اليسار .... والتربية على السياسة :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


اليسار .... والتربية على السياسة

فارس اشتي / النهار
30-07-2020
أقصد، بتبسيط غير مخل ، بالسياسة الصراع على الإمرة في الجماعة، وهوصراع مرافق لبدء تكون الإجتماع الإنساني (قبيلة فدولة – مدينة، وامبراطورية) وأتخذ في العصر الحديث شكل الصراع على السلطة في دولة ذات سيادة يحكمها القانون، ولم تلغِ التطورات التكنولوجية والإقتصادية المعاصرة هذه الطبيعة للدولة، وانْ حدت منها.

والصراع على الإمرة هو صراع في اللحظة الراهنة وعليها، أياً كان المحمول الخطابي للمتصارعين، سواء باستعادة تاريخ مضى أو بتصور تاريخ سيأتي أو بإنعماس ببرنامج راهن.

وأقصد باليسار، بتبسيط غير مخلٍ، أيضا، القوى الراغبة والعاملة للوصول الى الإمرة/السلطة في الجماعة/ الدولة وتفترض الرغبة بالوصول والعمل للوصول أنها خارج السلطة، ومعارضة، حكماً، للقيمين عليه، أي كان الدافع والخطاب والمصلحة، واتجاوز بهذا التحديد مصادرة الشيوعيين له، رغم أنّهم عماده، ليشمل كل المعارضين للسلطة القائمة .

وقوى اليسار تتنوع تبعا للمصلحة التي تبتغي وللهدف التي تعمل ولدرجة التباين مع القيمين على السلطة وللأساليب والوسائل التي تستخدم، وللعمر الذي فيه، وبذا تشمل مروحة واسعة من القوى.

والسؤال الذي يتصدى المقال للإجابة عنه: كيف تتعامل القوى اليسارية مع السياسة، كصراع على السلطة، والمثل اليسار في لبنان على ضوء الحراك منذ 17 تشرين الأول 2019حتى اليوم، وسنقاربها تبعا لموقعها في الصراع على السلطة ومواقفها منه. وهي هنا في مواجهة قوى أخرى في السلطة.

وقوى "السلطة" في لبنان عشية إنطلاق الحراك في 17 تشرين الأول 2019 مكونة من كل القوى السياسية ذات التمثيل الطائفي المتفقة على توزيع المغانم والمختلفة على الحصص فيها وعلى وقع خلافات مرجعياتها، وقد كشف الحراك أزمة البلد الاقتصادية المتأتية من سياساتهم وإرتباطاتهم وعجزهم عن تأمين حلول لها، فاستقال فريق منها وشكلت حكومة بالفريق الآخر، وإندرج الفريق المستقيل في معارضة للحكومة، أو بالأحرى معارضة لداعميها، إذ بقي وجوده فاعلاً في مجلس النواب وإدارات الدولة ومؤسساتها، بحيث يجوز، تجاوزا، إدراجها في خانة المعارضة، ويجوز، أيضاً، إستمرار إعتبارها في السلطة.

وقد تمكنت الحكومة من وضع خطة لمواجهة الأزمة الاقتصادية ويفترض المنطق تبني القوى الداعمة للحكومة لها، إلا أنّ مجريات مع بعد إعلانها وتصدي جمعية المصارف، وما تمثل سياسياً، لها جعل داعمي الحكومة ومعارضيها في موقع المعارض لها، فعلياً.

وهكذا لم تغادرقوى الأعتراض التي خرجت أو أُخرٍجت من الحكومة، واستمرت على تمثيلها الوازن في مجلس النواب وفي الإدارات وفي تمثيلها الطائفي، موقعها الفاعل في الحكم والمتناغم مع القوى الحاكمة، رسمياً، في مواجهة، أو بالأحرى عدم مواجهة الأزمة. فقد إستغلت عمومية شعارات الحراك وغياب البرنامج لترفع راياتها فيها واشتغلت على جبهة التنابذ مع القوى الحاكمة الأخرى حول حكومة حسان دياب. لكنها تناغمت مع من بقي من نظائرها في الحكومة في حصر التنافس بينهما على اسباب الأزمة من جهة والتساند في التهرب من تحمل أعبائها من جهة ثانية، وذلك بـ:

- التنابذ في اسباب الأزمة بإتهام كل فريق الفريق الآخر بفساده سبباً لها من جهة وإتهام كل منهما حليف خصمه الخارجي بتسعيرها.

