من يبحث عن 7 مفقودين بعد انفجار المرفأ؟ أشلاء مجهولة وأسر 3 منهم بلا فحص الحمض النووي :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


من يبحث عن 7 مفقودين بعد انفجار المرفأ؟ أشلاء مجهولة وأسر 3 منهم بلا فحص الحمض النووي



ترتجف يدا والدة سارة طرباه المفقودة منذ مجزرة المرفأ بشكل مستمرّ نتيجة إصابتها بتلفٍ في الأعصاب الذي زاد بعد اختفاء ابنتها. ورغم ارتجاف يديها لا تهتزّ ثقتها بعودة سارة، وتنتظرها كلّ مساء لتعود من المشي ويرتشفان سويّة فنجان الزهورات المعتاد.

والدة سارة هي نموذج عن جميع أهالي من ما زالوا مفقودين من بين عشرات لم يعرف مصيرهم في الأيام الأولى لانفجار 4 آب. تحصر الجهات الرسمية والمنظمات الحقوقية هؤلاء اليوم بسبعة أشخاص هم اللبنانيون: سارة طرباه ومحمد عيد وإبراهيم رعد وغازي مراد والسوريون: محمد عارف العبد الله، وفراس وجدي الفهد ومحمد ريحاوي.

والمفارقة أنّ إحصاء العدد نتج عن عملية حسابية بسيطة أجرتها السلطات قوامها “الطرح”، أي شطب كل اسمٍ تجد صاحبه حيّاً أو تظهر جثته، من دون إجراء أي عمليات بحثٍ أو تقصٍ جدي عن الحقائق لإيجادهم أحياء كانوا أو أموات. فتبيّن مثلاً بالتّواصل مع أهل المفقود إبراهيم رعد أنّهم لا يعرفون عنه شيئاً منذ ما قبل الانفجار بثلاثة أشهر. “المفكرة القانونية” التقت أهل إبراهيم وسارة ومحمد عيد وعائلة السوري فراس الفهد فيما رفضت عائلة غازي مراد، وهو من سكّان مار مخايل، إجراء أي مقابلة أو الإجابة عن أي سؤالٍ يتعلّق بالمفقود. وتعذّر الوصول إلى عائلتي المفقودَين محمد العبد الله ومحمد ريحاوي لعدم توفّر معلومات كافية ودقيقة عنهما. وتوصّلت “المفكّرة” إلى أنّ الجهات المعنيّة كافّة لم تتعامل بجدّيةٍ مع موضوع مفقودي التفجير، إنّما اكتفت بتدوين وتعداد الاتّصالات والبلاغات الواردة من العائلات، كما لم تتواصل مع أسر ثلاثة مفقودين لأخذ عيّنات الحمض النووي، برغم تأكيد المصادر الأمنية أنهم يبذلون “أقصى الجهود”.

والدة سارة طرباه تنتظر عودتها كلّ مساء


الرابع من آب 2020، إنّها الثالثة بعد الظهر، سارة طرباه (35 عاماً) تستعدّ للخروج من المنزل متوجّهة كعادتها لممارسة رياضة المشي على الكورنيش البحري. ترتدي سارة بيجاما رياضية كحلية، تضع منديلها الأبيض على رأسها، تربط حذاءها الرياضي بإحكام، تلقي نظرة أخيرة على وجهها في المرآة، تضع أغراضها القليلة في شنطةٍ صغيرة: هويّة تعرّف عنها في حال وقوع حادثٍ ما، حفنة من المال لطريق العودة، وجهاز صغير تحفظ عليه موسيقاها المنتقاة منذ مراهقتها، جهاز تستعمله بديلاً عن هاتفٍ محمولٍ تخلّت عن اقتنائه بسبب ضائقتها المالية بعد أن أصبحت عاطلة عن العمل خلال الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد، هي نفسها الضائقة التي حرمتها سابقاً من إكمال دراستها وهي لا تزال في المرحلة المتوسطة، ما اضطر سارة للنزول إلى سوق العمل باكراً فعملت مندوبة مبيعات في محلّات تجارية عدّة. باتت سارة تواظب على ممارسة هواية المشي كطريقة للتفريج عن كربها، تخرج في رحلةٍ يومية من منزلها في عفيف الطيبة سيراً باتّجاه الكورنيش البحري.


