معركة المجذوب- بو صعب تنشطر إلى 3 معارك وطنية: التربية الوطنية، مكافحة الفساد واستقلال القضاء الإداري :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


معركة المجذوب- بو صعب تنشطر إلى 3 معارك وطنية: التربية الوطنية، مكافحة الفساد واستقلال القضاء الإداري

نزار صاغية - المفكرة القانونية
11-10-2020
يُنشر الكثير عن المعركة التي نشبت مؤخرا بين وزيري التربية الوطنية الحالي والسابق القاضي طارق المجذوب والوزير السابق والنائب الياس بو صعب. وللعلم، انطلقت هذه المعركة منذ تجرّأ الوزير المجذوب على إنهاء تكليف دة ندى عويجان بمهام رئاسة المركز التربوي للبحوث والإنماء. وكانت عويجان قد كُلّفت في هذا المركز في سنة 2015 بقرار من بو صعب الذي كان يتولى وزارة التربية آنذاك. وآخر ما نُشر في هذا الصدد، هي التّعليقات على قرار مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ قرار إنهاء التكليف، حيث تساءلت وسائل إعلام عدة حول ما إذا كان الوزير (وهو قاضٍ في مجلس شورى الدولة) سيلتزم بتنفيذ هذا القرار أم لا.

وبالطبع، لا يمكن عزل هذه المعركة عن مجموعة من المواقف التي عبّر عنها مؤخّرا المجذوب، وخاصة في برنامج “يسقط حكم الفاسد” على تلفزيون الجديد، بتاريخ 25 أيلول 2020. ففي سياق هذا البرنامج، فاجأ المجذوب الرأي العام بالكشف عن أعمال فساد ومخالفات جسيمة داخل وزارته وعن الخلل في إنتاجية مؤسسات خاضعة لوصايته وفي مقدمتها المركز التربوي. كما كشف عن تهديدات تلقّاها من وزير سابق على خلفية اجراءات اتخذها ضمن وزارته وأيضا عن عقود استشاريّة مجزية مع قضاة في مجلس شورى الدولة تمّ تنظيمها خلافا للقانون. وقد استتبع هذه الحلقة مزيد من التهجم على المجذوب أخذ العديد منها طابع القدح والذم، وكان آخرها مطالبة بو صعب بمحاكمته على خلفية توقيفه مشروع قرض للبنك الدولي (وعمليا وفق ما أوضحه المجذوب الإجراءات المتخذة منه لمنع هدر المال العام في صرف الأموال العامة) وذلك في سياق الهيئة العامة لمجلس النواب في جلستها المنعقدة في 30 أيلول 2020.

وقد بدت المعركة المذكورة بالنتيجة متشعّبة، وخاصة بفعل شخصية الوزير المجذوب الذي يأتي من القضاء ومن خارج النادي السياسيّ التقليديّ: فهي تبدأ بالمركز التربوي وتنتهي بمجلس شورى الدولة مروراً بما آلت إليه الإدارة العامة عموما والفساد الذي يعتري آليات التعيين فيها كما أداءها. ويرمي هذا المقال إلى توضيح أبعادها الاجتماعية منعا لتصويرها على أنها معركة شخصية تمهيداً لتسطيحها أو تسفيهها.



