حتى لا نبقى مناضلين فايسبوكيين في زمن أشبه بالثمانينيات.. لنُحرر القضاء أولاً :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


حتى لا نبقى مناضلين فايسبوكيين في زمن أشبه بالثمانينيات.. لنُحرر القضاء أولاً

ناصر ياسين - موقع 180 ْ
20-07-2020
التهافت على شراء الشموع، أصوات المولدات الكهربائية الصادحة ليلاً، تخزين الطعام كالمعلبات والحبوب، الوقوف بالطوابير أمام الأفران، تصدُّر سعر الصرف أخبارنا اليومية... هذه الصور من صيف 2020، لكنها تأخذنا عبر الزمن الى ثمانينيات القرن الماضي. صورٌ لا نعود معها فقط الى نمط حياة لم يختبره جيل ما بعد الطائف، ولا نستعيد معها القلق من فقدان اساسيات الحياة وحسب، بل نعود معها أيضاً للممارسة السياسية العبثية والعقيمة نفسها لا بل إلى الإختلال عينه.

لنتذكر أن حقبة الثمانينيات كانت الأعنف والاسوأ على لبنان واللبنانيين، في سياق حرب أهلية إنطلقت في منتصف السبعينيات وإنتهت في الثالث عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 1990. مرحلة الثمانينيات ميّزها إجتياح جيش العدو الاسرائيلي للبنان وصولاً إلى بيروت، في حزيران/يونيو 1982 بهدف مربع الأضلاع: إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من لبنان، إخراج الجيش السوري من بيروت. إنهاء الحركة الوطنية اللبنانية، تنصيب نظام حليف. إختبر اللبنانيون في تلك السنوات حروباً داخلية ومجازر جماعية وتهجير مناطق بأكملها وإغتيالات ومعارك شوارع وانتفاضات، شهدنا حروب الجبل والشحار والضاحية وبيروت وإنتهينا بحربي تحرير والغاء وسيطرة الجيش السوري على معظم الاراضي اللبنانية، بتفويض إقليمي ودولي. سقط خلال هذا العقد من الزمن عشرات آلاف الضحايا والجرحى من لبنانيين وفلسطينيين، وهاجر عشرات الآلاف ودمرت مدن وبلدات، وانهار الاقتصاد وتفكك المجتمع وتقطعت أوصال البلد.

لم تكن مرحلة الثمانينيات ممهورة بالانهيار الامني والاقتصادي والاجتماعي والعمراني فحسب، بل كانت حقبة عقم وإنسداد المسارات المحلية السياسية وعجزها عن اجتراح حلول للأزمة اللبنانية، فكان أن إنتهت مؤتمرات جنيف ولوزان الى حائط مسدود ولم تنفع قبلها اجتماعات قصر بعبدا ولا بعدها خلوات بكفيا بوقف العنف ولا حوارات ميدان سباق الخيل اتت بنتيجة، وامتدت الازمة بشكل طاحن حتى السقوط الكلي في خاتمة ذلك العقد. ولم يأت الحل الا عبر تفاهمات دولية والتقاء مصالح دول اقليمية معنية بالشأن اللبناني آنذاك تحت رعاية دولية انتجت توافقاً واتفاقاً في الطائف الأول ومن ثم تفويضاً لسوريا “بإنهاء التمرد على الشرعية اللبنانية”.

لماذا استحضار تلك الحقبة الآن؟

أولاً، ثمة تشابه مع زماننا ومع ازماتنا الحالية، وان اختلف مُحيا التأزم الحاضر وبعض أسبابه.

ثانياً، ولعله ملفتٌ للإنتباه، استخدام الطبقة السياسية الحالية نفس ادوات عمل الثمانينيات ورموزها ومصطلحاتها. فنرى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ينفض الغبار عن جيش التحرير الشعبي التابع لحزبه لكن لمحاربة العدو الجديد القادم لتجويع الناس ومحاصرتهم، على حد قوله. ويخرج رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل متقمصاً دور حامي جماعته مصراً على حتمية معمل سلعاتا لتوليد الطاقة كجزء من “الامن الطاقوي” للمجتمع المسيحي، ويعمل مستشارو رئيس الحكومة حسان دياب على تصويره انه سليم الحص الثاني القادم من التخصص والأكاديميا لاغاثة الدولة المفككة، ويصور البعض رجل الاعمال بهاء الحريري كالمنقذ القادم من نجاحات اعماله في الخارج ليكرر تجربة والده في اعادة الاعمار والتعافي المالي، ويبادر السيد حسن نصرالله للقول “إذا ذهب البلد إلى الفوضى، يمكن أن يأتي وقت لا تستطيع الدولة اللبنانية أن تدفع فيه رواتب وينهار الجيش والقوى الأمنية وإدارات الدولة ويخرب البلد، لكن أنا أؤكد لكم أن المقاومة ستظل قادرة على دفع الرواتب”!

كل هذه الاستعارات والمقاربات التي تأتينا من قاموس و”عدة شغل” عقد الثمانينيات، ما هي الا دلالات على مدى تصحر العمل السياسي وغياب نية المنظومة الحاكمة في اطلاق مسار حقيقي للتغيير والاصلاح في لبنان. الأخطر من ذلك هو منطق التفتيت والتقوقع الذي عاش اللبنانيون أصعب فصوله في ثمانينيات القرن الماضي، حيث إنتهى ما يسمى الصراع “الإسلامي المسيحي” إلى صراعات درزية سنية وشيعية سنية وشيعية درزية وشيعية شيعية، ناهيك بصراع الموارنة المُدمر بين بعضهم البعض.