سارة التي ذهبت إلى المشي ولم تعد
تقول صباح زوجة شقيق سارة لـ”المفكرة” إنّ أفراد العائلة انتظروا بعد الانفجار عودتها أو تلقّي اتصالٍ منها، لكن بعد مضي ساعاتٍ بدأ القلق يتسرّب إلى نفوسهم. وما لبثوا أن انطلقوا في مهمّة البحث عنها، حيث قصدت العائلة جميع الجهات المعنيّة التي حققت معهم وأخذت منهم كل المعلومات اللازمة التي قد تساعد في العثور على سارة، وقامت بإجراء فحص الحمض النووي لهم. أما صباح فتوجّهت إلى المستشفيات حيث بحثت بين أسماء الجرحى في أقسام العناية الفائقة عن اسم سارة، وبحثت عنها في برادات الموتى. استمرّت عملية البحث لأكثر من عشرين يوماً، ولم تجد العائلة أيّ أثرٍ لسارة. قصدت صباح كورنيش الواجهة البحرية الذي ترتاده سارة عادةً وهو مكان مكشوف وقريب جداً من المرفأ، هناك قال لها أحد رجال الأمن إنّه لا بدّ أنّ ضغط الانفجار قذف كل من كان متواجداً في تلك النقطة.

وفي الوقت الذي ينتظر فيه أهل سارة أيّ خبر عن ابنتهم، لا يأتيهم سوى اتصالات دورية من الصليب الأحمر اللبناني وقوى الأمن الداخلي بهدف تحديث المعلومات عنهم.

يومان بين بدء عمله الجديد في المرفأ والتفجير

تجلس في أحد أحياء طرابلس زوجة وأطفالها ينتظرون عودة والدهم الذي وعدهم بشراء البوظة في طريق العودة من عمله.48 ساعة فقط فصلت بين بدء محمد عيد (30 عاماً) العمل في المرفأ والتفجير. فقبل يومين من وقوع الكارثة اشترى محمد شاحنة نقل بالدّين والتقسيط، وكان سعيداً جداً بها وكلّه أمل بأنّها ستحسّن وضع عائلته الاقتصادي. تقول زوجته آمنة ضاهر (20 عاماً) أنّ محمد كان يعمل على سيارةٍ أأجرة، لكنّ المردود لم يكن كافياً لتأمين احتياجات العائلة فقرر شراء شاحنة نقل بعد أن “قالوا له في كثير شغل عالبور”، بحسب زوجته. وتضيف: “استدان شويّة مصاري واشترى الشاحنة وبلّش شغل”. لم ترَ آمنة زوجها خلال اليومين اللذين بدأ فيهما العمل على المرفأ، وهي الآن تحتضن طفلين لم يتجاوزا السنتين. لا تريد آمنة اليوم سوى إيجاد جثة زوجها أو حتى أشلاءً منه لإقامة مدفنٍ، “أحتاج إلى قبرٍ لأزوره ويزوره أولاده عندما يكبرون”.

يقول الوالد محمود عيد (55 عاماً) إنّه حين وقع الانفجار قصد مركز الصليب الأحمر ومن ثم ثكنة الحلو في بيروت حيث خضع لإجراء فحص الحمض النووي. يرجّح الوالد أن يكون ابنه قُتل في التفجير بعد أن عثرت الجهات المختصّة على أجزاءٍ من شاحنته تحت الماء. وعلى الرغم من ذلك، يريد الوالد العثور على أي أشلاءٍ لابنه كي يتمكّن من إقامة مدفنٍ له. أمّا والدته فلا تعلم إلى اليوم ما جرى لفلذة كبدها، فنظراً إلى كونها تعاني من أمراضٍ في القلب ادّعت العائلة أنّه سافر إلى السعودية للعمل.