معركة المركز التربوي: أي مواطن نريد؟

بمعزل عن سدادة موقف المجذوب بشأن إنهاء تكليف عويجان بتولّي مهامّ رئاسة المركز التربوي، فإنه من المُسلّم به أنّ مآل هذا التجاذب ينعكس بطريقة أو بأخرى على وظائف المركز وتاليا على التربية الوطنية ككل. فهذا المركز تأسس كمؤسسة عامة، وهو يتولى تحت وصاية وزير التربية وضع المناهج التعليمية لجميع المدارس الخاصة والعامة وتجديدها وتعديلها. كما يتولّى وضع الكتب المدرسية للمدرسة الرسمية وتنظيم دورات لتدريب أساتذتها وتأمين الموارد لهم. وكلّها مهام أساسية يترتب على نجاحها أو فشلها آثار بالغة على ماهية التربية الوطنية وقدرتها على صقل المواطنة. وما يزيد من أهمية هذه الوظائف هو ثلاثة أمور فرضتها التطورات الأخيرة: الأول، ضرورة إرساء آليات للتعليم عن بُعد في ظل جائحة الكورونا، والثاني، ضرورة تعزيز قدرات المدارس الرسمية في ظل الأزمة الاقتصادية وانتقال آلاف التلاميذ من المدارس الخاصة إلى المدرسة الرسمية، وهو الأمر الذي عكسه اقتراحا قانون قُدّما مؤخّراً لزيادة عدد الأساتذة في المدارس الرسمية تمكينا لها من استيعاب هذا العدد الجديد الوافد إليها، والثالث، وهو تحدّ فرضته السنوات الماضية وما تزال كيفية الردّ عليه غير مقنعة وقوامها تواجد عشرات آلاف التلاميذ السوريين في لبنان.

وللتأكيد على أهمية المركز، يجدر التذكير أن آخر تعديل للمناهج حصل في فترة 1997-2000 بما يغيب مجمل التطورات الحاصلة منذ ذلك الحين، وبخاصة على صعيد التاريخ والعلوم والتكنولوجيا ومعها العالم الإفتراضي الذي ما يزال مغيبا تماما عن هذه المناهج. كما يجدر التذكير بالدور الأساسي لدور المركز في صقل قدرات الأساتذة وتطويرها وخاصة بعد زوال دار المعلمين وتعيين آلاف الأساتذة وفق قواعد المحاصصة بمعزل عن أي إعداد أو مباراة كفاءة.

ولا نبالغ إذا قلنا أنّ من شأن هذا المركز في حال تفعيل دوره، أن يشكل أحد أهمّ المداخل لصقل هوية المواطن وتاليا المساهمة في بناء المواطنة والدولة. ولإدراك ذلك، يجدر التذكير إلى الأهداف العامة للمناهج التي تمّ إقرارها في 1997 والتي يشكل تحقيقها شرطا أساسيا لتغيير النفوس والخروج من نظام الزعامات أو الأوليغارشيا الذي يتحكّم بلبنان منذ انتهاء حرب 1975-1990 وبفعلها تمهيدا لبناء الدولة الديمقراطية الموعودة. فقد ورد ضمن ديباجة هذه الأهداف أنها “تتوخى تنمية شخصية اللبناني كفرد (وضمان قدرته على تحقيق الذات في مختلف الميادين بما فيها الميدان العاطفي والوجداني) وكعضو صالح ومنتج في مجتمع ديمقراطي حرّ وكمواطن مدني ملتزم بالقوانين ومؤمن بمبادئ ومرتكزات الوطن كما أنها تستجيب لضرورات بناء مجتمع متقدّم ومتكامل يتلاحم فيه أبناؤه في مناخ من الحرية والديمقراطية والمساواة”. وإذ أكدت أهداف المناهج في مكان آخر على الإلتزام بالقيم والمبادئ الإنسانية وبالعقل وبلبنان وطنا للحرية والديمقراطية والعدالة، فقد ثمّنت التراث الروحي في لبنان مما يستوجب صونه وتعزيزه كنموذج للتفاعل والانفتاح الروحي والفكري ولكونه مناقضا للأنظمة والعقائد التي تقوم على التمييز العنصري والتعصب الديني. وعدا عن أن تحقيق هذه الأهداف يفرض بذل جهود كبيرة لوضع مناهج قادرة على التأثير إيجابا على أذهان التلاميذ ومقارباتهم، فإنه يفترض أيضا تقييما دوريا لمدى نجاحها في تحقيق أهدافها وصولا إلى تعديلها وتطويرها كلما اقتضى ذلك. ومن هذه الزوايا كافة، ثمة ضرورة أكثر من ملحة لإحداث حركة تجديدية إصلاحية داخل هذا المركز الذي تقاعس عن إجراء أي تعديل للمناهج طوال أكثر من 20 سنة، على نحو يزيد من حظوظ نجاحه في تحقيق أهدافه الموعودة.