التهافت على شراء الشموع، أصوات المولدات الكهربائية الصادحة ليلاً، تخزين الطعام كالمعلبات والحبوب، الوقوف بالطوابير أمام الأفران، تصدُّر سعر الصرف أخبارنا اليومية... هذه الصور من صيف 2020، لكنها تأخذنا عبر الزمن الى ثمانينيات القرن الماضي. صورٌ لا نعود معها فقط الى نمط حياة لم يختبره جيل ما بعد الطائف، ولا نستعيد معها القلق من فقدان اساسيات الحياة وحسب، بل نعود معها أيضاً للممارسة السياسية العبثية والعقيمة نفسها لا بل إلى الإختلال عينه.

لنتذكر أن حقبة الثمانينيات كانت الأعنف والاسوأ على لبنان واللبنانيين، في سياق حرب أهلية إنطلقت في منتصف السبعينيات وإنتهت في الثالث عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 1990. مرحلة الثمانينيات ميّزها إجتياح جيش العدو الاسرائيلي للبنان وصولاً إلى بيروت، في حزيران/يونيو 1982 بهدف مربع الأضلاع: إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من لبنان، إخراج الجيش السوري من بيروت. إنهاء الحركة الوطنية اللبنانية، تنصيب نظام حليف. إختبر اللبنانيون في تلك السنوات حروباً داخلية ومجازر جماعية وتهجير مناطق بأكملها وإغتيالات ومعارك شوارع وانتفاضات، شهدنا حروب الجبل والشحار والضاحية وبيروت وإنتهينا بحربي تحرير والغاء وسيطرة الجيش السوري على معظم الاراضي اللبنانية، بتفويض إقليمي ودولي. سقط خلال هذا العقد من الزمن عشرات آلاف الضحايا والجرحى من لبنانيين وفلسطينيين، وهاجر عشرات الآلاف ودمرت مدن وبلدات، وانهار الاقتصاد وتفكك المجتمع وتقطعت أوصال البلد.

لم تكن مرحلة الثمانينيات ممهورة بالانهيار الامني والاقتصادي والاجتماعي والعمراني فحسب، بل كانت حقبة عقم وإنسداد المسارات المحلية السياسية وعجزها عن اجتراح حلول للأزمة اللبنانية، فكان أن إنتهت مؤتمرات جنيف ولوزان الى حائط مسدود ولم تنفع قبلها اجتماعات قصر بعبدا ولا بعدها خلوات بكفيا بوقف العنف ولا حوارات ميدان سباق الخيل اتت بنتيجة، وامتدت الازمة بشكل طاحن حتى السقوط الكلي في خاتمة ذلك العقد. ولم يأت الحل الا عبر تفاهمات دولية والتقاء مصالح دول اقليمية معنية بالشأن اللبناني آنذاك تحت رعاية دولية انتجت توافقاً واتفاقاً في الطائف الأول ومن ثم تفويضاً لسوريا “بإنهاء التمرد على الشرعية اللبنانية”.

لماذا استحضار تلك الحقبة الآن؟

أولاً، ثمة تشابه مع زماننا ومع ازماتنا الحالية، وان اختلف مُحيا التأزم الحاضر وبعض أسبابه.

ثانياً، ولعله ملفتٌ للإنتباه، استخدام الطبقة السياسية الحالية نفس ادوات عمل الثمانينيات ورموزها ومصطلحاتها. فنرى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ينفض الغبار عن جيش التحرير الشعبي التابع لحزبه لكن لمحاربة العدو الجديد القادم لتجويع الناس ومحاصرتهم، على حد قوله. ويخرج رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل متقمصاً دور حامي جماعته مصراً على حتمية معمل سلعاتا لتوليد الطاقة كجزء من “الامن الطاقوي” للمجتمع المسيحي، ويعمل مستشارو رئيس الحكومة حسان دياب على تصويره انه سليم الحص الثاني القادم من التخصص والأكاديميا لاغاثة الدولة المفككة، ويصور البعض رجل الاعمال بهاء الحريري كالمنقذ القادم من نجاحات اعماله في الخارج ليكرر تجربة والده في اعادة الاعمار والتعافي المالي، ويبادر السيد حسن نصرالله للقول “إذا ذهب البلد إلى الفوضى، يمكن أن يأتي وقت لا تستطيع الدولة اللبنانية أن تدفع فيه رواتب وينهار الجيش والقوى الأمنية وإدارات الدولة ويخرب البلد، لكن أنا أؤكد لكم أن المقاومة ستظل قادرة على دفع الرواتب”!

كل هذه الاستعارات والمقاربات التي تأتينا من قاموس و”عدة شغل” عقد الثمانينيات، ما هي الا دلالات على مدى تصحر العمل السياسي وغياب نية المنظومة الحاكمة في اطلاق مسار حقيقي للتغيير والاصلاح في لبنان. الأخطر من ذلك هو منطق التفتيت والتقوقع الذي عاش اللبنانيون أصعب فصوله في ثمانينيات القرن الماضي، حيث إنتهى ما يسمى الصراع “الإسلامي المسيحي” إلى صراعات درزية سنية وشيعية سنية وشيعية درزية وشيعية شيعية، ناهيك بصراع الموارنة المُدمر بين بعضهم البعض.


New Page 1