48 ساعة فصلت بين بدء محمد عيد العمل في المرفأ والتفجير
اليوم انتقلت آمنة وأطفالها للعيش مع أهل زوجها في حي أبو سمراء في “تشخيبة” من غرفتين وبات الوالد محمود عيد مسؤولاً عن ثلاث عائلاتٍ بعد أن سبق وتكفّل بتربية أولاد ابنته اليتامى أيضاً على حد قوله، ورغم ذلك لا يطلب سوى معالجة مشكلة تسرّب المياه في سقف “بيته” قبل حلول الشتاء كي لا يصاب الأطفال بالأمراض. هذا لم تتلقّ عائلة المفقود من المساعدات التي وصلت إلى لبنان منذ الانفجار إلى اليوم سوى حصّة غذائية واحدة أرسلها إليهم الصليب الأحمر.

المساعدات تشمل نطاق الانفجار

وفي اتصالٍ لـ”المفكرة” يفيد أمين عام الصليب الأحمر اللبناني جورج كتانة، بأنّ المسح الذي أجرته المنظّمة يشمل الأسر التي تقطن في محيط منطقة الانفجار وتم رصد حوالي 3 ملايين دولار بالسنة توزّع حالياً على شكل حصصٍ غذائيةٍ للعائلات المشمولة بالخطة الموضوعة ضمن نطاق بيروت، أما العائلات المتضرّرة والمتواجدة خارج محيط منطقة المسح فيتم النظر بوضعها. ودعا كتانة جميع المتضررين إلى الاتّصال على الرقم الساخن 01365520 لتسجيل الطلبات لتتم دراستها.

وقد أفادت مندوبة برنامج الأغذية العالمي في بيروت ملاك جعفر لـ”المفكرة” بأنّ البرنامج عمل بعد وقوع الانفجار مباشرةً على توزيع 2300 حصة غذائية للأسر في محيط المرفأ، ثم انتقل إلى تخصيص مساعداتٍ نقديةٍ فوريةٍ بقيمة 1680 ألف ليرة لبنانية للعائلة الواحدة. ويدعو البرنامج الذي هدفه اليوم الوصول إلى 10 آلاف عائلة متضرّرة من الانفجار، عبر موقعه على الإنترنت إلى تعبئة استمارات (تقترب من بلوغ الـ10 آلاف) بالإضافة إلى التعامل مع شركاء محليين يقومون بتجميع البيانات على الأرض أي يجوبون الأحياء بحثاً عن كبار السن والعائلات التي لا تستطيع التعامل مع وسائل التكنولوجيا. واليوم يجري تصنيف البيانات والمعلومات، ولكن تشكو جعفر من عدم وجود قاعدة بيانات رسمية جيّدة يمكن الاعتماد عليها.

لكن يبقى عمل معظم المنظمات الدولية والجمعيات محصوراً في النطاق الجغرافي للانفجار، في حين أنّ أسر عمال المرفأ الذين سقطوا وفقدوا وجرحوا جرّاء الانفجار منتشرة على مساحة الوطن، هؤلاء لا تطالهم المساعدات الفورية والتلقائية ويحتاجون إلى “واسطة” كي ينالوا حصةً هم بأمسّ الحاجة إليها. في هذا الإطار ترحّب جعفر بأي مبادرة للتعاون من أجل الوصول إلى هذه العائلات التي لم تتمكّن من التواصل مع البرنامج وذلك من أجل أن تشملها المساعدات.


تخشيبة عائلة المفقود إبراهيم عيد
انقطعت أخباره منذ 3 أشهرٍ فاحتسب من مفقودي الانفجار

