اذا اردتم وطنا أسقطوا النظام الطائفي. :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


اذا اردتم وطنا أسقطوا النظام الطائفي.

وجهة نظر: وفيق الهواري
30-08-2020
ايام قليلة تفصلنا عن الأول من أيلول 2020، الذي يصادف الذكرى المئوية الأولى لإنشاء الكيان اللبناني. وبدلا من ان يتحول هذا الكيان إلى وطن يضم شعبا موحدا له هوية وطنية موحدة، فإذا به يعيش حالة خطر قد تؤدي به إلى انهيار كامل. السلطات إلى تحلل، الكيان يتجه أكثر الى مناطق تتصارع وتتنازع، وكل منطقة يسيطر عليها قوي من أقوياء الطوائف.


بعد الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2018، بدأ الانهيار بالتسارع. شمل الانهيار كل الميادين. في الميدان الاقتصادي، الميدان المالي. الميدان الاجتماعي والميدان الثقافي. النزاع بين أقوياء الطوائف تطور وكل منهم يحاول الهيمنة على البلد، منفردا أو متحالفا مع آخرين.
الانتفاضة في 17 تشرين الأول ساهمت في إقالة حكومة الحريري لكنها لم تكن الفاعل الأساس. الخلافات على آلية الامساك بالبلد كانت السبب في الاستقالة.


مساء الاثنين 31 آب 2020 يصل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى بيروت ويحاول صباح الأول من ايلول 2020 إيجاد تسوية جديدة بين المكونات الطائفية. يطالب باصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية لتشكل قاعدة لإعادة انطلاق البلد في ظل ذات النظام السياسي الطائفي الذي كرسه الانتداب الفرنسي نفسه.

الكيان اللبناني بحدود الحالية، الذي أعلنه المندوب السامي الفرنسي الجنرال غورو في الأول من أيلول 1920 كان استجابة لمصلحتين، المصلحة الاولى: مصالح الدول الغربية التي ورثت السلطنة العثمانية.
والمصلحة الثانية: مصلحة استمرار النظام السياسي الطائفي.


انشاء الكيان اللبناني لم يكن استجابة لحركة شعبية لبنانية موحدة طالبت بإنشاء كيان خاص بها، ليضم شعبا موحدا. بل كان مساحة جغرافية تعيش عليها مجموعات بشرية مختلفة لا تملك تاريخا واحدا ولا ثقافة مشتركة.

لنعود قليلا إلى الوراء، بعد زوال الإمارة الشهابية في جبل لبنان، وبعد الرعاية الاوروبية للإمارة منذ أيام الأمير فخر الدين المعني، والتي هدفت لان تكون المنطقة موطئ قدم لها ، توصل الأوروبيون، وبالتفاهم مع السلطنة العثمانية، إلى الترتيبات التي سميت باسم ترتيبات شكيب افندي عام 1843، والتي عرفت المقيمين في جبل لبنان بالمجموعات الطائفية، يعني كرست الانتماء الطائفي لكل مجموعة ليكون الكيان السياسي لكل منها، ومنه تنهل هويتها. أي أن الطرفين لم يعترفا بأن المقيمين هم مواطنون وفق المفهوم الأوروبي، ولا بصفتهم رعايا السلطنة العثمانية. وبالتالي نشأ نظام القاءمتين، المسيحية والدرزية، وبالتالي فإن العنصر الطائفي هو الأساس في تكوين الهوية.


الحرب الأهلية بين الدروز والمسيحيين عام 1860 إنهت هذه النسخة من النظام الطائفي، لتحل مكانها نسخة نظام المتصرفية والذي يفرض حاكما على جبل لبنان يكون من رعايا السلطنة العثمانية شرط أن يكون من ذوي المعتقد المسيحي. أنه نسخة جديدة من النظام الطائفي الذي يمنع نشوء شعب واحد.
نظام المتصرفية انتهى بانتهاء الحرب العالمية الأولى. في تلك اللحظة كان الزعماء الموارنة يريدون كيانا مسيحيا في جبل لبنان ليكتسب هوية مسيحية، لكن لبريطانيا وفرنسا رؤية اخرى تعبر عن مصالحهما في المنطقة. جرى تقسيم المنطقة إلى كيانات مختلفة وقد اخذت بعين الاعتبار مصالح كل منهما في الثروات الطبيعية واستندت إلى البنى الاجتماعية المتخلفة حينها.
اما الكيان اللبناني فتشكل من المركز (جبل لبنان) يضاف إليه الاقضية الاربعة. المجموعات المقيمة في كل المناطق رفضت الكيان الجديد، لكن فرنسا اصرت على عملية الضم لإنشاء هذا الكيان ليكون همزة الوصل بين الغرب والشرق. وفي سبيل ذلك لا بد من إنشاء هذا الكيان، مع إعطاء الطرف المسيحي امتيازات تسمح له بالهيمنة على الكيان شرط السماح بمشاركة قليلة للطرف الإسلامي.