معركة الإصلاح الإداري: تضارب المصالح مدخل رئيسي للفساد

المعركة الثانية التي نستشفّها من معركة مجذوب- بو صعب هي معركة مكافحة الفساد داخل الإدارة سواء بما يتصل بآليات التعيين أو بإدارة المرفق العام. وأبرز أوجه الخلل في هذا المضمار يتمثّل في كيفية تكليف عويجان في 2015 من قبل بو صعب. فعدا عن أن السيدة عويجان هي ابنة خالة هذا الأخير مما يظهر تناقض مصالح واضحا، فإن تكليفها جاء غداة تفريغها في الجامعة اللبنانية والحاصل لهذه الغاية بالذات، كما جاء خلافا للقانون الذي يحصر تكليف أساتذة الجامعة اللبنانية بمهام مماثلة بالأساتذة المنتمين إلى الملاك الدائم ويمنع تاليا تكليف من ليسوا كذلك (بما فيهم الأساتذة المتفرغين) بهذه المهام (المادة 2 من قانون الهيئة التعليمية للجامعة اللبنانية). وهذا يعني أن الوزير بو صعب لم يكتفِ بممارسة نفوذه لمحاباة نسيبته في هذا المركز، بل أنه فعل ذلك في انتهاك واضح للقانون. وقد ترافقت المآخذ على هذا التعيين بمآخذ على أداء عويجان وقصورها في ضمان قيام المركز بمهامه أو الاستجابة السريعة للتحديّات المشار إليها أعلاه، فضلا عن مآخذ على كيفية ترشيد إنفاق موارده وإنشاء لجان وهمية وهي مآخذ ما برحت تنتظر تحقيقا إداريا وقضائيا.

وإذ استند المجذوب بداية على النقص في الإنتاجية لاتخاذ قراره بإنهاء تكليف عويجان وتكليف شخص آخر لإشغال مركزها، فإنه عاد في قراره الأخير الصادر في 2 تشرين الأول ليلغي قرار تكليفها لعدم قانونيته. وقد أوضح المجذوب حسبما نفهم من وصف الوقائع في قرار مجلس شورى الدولة أنه لم يقُمْ بأيّ اجراءات سابقة لعزل عويجان أو تأديبها على اعتبار أنها تشغل هذا المنصب بالتكليف وليس بالأصالة، بمعنى أنه ليس لها أي وضعية مضمونة أو حقّ مكتسب في هذا الخصوص سنداً للمادة 49 من قانون الموظفين العامين إنما ترتبط هذه الوضعية بوظيفتها الأساسية حصرا. وقد ذكّر المجذوب بأن اجتهاد مجلس شورى الدولة ثابت في هذا المضمار وذلك في قراره التأكيدي لإنهاء تكليف عويجان والصادر في 2 تشرين الأول.

إلا أن المفاجأة تمثّلت هذه المرة في تصرّفات بو صعب والجهات السياسية والإعلامية الداعمة له والتي ذهبت إلى اعتبار أن التكليف بمهمة معينة يولي الشخص المُكلَّف حقا مكتسبا. وقد أخذت هذه التصرفات أشكالا مختلفة أبرزها شنّ هجوم إعلامي مركّز ضد المجذوب، وهو هجوم قارب في محلات عدة القدح والذمّ وصولا إلى المطالبة بمحاكمته كما أشرنا في مقدمة هذا المقال. وفيما ترقّب كثيرون أن تُحسم المسألة في مجلس شورى الدولة في اتجاه ردّ طلب وقف التنفيذ بالإستناد إلى اجتهاده السابق في هذا المضمار [1]، نحى هذا المجلس من دون أيّ حرج منحى مناقضا حين أوقف تنفيذ قرار إنهاء التكليف انسجاما مع مطالب القوى السياسية المهيمنة. وبذلك، بدا المجلس وكأنه يعتمد معايير مزدوجة وفق هوية الشخص المكلف والغطاء السياسي الذي يتمتع به. وعليه، اكتملت لعبة التكليفات في الإدارة العامة: فعدا عن أن للوزير أن يكلّف من يريد، وغالبا المحاسيب، من دون أي معايير أو ضوابط إعمالاً للمحاصصة وفي تضارب لافت للمصالح، فإنّ من شأن هذا التكليف أن يُرتِّب وفق مجلس شورى الدولة حقوقا مكتسبة محميّة قانونا، ولو بصورة انتقائيّة بالنظر إلى تضارب هذا القرار مع اجتهاده السابق. ويخشى طبعا أن يتّجه المجلس إلى حصر هذا التوجه أي منح حقوق مكتسبة بالمُكلّفين الذين ما برحوا يتمتعون بغطاء سياسي من قوة سياسية مهيمنة. ومؤدى ذلك أن مجلس الشورى يأتي هنا ليُدعّم الغطاء السياسي بغطاء قانوني وقضائي، وليغلق تاليا أحد أبواب الإصلاح المتاحة والفورية، والتي تقوم على استبدال الأشخاص المكلفين بمهام هامة، كما هي حال عويجان.