منذ حوالي السنة ترك إبراهيم جميل رعد (18 عاماً) منزل ذويه في طرابلس قاصداً بيروت بهدف تحسين ظروفه المعيشية، غادر بدون أن يخبر أحداً بمخطّطاته، “ضهر بشحّاطة وشورت، على أساس رايح عند أصحابه وما رجع عالبيت من وقتها” يقول والده جميل. نال إبراهيم الشهادة المتوسطة والتحق بعدها بأحد المعاهد ليتخصّص في مجال “كهرباء السيارات”، وخلال فترة دراسته بدأ يتذمّر من الوضع الاقتصادي، وبدأ العمل في مصالح عدّة، إلاّ أنّ الاستغلال الذي تعرّض له زاد من نقمته. “كان يشتغل حوالي 10 ساعات بالنهار ويقبض 50 ألف ليرة بالأسبوع، قال لأنه ما عنده خبرة”، يضيف الوالد. وقبل سنة غادر إبراهيم منزل والديه وبعد ثلاثة أيام اتّصل بهما وأبلغهما أنّه بخير وأنّه في برج حمّود ببيروت ولكنّه لم يخبرهما أين يسكن ولا ماذا يعمل. ومنذ ذلك الوقت لم يعد إبراهيم لزيارة أهله ولم يعطهم رقم هاتف للتواصل معه بل كان يستخدم الهواتف العمومية للاتصال بذويه خلال فتراتٍ متباعدةٍ.

لا تتوقّف والدة إبراهيم عن البكاء وتقول وهي تغالب دموعها: “أنا إبني حنون وقلبه طيّب ما كنت بتوقع أبداً إنّو يجي يوم ويفلّ من البيت ويغيب عنّي هالقد”. وهي اليوم تعيش حالة من القلق، وتخاف أن ينقضي العمر بدون أن تتمكّن من رؤيته مجدّداً. “قبل كنت عارفة إنّه عايش ومطمّنة، بس هلق ما بعرف شي، ناطرة، إذا مات ليه ما لقيوا جثته؟”.

عند وقوع الانفجار، كان قد مضى على مكالمة إبراهيم الهاتفية الأخيرة لذويه ثلاثة أشهرٍ. في ذلك اليوم انتظر أهله اتصالاً منه يطمئنهم عن حاله، لكنّ الاتّصال لم يأتِ. بعدها قاموا باستشارة أحد رجال الأمن الذي نصحهم بضرورة إبلاغ القوى الأمنية وإجراء فحص الحمض النووي لعلّ إبراهيم كان من بين الضحايا. لم يظهر إبراهيم ولم تظهر جثته ولا حتى أشلاءه، واحتسب في عداد مفقودي تفجير 4 آب بدون أن تقوم القوى الأمنية بإجراء عمليات بحثٍ وتحرٍّ عنه في منطقة عمله في برج حمّود، بحسب الوالد.



إبراهيم المفقود منذ 3 أشهر
تطالب والدة إبراهيم القوى الأمنية ببذل جهود للبحث عن ابنها لربما ما زال على قيد الحياة، أو لربما هاجر وأصبح خارج البلاد. “كان حلمه يصير طيّار، كل الوقت هو وصغير يضل حامل طيّارة وعم يسوقها”، تقول الوالدة بحرقة.

ويقول رئيس شعبة العلاقات العامة في القوى الأمن الداخلي العقيد جوزيف مسلّم رداً على سؤالنا عن إبراهيم بشكل خاص وسبب إدراج اسمه بين مفقودي تفجير المرفأ إنّ “القوى الأمنية أجرت تحرّياتها وقامت بما يلزم وتوصّلت إلى هذه النتيجة”، من دون تقديم أية إيضاحات أو تفاصيل إضافية.

المفقودون السوريون دولتهم “تنأى بنفسها” عنهم

يفيد تقرير قوى الأمن الداخلي في لبنان عن وجود ثلاثة سوريين مفقودين في تفجير المرفأ، إلاّ أنّ وزارة الخارجية السورية أفادت عن وجود مفقود واحد فقط وهو محمد ريحاوي، وكان أخوة هذا الأخير قد أبلغوا الخارجية في سوريا أنّ أخاهم محمد الذي يعمل في لبنان مفقود منذ وقوع الانفجار، في حين لم تبلغ أية أسرة سورية أخرى عن فقدان أحد من أفرادها في لبنان، كما لم يتم استدعاء أي من أفراد عائلة المفقود ريحاوي لإجراء فحص الحمض النووي لا في لبنان ولا في سوريا.