- تأجيج الطائفية، خطاباً وممارسة، وتصدر مواجهة ذيولها، لا ذيول الأزمة الاقتصادية، وفي هذا زيح مشترك عن المواجهة وعن تحمل المسؤولية.

- التعاون الوثيق لتحميل نتائج الأزمة للناس كافة دون قواهما وتجلى ذلك بالإتفاق على خطة الحكومة التي حملت الناس والمصارف والمصرف المركزي والقوى الحاكمة عبء الأزمة، وذلك بتوافقهم على تحكيم لجنة الموازنة بتوحيد الأرقام التي آل عملها الى تحميل الناس فقط عبء الأزمة.

- إلهاء قوى اليسار والناس، بما فيها جماهير هذه القوى الطائفية، بمعارك وهمية، تخدم اكثر من هدف لها، إنْ بسحب الودائع أو بسعر صرف الدولار أو بإعتقال المتظاهرين، أو بالغلاء، حتى وصلت الى الرغيف، وهي، رغم واقعيتها وقسوتها، مقصودة لتغييب الناس والمعارضة الأخرى عن لب الأزمة.

أما قوى اليسار المفترض مواجهتها للقوى الحاكمة والمتحكمة بالسلطة، فيمكن إدراجها ضمن التصنيف الآتي، وفي كل تصنيف بعض تعسف:

1- هيئات الإعتراض المدني، المتداول اسمها، خطأ، هيئات المجتمع المدني، وبعضها يعود قيامها لمرحلة سابقة وبعضها إستُنبِت إبان الحراك، وهي هيئات سياسية ومعارضة لمجرد رفضها الوضع السياسي القائم، وقد رفعت شعارات تغيير النظام، على تفاوت في الوجهة، ويصلح ما رُفع أنْ يكون غاية تصبو اليها، لا هدفاً تسعى اليه، ويمكن وصفه بفشة خلق اتجاه تردي الوضع، إنْ بالفساد المستشري أو بالطائفية المستشرسة أو بضعف وحدانية السلطة.

ولايشكّل الشعار المرفوع شعاراً لبرنامج تسعى هذه الهيئات، عبره، للدخول في حلبة الصراع على السلطة ومع القيمين عليها، وبخاصة أنها لم تطرح برنامجاً أو تصوراً لمواجهة الأزمة الراهنة التي كان إنطلاق الحراك بسببها، وهي الأزمة الإقتصادية، رغم الصحة في تحميل كل القوى الحاكمة والمتحكمة وزر الأزمة، بالفساد والهدر والطائفية، كما لم تتجاوز التموضع المتراصف في الساحات نحو تنسيق يحوّل التموضع الى قوة فاعلة وراشدة في المواجهة.

2- هيئات الإعتراض المهني، وهي هيئات غير سياسية، بالتكوين، وبعضها قديم وبعضها الآخر مستحدث، وقد ساهمت في الاعتراض السياسي من موقعها المهني، وحملت، عبره، همّ بعض قادتها السياسي، وهي، بهذا ضمن طبيعتها، إلّا أنها لم تصغ المشترك فيما بينها في برنامج محدد ولم تستنهض النقابات المهنية المدجنة من مرحلة سابقة والمكتفية ببيان/ موقف عام وندبي من الأزمة.

3- الأحزاب السياسية العريقة في وجودها والمقيمة، دائماً، خارج السلطة، دون قطع مع قواها، وقد كانت في صلب الحراك الإعتراضي الذي أحيا طموحها وأنعش شبابها، وقد انساقت بالشعارات السائدة، واكتفت من متطلبات اعداد برنامج لمواجهة الأزمة بتذكير بخطاب عريق يحمّل النظام الطائفي والرأسمالي تبعات ما وصل اليه البلد، وإستعاضت عن ذلك ببرنامج لتغيير النظام، كما أكتفت بالتنيسق "مع من يشبهنا". وهذه القوى المعارضة التي يفترض أنّها غير ذي مصلحة بالهروب من مواجهة الأزمة ويفترض غياب مصلحتها في هذا الهروب، وهي التي تُجْمع، خطاباً، بتحميل هذه القوى بتوجيهها مسؤولية الأزمة، فقد انجرت، بقصد أو بدون قصد، الى لعبة من تفترض أنهم خصمها عبر:

- غياب أو تغييب برنامج مواجه للأزمة الإقتصادية بعدم طرح برنامج وبعدم تحديد رأي وموقف من برنامجين طرحا: برنامج الحكومة الذي أقر بلحظة "تخلٍ" وبجهود جديين في الحكومة وبرنامج جمعية المصارف.

