اتفاق أبراهام وسقوط الأوليغارشية النفطية :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


اتفاق أبراهام وسقوط الأوليغارشية النفطية

مجلّة الآداب
09-09-2020
Print Friendly, PDF & Email
اتفاق أبراهام وسقوط الأوليغارشية النفطية

حيدر عيد
08.09.20
الملفات


صودف توقيعُ الاتفاق الإماراتيّ-الإسرائيليّ مع قرارٍ صهيونيّ بتضييق الخناق على قطاع غزّة. فقد قامت قوّاتُ الاحتلال بإغلاق مَعْبر كرم أبو سالم، الذي تمرّ من خلاله البضائعُ الأساسيّةُ، من حليبٍ ودواءٍ وغذاءٍ وملابسَ وغيرِها. بل أغلقت المعابر الستّة التي تفصل القطاعَ عن مناطق فلسطين 48. وأوقِف توريدُ المحروقات الضروريّة لتشغيل محطّةِ الكهرباء الوحيدة، التي لا تغطّي أساسًا حاجةَ القطاع. ومُنع الصيّادون من الصيد. وهذا، كلُّه، ينسجم مع تقريرٍ سابقٍ للأمم المتحدة كان قد توقّع أن يصبحَ القطاعُ غيرَ قابلٍ للحياة بحلول هذا العام.[1]وهو، كلُّه أيضًا، جزءٌ يسيرٌ ممّا يتعرّض له مليونا مواطنٍ غزّيّ يرقدون في قاع أولويّات السياسات العربيّة والفلسطينيّة. وقد تكون شيطنةُ الغزّيّ عربيًّا، وإلى حدٍّ ما فلسطينيًّا، من أهمّ "إنجازات" ماكينة الهسبراة (أو الدعاية) الصهيونيّة في العقديْن الأخيريْن.

إلّا أنّ الاتفاقَ المذكورَ يأتي، أيضًا، تطبيقًا عمليًّا لـ"صفقة ترامب" التصفويّة التي بُدئ بتنفيذها حتى قبل الإعلان عنها: بدءًا من نقل السفارة الأمريكيّة من تل أبيب إلى القدس بعد الاعتراف بالأخيرة عاصمةً لدولة "إسرائيل،" مرورًا بقطع التمويل الأمريكيّ عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم (الأونروا) بهدف القضاء على حقّ هؤلاء في العودة إلى بلداتهم التي طُهِّروا منها عِرقيًّا عام 1948، إلى الاعتراف الأميركيّ بالسيادة الإسرائيليّة على الجولان، وصولًا إلى القرار الإسرائيليّ بضمِّ ما يعادل 30% من أراضي الضفّة الغربيّة المحتلّة عام 67 إلى الكيان الإسرائيليّ المقام على حدود فلسطين المحتلّة عام 48.

غير أنّ جوهر "الصفقة" يعتمد أساسًا على التطبيع العربيّ مع دولة الاحتلال، أي القبولِ بسياساتها التي تنفي وجودَ الشعب الفلسطينيّ نفيًا كاملًا. وهذه معركة من معارك الوعي.

وصودف، في السياق نفسه، قيامي بالتحضير لتدريس رواية الكاتب البريطانيّ الباكستانيّ محسن حامد (الأصوليّ المتردّد) عن نوعيْن من المسلمين: المُقِرّ بـ"الجميل" والناكرِِ له. فهناك العمّ طوم، "المسلمُ الطيّبُ،" الساعي إلى إرضاء السيّد الأمريكيّ الأبيض وإرضاءِ مَن يدعمونه. وهؤلاء يسمّيهم النوعُ الثاني من أبناء جِلدتهم "خونةً،" بالضبط كالمطبِّعين العرب. فهم ليسوا مطبِّعين بالفطرة، إلّا أنّ أعراض "متلازمة التطبيع" (إذا صحّ التعبير) تبدأ بالظهور عليهم، وإنْ عارضوا وصفَهم بأنّهم مطبِّعون مع القمع والفصل العنصريّ والاستعمار.