الملفت أنّ الجهات السورية لم تكن على علمٍ بوجود مفقودين سوريين آخرين بل قامت “المفكرة” بإعلامها بذلك من خلال رئيس رابطة العمال السوريين في لبنان، والمكلّف من قبل السلطات السورية بمتابعة ملف ضحايا ومفقودي الانفجار، مصطفى منصور، ما يدلّ على انعدام التنسيق بين الجهات السورية واللبنانية.

ويقول منصور في اتّصالٍ مع “المفكرة” إنّ “المفقود محمد ريحاوي، كان يعمل عند أحد الجزارين في عمارة حرقوص الواقعة في الحمراء، إلّا أنّنا لم نتمكّن من تحديد مكان العمارة، ولم يتم تزويدنا بأرقام هواتف أهله في سوريا وبالتالي تعذّر معرفة أي خبرٍ عنه”. ويعتبر منصور أنّ للسوريين خصوصية تتعلق بالحرب الدائرة في سوريا، فالبعض يخاف من تبليغ الجهات الرسمية، كونهم مخالفون للقانون، فمنهم من دخل خلسةً إلى لبنان، وأحياناً تذهب بعض العائلات إلى إصدار شهادات وفاةٍ كاذبة لأقاربهم لإسقاط عمليات ملاحقاتهم القانونية، فيما هم أحياء يرزقون يتجوّلون بهوياتٍ مزوّرة. وينفي غياب التنسيق مع الجهات البنانية ويقول إنّ الاتصالات مستمرّة بين الطرفين.

فقد تاركاً وراءه زوجة لم تتجاوز 16 عاماً ورضيعة

لم تتمكّن “المفكرة” من الوصول إلى عائلتي المفقودين محمد عارف العبدالله ومحمد ريحاوي لعدم توافر معلومات عنهما، تواصلت مع زوجة المفقود فراس وجدي الفهد (25 عاماً).

كان فراس يعمل عتّالاً في مرفأ بيروت، وهو أب لطفلةٍ في شهرها الثالث، وزوج بتلة “الطفلة” التي لم تتجاوز السادسة عشر من عمرها. تعرّف فراس على بتلة عن طريق الصورة والمكالمات الهاتفية. ظروف حياة بتلة العائلية الصعبة أجبرتها على الزواج المبكر، فهي يتيمة الأم منذ كانت في التاسعة من عمرها، تربّت مع أخيها بعدما تركهما والدهما ليتزوّج من أخرى وانقطعت أخباره. طلب منها أخوها الزواج خوفاً من أن يصيبه مكروه جراء الأحداث في سوريا وتصبح بتلة بلا معيلٍ من بعده. حضرت بتلة منذ سنة إلى بيروت، عروس ترى زوجها للمرة الأولى، بعد أن كان الأخير قد أوكل أباه في سوريا بعقد قرانه على بتلة. رزقت الاثنان بطفلةٍ أطلقا عليها اسم براءة، وبـ”ببراءةٍ” مطلقةٍ عاشا سنتهما الوحيدة معاً، يذهب فراس صباحاً إلى عمله ويعود مساءٍ لـ”يلعب” مع عائلته الصغيرة، وفي نهار العطلة يخرجان للتنزّه في الحدائق العامّة. اليوم بتلة طفلة وحيدة مع طفلتها، وهي لا تعلم شيئاً عن أخيها أو عن أهل زوجها وذلك بسبب عدم حيازتهم لرقم هاتفٍ خلوي. تقول بتلة لـ”المفكرة” إنّها اليوم وبعد شهرين على التفجير قد أنفقت كلّ مدخراتها، وهي تعتمد على مساعدة الجيران لها كي تؤمّن حاجيّاتها البسيطة، “أنا ما بعرف إضهر برّات البيت، فراس كان يجبلي كل أغراضي، أنا بضيع ما بعرف إتنقّل ببيروت”. وقد أدى غذاؤها غير المتوازن وحزنها على فراس إلى جفاف الحليب في صدرها، ما اضطرها إلى شراء حليب للطفلة، “أنا والله خبز ما عم جيب ما عم باكل، باكل بس برغل كل يوم، بنتي بيعطوني الجيران لجبلها حليب وحفاضات”.