- الإنجرار في تكتيكات القوى المتحكمة، بقريقيها، في إفتعال المواجهات الفرعية.

- غياب التنسيق بين هذه القوى، لا بل ترفع الفيتوات ضد بعضها البعض، بدلا من زيادة التنسيق وتوسيع دائرة المنضوين اليه من قوى سياسية تقليدية مهمشة ومن مجموعات ضمن عباءة القوى الطائفية متضررة مما آلت اليه البلد.

ويقود هذا التحليل الى القول بأنّ القوى الطائفية هي القوى السياسية في البلد، سواء حكمت أو عارضت، في حين أنّ قوى المعارضة الأخرى لم تزل في مرحلة الهواية أو الأسر؛ الأمر الذي يستدعي من هذه القوى التي يعول الناس، كافة، عليها للخروج من تداعي الأزمة التي تتفاقم معاناتهم منها. ويتطلب ذلك منها العودة الى السياسة، أو بالأحرى التربية على السياسة، بالخروج من فشة الخلق ومن الشعار العائم ومن الخطاب الإيدولوجي الى رحاب السياسة ومتطلباتها.

فالسياسة والعمل السياسي قوامه:

1- وعي لميزان القوى في اللحظة الراهنة، ووعي قوة اليسار بينها.

2- تحديد الهدف من المشاركة في الصراع، رغم تفاوت الغايات بين المشاركين، وشروط التحديد أن يكون يلبي حاجات المرحلة الراهنة، لا التاريخية، وأنْ يكون ممكن التحقق وأنْ يتيح إنخراط القوى ذات المصلحة والخارجة عن الإنخراط.

3- إقامة تحالف واسع بين ذوي المصلحة في تحقيق الهدف.

4- وجود قيادة لهذا التحالف.

وأقدر الهدف في هذه المرحلة مواجهة الأزمة الاقتصادية التي لا تتعارض مع خلفيات وغايات كل مكونات المعارضة ويلقى قبولا وحماساً من الغالبية الساحقة من اللبنانيين ويتيح، بجهد واعٍ وبسيط إشراك قوى مجتمعية محيّدة، نقابات وجمعيات وروابط وشخصيات.

كما أقدر أنْ قوة قوى المعارضة ضعيفة، رغم نبرتها العالية، وقد زاد ضعفها ، رغم إفتراض العكس، مع إزدياد حدة الأزمة، وذلك بفعل عدم تمكنها من تحديد هدف مشترك وإقامة تحالف على أساسه وبفعل إنغماسها في مواجهات جزئية ارادت القوى الحاكمة والمتحكمة جرها اليها. كما أقدر هاجس الخصوصية المتحكم بالقوى الناشئة، وهذا طبيعي، وأقدر هاجس التمسك بالمبادئ المتحكم بالأحزاب العريقة، وأقدر الحساسية بين القدامى والجدد وبين كل مكون منهما، الإ أنّ التحالف لا يلغي كل ذلك، وهناك صيغ تحفظه، لا بل يعزز الإلحاح في المواجهة والنجاح فيها كل مكون من مكوناتها. كما أقدر قيمتين مضافتين لضرورة القيادة التي يفترضها أي صراع: العمل على توسيع دائرة المشاركين، تحول التذمر والإحباط عند الناس الى أمل بالنجاح. وعليه يمكن القول والدعوة الى ممارسة اليسار السياسة والدخول، بمتطلباتها وشروطها، في مواجهة الأزمة الأقتصادية بالتواضع في تحديد الهدف المرحلي وفي أقامة أوسع تحالف يفك أسر اللبنانيين من الفاقة والبطالة.


New Page 1