من هذا المنظار، تكتسي المعركة أهمية بارزة ليس فقط لجهة إبطال تكليف حصل خلافا للقانون ولكن أيضا للحؤول دون تحوّله إلى حق مكتسب أو مركز نفوذ وما يستتبع ذلك من معوقات أمام الإصلاح والتغيير.

ختاما، نعيد هنا ما أشرنا إليه في المقدمة في هذا الخصوص لجهة أن المجذوب إنما يؤدي دور كاشف الفساد داخل إدارته، وهو أمر يفترض تطبيق إجراءات الحماية المنصوص عليها في قانون حماية كاشفي الفساد والذي تم إقراره في 2018. أما أن يستسهل وزير سابق التهجّم عليه في المجلس النيابي من دون أن يلقى ردّا من أي من النواب الحاضرين، فهذا أمر يتعارض تماما مع روح هذا القانون ونصه على حدّ سواء.



معركة استقلال القضاء الإداري: أين فصل السلطات؟

المعركة الثالثة وهي لا تقلّ أهمية عن المعركتين السابقتين، هي معركة استقلال القضاء الإداري. بدأت ملامح هذه المعركة بما كشف عنه المجذوب من عقود موقّعة لصالح قاضييْن في مجلس شورى الدولة لقاء مهمّات استشارية. وقد قاربت قيمة هذه العقود بالنسبة إلى كلا منهما قيمة راتبه الأساسي الذي يتقاضاه من ميزانية المجلس. وقد أعاد المجذوب بذلك التذكير بممارسة تكليف قضاة مجلس شورى الدولة في مهامّ استشارية في الإدارات العامة؛ وهي ممارسة تستمد وجودها من صلاحية التكليف الممنوحة لرئيس مجلس شورى الدولة سندا للمادة 15 من نظام المجلس، وإن شهدت تطوّرا لاحقا وخطيرا مع تعدد التكليفات وانتشارها وتشعبها إلى تكليفات بأشكال مختلفة. فبنتيجة ذلك، يصبح القاضي الإداري عموماً وكأنّ له قدمٌ في القضاء الذي يشارك في أعماله حتى الظهيرة وقدمٌ في الإدارة العامّة التي يخدمها من بعدها. كما يصبح له راتبان أو أكثر: راتب ثابت ومضمون من عمله كقاضٍ أيا كان أداؤه وإخلاصه له، وراتب أو أكثر يكون مرشحا للتضخم وفق عدد التكليفات التي قد ينجح في الاستحصال عليها. ومؤدّى هذه الممارسة طبعا المسّ بمبدأ استقلالية القاضي المالية ونشوء تضارب فاقع في المصالح والأهم مسّا خطيرا بمبدأ الفصل بين السلطات. فبدل أن تقوم الإدارات العامة بأعمالها تحت إشراف القضاء الإداري ورقابته وربما بعد استشارته، يقود “التكليف بأعمال” إلى دمج القضاة الإداريين المكلّفين ضمن فرق عملها وعملياً استتباع من يفترض به أن يراقبها. يضاف إلى ذلك التأثير السلبي على الطاقات القضائية المتوفرة لأداء العمل القضائي.