هل يعود فراس إلى زوجته وابنته؟
بعد وقوع الانفجار بأيامٍ عدّة، اتصلت بتلة بالصليب الأحمر اللبناني الذي طلب منها الحضور لأخذ المعلومات اللازمة، بعدها عادت إلى المنزل بانتظار اتصالهم لأخذ عيّنة من الطفلة لإجراء فحص الحمض النووي، لكن أحداً لم يعاود الاتّصال بها على حد قولها، ولم تتلقّ منذ وقوع الانفجار لغاية اليوم سوى “كرتونة إعاشة”. لا يرد في بال بتلة أن يكون زوجها فراس قد قتل وتتوقع أنه في إحدى المستشفايات وأنه سيعود إليها في القريب العاجل، لذا هي تتوسّل صاحب المنزل الذي يطالبها بدفع الإيجار أو الرحيل، أن يبقيها خوفاً من أن يعود فراس ولا يجدها.

فحص الحمض النووي: “من هالك لمالك”

وفي اتصالٍ لـ”المفكرة”، يفيد مدير العناية الطبية في وزارة الصحة الدكتور جوزيف الحل بأنّ هناك العديد من الأشلاء لا تزال محفوظة في برادات المستشفايات، وأنّ ثلاثة من أصل المفقودين السبعة اليوم لم تؤخذ خريطتهم الجينية لإجراء فحص الحمض النووي. ويوضح كتانة أنّ الصليب الأحمر اللبناني ليس الجهة المخوّلة إجراء فحوصات الحمض النووي، وأنّ المسألة من اختصاص قوى الأمن الداخلي. ولدى تواصلنا مع رئيس شعبة العلاقات العامة في القوى الأمن الداخلي العقيد جوزيف مسلّم أفاد الأخير بأنّ الأشلاء التي ما زالت في برّادات المستشفيات هي أشلاء لا يمكن للطبيب الشرعي استخراج خارطتها الجينية أو الاستفادة منها. ورداً على سؤال عن سبب عدم أخذ عيّنات من أسر بعض المفقودين، قال مسلم إنّ هناك مكاتب حوادث في المناطق كافة وعلى عائلات المفقودين أن تتوجّه إليها مباشرةً لإجراء الفحوصات اللازمة.

تعتبر وداد حلواني رئيسة “لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين” في حديثٍ لـ”المفكرة” أنّ جراحها وجراح أهالي مفقودي الحرب والمخفيين قسراً عادت لتنزف من جديد مع وقوع الإنفجار وتسجيل أعداد مفقودين جدد، “نحن أكثر ناس اليوم منفهم وجع أهالي مفقودي الإنفجار، لأن نحن منعرف شو يعني إنّك تضلّك ناطرة، إنّك تعيشي كل حياتك ناطرة شخص ما بتعرفي إذا رح يرجع أو لأ، نحن حياتنا كلّها عبارة عن نطرة”. تأسف حلواني لعدم قدرتهم كلجنة من رؤية ومقابلة أهالي مفقودي الانفجار قائلة: “نحن ما قدرنا نشوفهم لأن رح نزيد على وجعهم وجع، لأن ما رح نقدر نواسيهم”. ودعت حلواني الأهالي لتنظيم أنفسهم والتجمّع والتظاهر يومياً على أبواب منازل المسؤولين والجهات المعنيّة، حتى الوصول لمعرفة مصير أبنائهم أو استلام جثثهم أو حتى أشلاء منهم، “لازم يدفنوا موتاهم، عمليات البحث لازم تستمر”.

وفي حين أسفت حلواني من تعاطي الجهات المعنية المخجل مع ملف المفقودين، دعت إلى تطبيق المرسوم رقم 6570 والصادر بتاريخ 3-7-2020، والذي ينص على تشكيل “الهيئة الوطنية لأهالي المفقودين والمخفيين قسراً”، وهي هيئة مستقلّة هدفها الكشف عم مصير المفقودين. وتعتبر حلواني أنّه لو كانت هذه الهيئة موجودة اليوم لكانت على الأقلّ تكفّلت بتقصّي أثر مفقودي انفجار 4 آب.
المفكرة القانونية
14-10-2020


New Page 1