وهذا ما يلاحَظ في شخصيّة الرئيس المصريّ الراحل، أنور السادات. يقوم محمد حسنين هيكل، في خريف الغضب، بتحليل سيكولوجيّ-اجتماعيّ دقيق لشخصيّته، وكيف أسهم ذلك في تشكيل عقدةٍ دونيّةٍ مستعصية أدّت في النهاية إلى ما يسمّيه السادات "كسْرَ الحاجز النفسيّ مع إسرائيل" - - وكأنّ عدمَ قبولنا بسياساتها الاستعماريّة والعنصريّة نابعٌ من إشكاليّاتٍ سيكولوجيّة، لا ناتجٌ من الإيديولوجيا الصهيونيّة العرقيّة الدينيّة التي تقْصي "الآخرين،" بمن فيهم "العربُ الطيِّبون" أنفسُهم! فما يهمّ الإسرائيليَّ الصهيونيَّ هو التفوّقُ اليهوديُّ الأبيض.

بيْد أنّ قائمةَ التطبيعيّين تشمل أيضًا التيّارَ السياسيَّ التطبيعيّ الذي برز إلى الواجهة في العالم العربيّ بعد توقيع السادات اتفاقيّاتِ كامب ديفيد. فلقد استطاعت "إسرائيل" تشريدَ الشعب الفلسطينيّ وتطهيرَه عرقيًّا، ولم تجد صعوبةً في العثور على بعض العرب "المتحضّرين،" "الإنكشاريّين،" "عبيدِ المنزل،" ممّن يتفهّمون ويبرِّرون دورَها ويروِّجون صورتَها كدولةٍ غربيّةٍ "حداثيّةٍ" محاطةٍ بعربٍ متوحّشين.

باختصار: نحن أمام عمليّة إحياءٍ لسعد حدّاد وأنطوان لحد، قائدَيْ جيش عملاء "إسرائيل" في جنوب لبنان.

***

لا شكّ في أنّ ما قام به أمراءُ مشيخة إحدى "مدن الملح" يتخطّى تعريفَ التطبيع المتعارَفَ عليه. فما ارتكبوه ليس إقرارًا بحقّ كيان استعمارٍ استيطانيّ في تشريد سكّان فلسطين التاريخيّة وممارسة سياسة الأبارثهيد ضدّهم، فحسب، بل هو أيضًا مساهمةٌ مباشرةٌ في تصفية القضيّة برمّتها من خلال القبول بسياسة أكثرِ حكومات "إسرائيل" فاشيّةً.





ما قام به أمراءُ الإمارات يتخطّى تعريفَ التطبيع ليكون مساهمةً مباشرةً في تصفية القضيّة برمّتها!



المعروف أنّ حركة المقاطعة العالميّة (BDS) تحذِّر من أيّ لقاءاتٍ أو مشاريعَ تشجِّع على خلق الانطباع بأنّ هناك مساواةً في تحمّل مسؤوليّة "العنف" المرتكب من "الطرفيْن." كما أنّها دانت أيَّ مبادراتٍ مزيَّفةٍ تساوي في تحمّل المسؤوليّة بين المستعمِر والمستعمَر، أو بين المضطهِد والمضطهَد؛ ذلك لأنّ هذه المبادرات تشجِّع الحوارَ أو المصالحةَ بين "الطرفيْن" من دون أن تُقِرّ باللاعدالة وعدم تكافؤ القوى، ومن ثمّ فإنّها تَخدم التطبيعَ مع الاضطهاد والظلم. ولكنّ هذه المبادرات المدانةَ، نفسَها، لا تنطبق على الاتفاق المذكور: فطغاةُ الإمارات لا يُقرّون بالحقّ الفلسطينيّ، وإنّما يقرّون فقط بـ"الحقّ" الإسرائيليّ... بل بهذا "الحقّ" في ضمِّ ما تبقّى من الضفّة المحتلّة، وبما يخالف القانونَ الدوليَّ ذاتَه!

