلنا معه إلى محطة قطارات كانتون ولم تتوقف الأناشيد الوطنية بلهجة أو لعلها وقعت على أذني وقع لغة غير تلك التي يتحدث بها أهل الجنوب.

***

غير صحيح ما كان يشاع عن أنه لا وجه شبه بين الداخل الصيني وإقليم هونج كونج. أوجه الشبه ليست قليلة. الصوت العالي هواية اشترك في ممارستها الصينيون حيثما وجدوا. أما حبهم للألوان الصاخبة فإدمان لا يتخلون عنه. قل ما تشاء عن القيم ولكن يجب أن تعترف أن لكبار السن نفحة قدسية لا تخطئها عين زائر من الخارج. قل أيضا ما تشاء عن التمسك بسلوكيات حضارة مختلفة جذريا عن حضارة الغرب. أدخل أي مطعم في هونج كونج لن تقابل رجلا أو امرأة من أهل المدينة يستخدم الشوكة والسكين. كلهم، رجال ونساء وأطفال، يستخدمون العصي في تناول الطعام حتى وإن كانت لغة التخاطب على المائدة الإنجليزية.

أوجه الاختلاف كانت أيضا كثيرة عندما نزلنا أرض الصين لأول مرة. معظم أهل هونج كونج كانوا يعيشون في رفاهة ورخاء، يرتدون ملابس غربية الذوق ويتحدثون الإنجليزية بطلاقة وهي لغة الحكم الرسمية. تشعر وأنت في هونج كونج بالتنوع على عكس ما كنا نراه في بكين أو شنغهاي. ما أن تطأ أرض الصين حتى تفقد القدرة على التمييز بين الأشخاص في الطريق العام. أتحدث عن فترة كان الصينيون رجالا ونساء يرتدون بذلة ماو، نسبة إلى الرئيس ماوتسي تونج، ويقصون الشعر حتى يلامس الشعر من الخلف ياقة البذلة. أقارن ما رأينا بما أصبحت تمتلكه اليوم حكومة الصين وأجهزتها الأمنية والبحثية من قدرة تسمح لها بالتعرف على أي مواطن يقف بين مليون. لاحظنا كذلك ونحن نجوب شوارع كانتون أننا لم نقابل في طريقنا شابا يحتضن فتاة، أو رجلا يمشي ممسكا بيد امرأة. كان الأمر مختلفا في هونج كونج، ولكنه ليس الاختلاف بين شارع في بكين أو كانتون وشارع في نيويورك أو باريس. حتى في هونج كونج هناك طقوس صينية يحترمها أهل القطاع.

***

كان هناك في جناح السيارات غرفة تبيت فيها السيارة الرولز رويس الحمراء الخاصة بالملك فاروق التي استأذنت وزارة الخارجية لتحصل عليها مع مفروشات ولوحات من مقتنيات قصر عابدين. اختيرت الغرفة الملاصقة لتكون مستودعا لواردات السفارة من هونج كونج. أطلقنا عليها هونج كونج الصغيرة. هناك كنت تجد جميع أنواع المعلبات وبخاصة علب حليب الأطفال المجفف. جانب آخر خصصناه للمشروبات الروحية وجانب ثالث للمستحضرات الطبية غير القابلة للتلف كاللاسبيرين والفيتامينات وجانب رابع لقطع غيار حيوية كالبطاريات والموصلات الكهربية. كنا نسحب ونحاسب في نهاية الشهر على جملة ما سحبنا. وعندما كان يعجز دكان السفارة الصغير عن الوفاء بمطالبنا كنا نلجأ عند الضرورة الشديدة لمستودع هونج كونج بالسفارة البريطانية، فهو الأكبر والمزود لكافة البعثات الدبلوماسية المعتمدة وعددها سبعة وعشرون على ما أذكر وأغلبها تمثل دولا في شرق أوروبا. اعترف أننا خالفنا التعليمات. كنا نتعاون مع سفارة المملكة المتحدة بالرغم من غياب علاقات دبلوماسية بين البلدين.

أذكر أننا كنا نلتقي في المناسبات في النادي الدبلوماسي الكائن بداخل المنطقة التي كانت تخضع لقواعد تحريم دخولها على الصينيين والكلاب في زمن الهيمنة الغربية وسيادة الرجل الأبيض. خلال المرات القليلة التي سمحت لنفسي وزوجتي بقضاء أمسية في هذا النادي لاحظت أن الحكومة الصينية كانت تفرض على الدبلوماسيين الأجانب الالتزام بأداء رقصة غربية معينة هي الفوكس تروت باعتبارها الأكثر حشمة والأقل التصاقا بين الراقصين. أما التويست والروك وغيرهما من الرقصات الذائعة في تلك الأيام فكانت ممنوعة، وأذكر أن سفارتنا تلقت في عهدي تنبيها باحتمال طرد أحد الموظفين العاملين بالسفارة من الصين لو تجاسر وأدى هذه الرقصات مرة أخرى مع موظفات أجانب أو صينيات.