وقد اكتسَتْ ممارسة التكليف خطورة إضافية مع نشوء ما يصحّ تسميته التكليف على التكليف. وهذا يعني أن يُكلّف قاضٍ إداري للعمل في إدارة عامة بموجب قرار من رئيس المجلس، فتعود هذه الإدارة وتكلفه بمهام إضافية في لجان منشأة منها أو داخلها وببدلات إضافية، ومن دون العودة إلى هذا الأخير. ومن أبرز حالات التكليف على التكليف، قيام وزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق بتكليف أحد القضاة المكلّفين للعمل في وزارة الداخلية بترؤس لجنة فنّية للنظر في مناقصة الميكانيك (والتي تمّ إبطالها لاحقا بعد تخاطب واسع عن شبهات فساد تمثّل بعضها في تعيين هذا القاضي بالذات في اللجنة الفنية المذكورة). ورغم أن التكليف على التكليف تم توثيقه في هذه الحالة وهو غير قانوني ورغم تقدم المفكرة القانونية بشكوى رسمية لدى هيئة التفتيش القضائي بهذا الخصوص، فإنه لم يتّخذ أيّ إجراء تأديبي بحق القاضي المذكور، على حدّ علمنا. بل نجد القاضي نفسه (الذي كان كلّفه الوزير المشنوق) يحظى، إلى جانب قاضٍ آخر، بتكليفات جديدة في وزارة التربية. واللافت أن هذا التكليف على التكليف قد رشح عن مخالفة إضافية، بحيث أخذ طابع عقد استشاري موقع من وزير التربية والقاضي المذكور بما يخرج بصورة فاقعة عما تجيزه المادة 15 من نظام مجلس شورى الدولة (تكليف صادر عن رئاسة مجلس شورى الدولة حصرا). وما يزيد من قابلية هذا الأمر للإنتقاد هو أن العقد نصّ صراحة على تسديد الأتعاب بالدولار الأميركي!

ولا نبالغ إذا قلنا أن فتح ملف تكليفات القضاة هو بمثابة فتح علبة باندورا في مجلس شورى الدولة، طالما أن الكشف عنها يؤدي عمليا إلى إماطة اللثام عن العلاقات المشبوهة جدا بين الإدارة (وعمليا القوى السياسية التي تهيمن عليها) والعديد من قضاة مجلس شورى الدولة. وما زاد من خطورة المعلومات التي كشف عنها المجذوب هو أنها تقدم الدليل الحاسم على أن بعض قضاة مجلس شورى الدولة يستمرّون في تقاضي بدلات عن تكليفاتهم الإضافية (تصل إلى خمسة آلاف د.أ) وتتجاوز بكثير الحدّ الأقصى الذي يسمح به قانون الموازنة العامة لسنة 2019 والذي حدده ب 3 مرات الحد الأدنى للأجور أي ما يعادل مليونين وخمسة وعشرين ألف ليرة لبنانية (مادة 72 من القانون). وهذا يعني أن المعلومات التي كشفها المجذوب تتطلب ليس فقط وقف التكليف ومعها العقود الحاصلة تبعا لها لتعارضها مع النظام العام بل فتح تحقيق فوري من كلا من رئاسة مجلس شورى الدولة وهيئة التفتيش القضائي وديوان المحاسبة حول مدى التزام الإدارات العامة بالحدّ الأقصى الذي حدّده قانون الموازنة العامة 2019 والحيل المستخدمة لتجاوزه. حتى الآن لم يحصل شيء من هذا القبيل، إنما اكتفى رئيس مجلس شورى الدولة فادي الياس في إصدار قرار بتعليق القرار الصادر عن 2019 بتكليف أحد هذين القاضيين بالقيام بمهام استشارية لدى ثلاث هيئات (نفهم إذا ثلاثة تكليفات) وهي تباعا وزراة التربية والتعليم العالي ومجلس التعليم العالي ولجنة المعادلات في التعليم العام، وذلك بناء على طلب القاضي نفسه. هذا مع العلم أن عبارة “تعليق” التكليف تبقى مستغربة وبخاصة أن القرار لم يحدّد سبب التعليق وأمده، وإن يفهم منها أن التعليق يحصل إلى حين تعيين حكومة جديدة.