التطبيع في حالة الاتفاق مع الإمارات انتقل من "تطبيعٍ مقابلَ الأرض" (وإنْ منقوصة السيادة) إلى "تطبيعٍ مقابل السلام" (الزائف)، ثم إلى "تطبيعٍ مقابلَ تجميد الضم" (موقّتًا)... مع استمرار الكيان الصهيونيّ بسرقة الأرض. وقد حدث ذلك أيضًا بعد أن موّلتْ سلطةُ الإمارات ودعمتْ قوى الثورة المضادّة في العالم العربيّ عقب الموجة الثوريّة الأولى المطالبة بالحريّة والكرامة والعدالة.

باختصار، ما فعله نظامُ الإمارات هو شرعنةٌ "عربيّةٌ" لسياسة الاضطهاد المركّب (احتلال وأبارثهيد) التي تمارسها "إسرائيل" ضدّ سكّان الأرض الأصلانيّين في فلسطين. وبذلك تصبح الطغمةُ الحاكمةُ في مشيخة الإمارات في الصفّ المعادي لتطلّعات الشعب الفلسطينيّ ولنضالِه ضدّ الاستعمار الاستيطانيّ الإسرائيليّ، أملًا في أن يجري اعتمادُها لا كسنغافورة "مجلس التعاون" المهترئ بل كإسرائيلِه، أيْ كشرطيِّ منطقةِ الخليج بشكلٍ خاصّ، والعالمِ العربيِّ بشكلٍ عامّ.

***

يحقّ لنتانياهو في خطاب النصر، بعد المكالمة الهاتفيّة مع دونالد ترامب ومحمّد بن زايد، أن يذكِّر بأنّه "جرى تصويرُ إسرائيل، طوال عقود، كدولة عدوّ وجزيرة، وذلك لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. ولكنْ اليوم هناك دولٌ كثيرةٌ ترى فيها حليفةً استراتيجيّةً من أجل الأمن والتقدّم والسلام." كما أكّد أنّ "هناك المزيدَ من الدول العربيّة والإسلاميّة على الطريق."[2]

وفي السياق نفسه، شبّه نتنياهو الاتفاقَ مع الإمارات باتفاقيّة كامب ديفيد مع مصر عام 1979، وباتفاق أوسلو مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة سنة 1993، وباتفاق وادي عربة عام 1994.

ربطُ هذه الاتفاقيات التطبيعيّة بالاتفاق الإماراتيّ أثار حفيظةَ بعض الموقِّعين عليها، وحجّتُهم أنّ الإمارات ليست في حالة حربٍ مع "إسرائيل"! لكنّ المثيرَ للاستغراب، في هذا السياق، هو حدّةُ اللغة التي استخدمتْها أنظمةُ التطبيع السابقة في التنديد بالاتفاقيّة الجديدة، متناسيةً أنّه لولا كامب ديفيد لَما كانت أوسلو ولا وادي عربة، و لولا هاتان الأخيرتان لما كانت صفقةُ القرن ولا اتفاقُ أبراهام! الفرْق يكمن في ما قاله نتانياهو: "ستحصل إسرائيل على نسبة 30 في المائة من الضفّة الغربيّة - عشرة أضعاف ما كانت عليه في الخطط الأخرى - من دون إخلاء أيّ مستوطنة..."[3]

من الواضح أنّ القضيّة الفلسطينيّة أصبحتْ عبئًا لا يستطيع النظامُ الرسميُّ العربيُّ تحمّلَه. ولكنّ ما يحصل الآن هو مشاركةُ هذا النظام في منع المواطن الفلسطينيّ من حقّ الحماية الذي يكفله له القانونُ الدّوليُّ ذاتُه، وذلك مقابل جعل "إسرائيل" حليفًا في مواجهة "الخطر الشيعيّ،" وفي مواجهة تطلّعاتِ الشعب العربيّ والموجةِ الأولى من الربيع العربيّ المطالبةِ بالديمقراطيّة والعدالة. ولا شكّ في أنّ هذا مدعاةٌ للتساؤل النقديّ الخلاّق عن مفهوم "العروبة" ومفهوم "التضامن العربيّ،" وكيفيّة الخروج من مأزق احتكار النظام الرسميّ العربيّ لهما.