***

كان يوم عيد يوم وصول شحنة هونج كونج. كانت إدارة الشحن بالخارجية تبلغنا بتحرك سيارة شحن من ميناء تينسين الأقرب إلى بكين أو من ميناء شنغهاي الأبعد، حاملا “ليفت فان” بعنوان سفارتنا. كأطفال في انتظار هدايا بابا نويل أو العيد كنا نجتمع عند مدخل مستودع هونج كونج في الساحة الخلفية للسفارة ومع كل عضو منا قائمة بما طلب من وكيلنا بهونج كونج. أذكر فرحتي برسالة أسبوعية تحمل اسمي وتحتوى على أهم المجلات الصادرة في الغرب والدراسات الحديثة عن الصين وآسيا بشكل عام. أذكر أيضا ابتهاج نزار قباني بوصول شحنة خراطيش سجاير من نوع لا يرضى بغيره بديلا. يبقي بالمخزن ما نطلبه جماعة من باب الاحتياط لتفادى أزمات طارئة تفتعلها وزارة الخارجية الصينية التي كثيرا ما كانت تغضب على الدبلوماسيين الأجانب فتعاقبنا بقطع إمدادات هونج كونج الدورية. في هذه الحالة لم يخجل أي منا من أن يبدي استعداده للسفر إلى هونج كونج لاستعجال شحنة تأخرت أو لمجرد الخروج من الصين، لا أذكر أحدا عرض السفر إلى موسكو وهناك وكيل يمكن أن يعوض عن غياب هونج كونج. لا مكان كان له سحر هونج كونج، حتى سنغافورة، وهذه ربما بسبب سمعة وقارها واتزان أهلها وانضباطهم.

***

غادرنا الصين من نفس الطريق التي دخلنا بها. دخلنا اثنين وغادرناها ثلاثة. قضينا في هونج كونج ليلتين على ما أذكر. بعد تسعة شهور من حمل معقد وخمسة شهور من علاقة منهكة بين طفل لا يهدأ وأم هالكة، أرادت أم سامر أن تحظى بإجازة لمدة يومين تجوب خلالها شوارع هونج كونج وتجرب في مطاعمها ما كان محرما علينا في بكين من أطباق محلية ذائعة الصيت. أظن أن إحدى حقائبنا خصصناها لكتب الطبخ، وبخاصة الكتب المتخصصة في المطابخ الصينية بخاصة والآسيوية عامة. على كل حال لم تتمكن من تحقيق أهدافها كاملة إذ رفض الرضيع سامر التعاون مع جليسة صينية من هونج كونج إلى حد أنها ذات يوم تركناها مع الرضيع راحت تبحث عنا في أنحاء المدينة مستعينة بالشرطة. رضيع لا يهدأ. هو نفسه كان فيما بعد طفلا لا يهدأ ثم صبيا لا يهدأ ومراهقا لا يهدأ وطبيبا لا يستقر. لم تنعم المسكينة أمه بسببه بالفرصة الأولى لها في هونج كونج وبسببه أيضا لم تنعم بالفرصة الثانية.

***

بعد أقل من خمسة عشر عاما من آخر رحلة لي في هونج كونج وفي آخر ليلة لنا في طوكيو اجتمعنا كعادتنا قبل العشاء في جناح الاستاذ بفندق امبريال وسط المدينة. كانت بشكل ما جلسة توديع وتقويم. وصلت رحلتنا إلى محطة النهاية. كان واضحا منذ اللحظة الأولى أننا راضون كل الرضا بما حققته بعثة مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام في رحلتها التبشيرية بالقارة الآسيوية. غدا نكون في هونج كونج ولكن بدون مهمة محددة. لن نحكي في السياسة في مدينة مؤجل مصيرها. أهلها مدركون هذه الحقيقة وفي بكين لم يخفوا عنا أنهم يستعدون لكافة الاحتمالات، ومنها أن تتردد بريطانيا فلا تنسحب. دعونا نمر على هونج كونج مر الكرام. نقضي فيها كما يقضي عامة السياح أوقات ظريفة وممتعة وبعيدة كل البعد عن السياسة.

لا أخفيكم أنني كنت سعيدا بهذا التوافق على قضاء إجازة في هونج كونج، أنا الذي اتيحت له فرصتان قبل ما يقارب خمسة عشر عام ولم يستفد بهما. الفرصة حانت من جديد. وعد من الجميع للجميع، دعونا نقضي وقتا حرا، كل منا يذهب لشئون تخصه ولو قضى الإجازة نائما. دعونا نعود إلى عائلاتنا سعداء غير منهكين، فالرحلة كانت بالفعل طويلة ومكلفة ولكن بكل المعايير مثمرة. حققت انجازا للصحافة العربية. قدمت نموذجا مشرفا وعادت بسجل يستدعي الفخر ليس فقط لمركز الدراسات أو للمؤسسة التي مولت الرحلة أو للدولة التي خرجت منها هكذا بعثة صحفية وبحثية ولكن أيضا لمهنة الصحافة.

***

في اليوم التالي كنا في هونج كونج ونفذنا ما اتفقنا عليه في طوكيو في جلسة ما قبل العشاء. كل منا اعتبر نفسه في جولة حرة بالمدينة الرائعة التي عاشت لتؤكد أن الحضارة ليست للون واحد من ألوان البشرة، إنما هي من صنع البشر لخدمة كل البشر. التقينا في طائرة العودة. تبادلنا الحكايات الظريفة. وكشف لي محمد سيد أحمد عن هديته التي اشتراها لنفسه، وقال هيكل بصوت خافت رأينا المستقبل وكيف ينحتونه نحتا. كانت الزيارة الأخيرة لمدينة أحبها ولم أشبع منها.


New Page 1