ومن الطبيعي تاليا أمام كبر هذه الفضيحة أن يلقى المجذوب مواجهة ليس فقط من قبل القوى السياسية بل حتى من قبل عدد من زملائه في مجلس شورى الدولة. وهذا ما يعكسه قرار هذا المجلس بوقف تنفيذ إنهاء تكليف عويجان بما تضمّنه من أخطاء جسيمة وتناقض مع اجتهاده الراسخ في مجال عدم وقف تنفيذ قرارات التراجع عن التكليف أو إلغائه. ومن أبرز هذه الأخطاء أن المجلس أصدر قراره رغم إعلان الوزير إلغاء قراره الأول الذي اقتصر عليه الطعن الأساسي بما كان يفترض أن يجعل المراجعة من دون موضوع. ومنها أيضا أن المجلس أوقف قرارات ثلاثة أخرى أصدرها الوزير بعد إلغاء قراره الأول من دون أن يطّلع عليها أو يبرر تلازمها مع القرار موضوع المراجعة الأساسية أو يضعها حتى موضع مناقشة وفق ما يظهر من حيثيات قراره والتي ألزم بموجبها الإدارة بإبراز نسخة عن القرارات المذكورة. ومن شأن هذا الأمر أن يطرح أسئلة بالغة الأهمية حول مدى جدية مجلس شورى الدولة في التعاطي مع مسائل بهذه الخطورة وأيضا مدى حياديته في النظر في المراجعة المحالة إليه وقدرته على مواكبة جهود الإصلاح أو مكافحة الفساد في الإدارات العامة.

وهي أسئلة تزداد إلحاحاً على ضوء أداء هذا المجلس في قضايا أخرى. وكانت “المفكرة القانونية” وثقت قرارات عدة للمجلس أدّت إلى إحباط مساعٍ مجتمعية لمكافحة الفساد من خلال إنكار صفة الجمعيات (وخاصة البيئية) والأفراد في الطعن في قرارات إدارية تجافي القوانين المعمول بها بشكل جسيم، ومن أبرزها القرارات الصادرة في قضايا الرملة البيضاء أو منح مهل إدارية للكسارات وتنظيم المنطقة العاشرة في بيروت. كما كانت “المفكرة القانونية” نشرت مؤخرا تعليقا على قرار يؤدي في عمقه إلى إحباط محاولات موظفين (باتوا بمثابة “ناجين” داخل الإدارات العامة) في إصلاح إداراتهم أو القطاعات التي يدخل تنظيمها ضمن صلاحياتهم، وهو القرار الذي انتهى إلى إبطال قرار أصدرته المديرية العامة للتعاونيات في مسعى منها لمكافحة الفساد الحاصل في قطاع صناديق التعاضد. وبالطبع، نتيجة هذه القرارات وأبعادها محبطة: ففيما ينتظر من القضاء الإداري أن يكون عامل تشجيع للجمعيات والأفراد والإدارات العامة على الدفاع عن شرعية الدولة وضمانة لحماية هؤلاء إزاء أي اعتداء أو تحامل من جراء أي مسعى منهم لمكافحة الفساد، فإن هذه القرارات تذهب في اتجاه معاكس تماما أي في اتجاه ثني هؤلاء عن أي مسعى مماثل.

وعليه، أيا يكن موقف المجذوب بشأن تنفيذ قرار مجلس شورى الدولة أو عدم تنفيذه (وقد اتّجه حسبما نما إلينا إلى مطالبة هيئة القضايا الرجوع عنه لاستحالة تنفيذه بعدما عادت عويجان إلى وظيفتها الأساسية ولكونه مشوبا بأخطاء جسيمة)، فمن المؤكد أن القرار الصادر عن هذا المجلس يفاقم من رصيده السلبي، ويؤكد أن إصلاح القضاء الإداري بات أمرا ملحا لكونه معبرا أساسيا للدفاع عمّا تبقى من شرعية الدولة.


New Page 1