***

يأتي الاتفاقُ الخيانيّ في وقتٍ يُبْدي فيه المجتمعُ الدوليّ المدنيّ استجابةً واسعةً لنداء حركة المقاطعة العالميّة (BDS) وللمعايير التي أقرّتها القيادةُ الفلسطينيّةُ لهذه الحركة. وليس من المستجِدّ القولُ إنّ النجاحات المتلاحقة الأخيرة للحركة قد جعلت القياداتِ الإسرائيليّةَ تدقّ ناقوسَ الخطر خوفًا من أن يصيبَها مصيرُ نظام الأبرثهايد العنصريّ الأبيض في جنوب أفريقيا. وما الاتفاقُ الأخير إلّا محاولةُ إنقاذٍ للنظام العنصريّ الصهيونيّ.

والحقيقة أنّ أهمّيّةَ حركة المقاطعة في هذه الأوقات الحرجة تكمن في أنّها رأسُ الحربة التي تتصدّى للمشروع الأمريكيّ، الهادفِ إلى فرض التطبيع العربيّ الكامل مع "إسرائيل" مقابلَ تصفية القضيّة الفلسطينيّة. لذلك تشعر "إسرائيل" هذه الأيام، مع تسابق بعض "العرب" إلى التطبيع معها، بسعادةٍ بالغةٍ بعد فشلها الذريع في التصدّي للمدّ الهائل للمقاطعة عالميًّا. وها هي تستنجد بدولة الإمارات لغزو العالم العربيّ وتحقيقِ ما عجزتْ عن إنجازه منذ العام 1977.

يقول محمد حسنين هيكل في خريف الغضب إنّ فلسفة جمال عبد الناصر الاستراتيجيّة في مواجهة "إسرائيل" كانت: الحصارَ والعزل. وكان يستخدم تشبيهًا نابعًا من حياة الفلاح المصريّ: الفلاح حين يصاب بالسنطة (الثؤلول)، لا يقطعُها بحدّ السكّين، وإنّما يربط حولها شعرةً من ذيْل الحصان ثم يشدّها ويُحْكم الشدَّ حتى يمنعَ وصولَ الدم اليها، فيتوقّف نموُّها وتسقط على الأرض.[4]وهذا بالضبط ما حصل مع نظام الأبارثهيد في جنوب أفريقيا نتيجةً لمقاطعته وعزلِه من قِبل المجتمع الدوليّ. فالمطلوب الآن الردُّ فلسطينيًّا على هذه الأحداث المتوالية، وقلبُ الطاولة رأسًا على عقب: بدءًا بتبنّي سياسةٍ خارجيّةٍ ترتكز بالكامل إلى استراتيجيّات المقاطعة، بعد سحب الاعتراف بالكيان الصهيونيّ وبـ"حلِّ الدولتيْن" العنصريّ، أي العمل على عزل الكيان ومحاصرته.

بدلًا من سياسة التوسّل المتَّبَعة في العقود الماضية، تجب إعادةُ الاعتبار إلى مفهومَي "التحرير" و"تقرير المصير." ويجب التأكيدُ أنّ القضيّة الفلسطينيّة هي قضيّةُ حريّةٍ وعدالةٍ ومساواة. وهذا ما لا تستطيع الأوليغارشيةُ النفطيّةُ استيعابَه!


New Page 1