في ثلاثينيات القرن الماضي أعاد الانتداب الفرنسي بناء النظام الطائفي وفق آلية تمنع بناء نظام المواطنة وأن الفرد يجد نفسه في الطائفة او العشيرة أو العائلة.

في الفترة ما بين الاستقلال عام 1943 والحرب الأهلية عام 1975، جرت محاولات لايجاد مساحات مشتركة بين اللبنانيين، وبناء مؤسسات الدولة تحاول أن تساوي بين اللبنانيين. لكن المساحات المشتركة دمرت ومؤسسات الدولة انهارت. ومحاولات التغيير والإصلاح السياسي باءت بالفشل. وبدلا من رفع شعار إسقاط النظام الطائفي شرطا لبناء دولة المواطنة، جرى رفع شعار إلغاء الامتيازات المارونية وهذا ما سمح للإسلام السياسي ومن خلال حروب اهلية متواصلة منذ عام 1976, أي بعد هزيمة محاولة الاصلاح، أن يستبدل الهيمنة المارونية بهيمنة إسلامية بعد اتفاق الطائف والذي فتح الباب أمام نظام المحاصصة الطائفية، أنه نسخةجديدة من النظام الطائفي.
النسخة الجديدة من النظام انهت كل ما تبقى من مؤسسات موحدة في البلد. أوقفت التوظيف حسب الكفاءة واستبدلته بالتوظيف حسب رغبة الزعيم. الأجهزة الأمنية توزعت على المكونات الطائفية. القضاء صار اسير السياسيين وخصوصا بعد جريمة قتل القضاة في صيدا.

البلد يسير نحو الانهيار وكل زعيم أو طرف يمسك بمنطقته، الأمثلة فاقعة: حادثة قبرشمول وسقوط قتيلين واقفال الملف.
حادثة منع باص الانتفاضة من الوصول الى الجنوب. منع حسان دياب وحمد حسن من زيارة صيدا.
إنها مؤشر للاتجاه الذي يتجه إليه البلد.

الكيان سيبقى بحدود الحالية. لكنه سيتحول إلى مناطق متفرقة كل منها تحت سلطة طرف طائفي أو زعيم مناطقي والمؤسسات الموجودة في كل منطقة ستكون تحت سلطة الزعيم. إنها الفوضى الخلاقة التي تحدثوا عنها ونظامنا الطائفي خير مساعد لذلك.
في هذا النظام الحالي يحاول المكون المسيحي استعادة الامتيازات السابقة وهو يجهل أن ذلك يستدعي حربا أهلية ليس بمقدوره القيام بها. والنزاع بين المكون السني والمكون الشيعي على أشده. وفي هذه اللحظة يحاول أحد طرفي الثنائي الشيعي الاصرار على التحالف مع المكون السني ليضمن هيمنته على نظام المحاصصة، فيما الطرف الشيعي الآخر يحاول توازن الصلة مع المكون السني والمكون المسيحي حفاظا على خياراته الإقليمية. اما المكون السني وبعد تخلخل مواقعه يحاول الاستفادة من الخارج لاستعادة ما خسرها في الفترة السابقة.


حتى لو توصلت المكونات الطائفية إلى تسوية جديدة بضغط من الخارج، لكنها لن تستطيع أن تحل مشكلات المواطنين.
أن ماكرون يسعى لإصلاح نظام كانت دولته فرنسا ساهمت في اقامته عام 1843 وجددته خلال الانتداب. واليوم يحاول إصلاح ما بنته ايدي اسلافه، وكأنه لا يعي أن ما يعيشه البلد ليس أزمة عادية أو فساد طارئ، بل هو أزمة نظام طائفي لم يعد لديه حلول لازماته المتلاحقة، وأصحابه مستعدون للتضحية بالكيان الموحد من أجل أن يبقى النظام الطائفي.


منذ عام 1843 وحتى عام 2020 تبدلت حدود الكيان ومساحته، لكن النظام الطائفي بقي بنسخ مختلفة. ومن يريد مصلحة الكيان وبناء شعب واحد وصولا إلى بناء وطن لكل مواطنيه، ومن يعلن عن خوفه من اختفاء لبنان، الحل الفعلي وحيد والمدخل اليه وحيد، وهو تغيير النظام الطائفي، وعدا ذلك ترقيع لا يحمي جسد الوطن.


New Page 1