خواطر في عمر يتقدم :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


خواطر في عمر يتقدم

جميل مطر - على الطريق
15-10-2020
أعيش في عزلة أنا اخترتها ولا سبب ولا أحد دفعني إليها. شجعني موقع السكن المؤقت الذى انتقلت إليه على وعد العودة إلى الموقع الأصلي فور انتهاء أصحاب الأمر من ردم ما حفروا أمام بيت المهندسين وما حوله. سنوات مرت، هي بعمر ولاية دونالد ترامب إلا شهوراً. تبدو الآن هذه السنوات كما لو كانت في اضطرابها وهياجها على علاقة بقصة انعزالي وحكايات كوفيدــ19 وثورات شباب وحواديت سقوط عرب وصعود آخرين.

***

قالوا عني، وأنا شاب أدرس في الجامعة وشاب أعمل بالدبلوماسية وشاب أعمل بالتفكير والتحليل في صحيفة كبرى وشاب أساهم في انعاش العمل العربي المشترك وإدارة برنامج تقديم معونة فنية لدول إفريقية، وشاب مسؤول عن دور في دعم وتمثيل القضية الفلسطينية، ثم باحث وخبير في منتصف العمر، ومؤسس مركز بحثي في خريف العمر، وكاتب طول العمر، قالوا عني أنني لم أهتم يوماً اهتماماً زائداً بالتفاصيل. عشت تكفيني من التفاصيل ما يسد رمق فضولي، الذي لم يكن في أي يوم خاصية من أوائل خصائصي. أعترف الآن أن هذا النقص في تكويني المعرفي أضاع فرصاً كثيرة، وأنقذني في الوقت نفسه من ورطات كان يمكن أن تكون جارفة. أعترف أيضاً أن هذا النقص اختفى من حياتي يوم أصبحت إنساناً يعيش أياماً مثيرة في عمر متقدم. كل التفاصيل التي لم ألاحظها وأنا شاب أو رجل في متوسط العمر عادت في أيام وليالي العمر المتقدم تدق أبواب ذاكرتي وتنضم دون استئذان إلى مخزون هذه الذاكرة. قصص عشت أحافظ عليها عقوداً عديدة صارت فجأة بعد انضمام المخزون ملاحم وسرديات وكنوزاً معلوماتية ووقائع صمود أو استسلام أو عشق كان الظن أنه دفين. الذكريات بشكلها الجديد حلت بدون استئذان محل ذكريات بقيت، ولكن بما إنها خالية من التفاصيل، بقيت بالية وفي أحسن الأحوال باردة وغير مشبعة.


***

أيتها المجتمعات المحافظة أنا شاهد على تفاصيل ما تمارسين بعيداً عن عيون المتطفلين. حضرت وأنا صغير بالخطأ أو بالتنصت جلسات لكبار السن جرى فيها بالكلمات الصريحة ما لم أكن أسمعه في بيوتنا من أهلنا وأقاربنا الأصغر سناً. كلمات من هذه الكلمات عادت اليوم تطل من نافذة الانفتاح في دنيا الذكريات. أثارت فضولي دائماً وأنا شاب هواية يمارسها الكبار جداً في السن من الرجال في جلسات السمر، هواية الحديث بلغة الإباحيات. من هؤلاء رجال كانوا يحرمون علينا ونحن في سن المراهقة والشباب النطق بها ويا ويل من يعود من الشارع مع كلمة من هذه الكلمات يسأل في البيت عن معناها. أذكر الآن كيف أن أبي المحافظ غالباً وسليل شجرة محافظين، كان يأخذني معه إلى الحلاق أو إلى القهوة على ناصية شارعنا المنتهي عند شارع الترام. هناك في القهوة أو عند حلاق الحي كان الكبار جداً يتلاقون مع أولادهم وبخاصة من استحق منهم التزيين أو التنزه مكافأة أو واجباً. الآن، الآن فقط، تستعيد ذاكرتي هذا الكم الهائل من كلمات كان الظن أن لسان أبي أو لسان جدي يعف عن النطق بها. سمعتهم وأنا طفل لا أفهم وأستعيدها اليوم وأنا كبير السن مثلهم، بل وأكبر، وسمعتهم وأذكر جيداً أن لا وجه من وجوه وجهاء الحاضرين احمر مرة واحدة على طول جلسات عند حلاق الحي أو سهرات في بيوت صديقات وأصدقاء لهم. سمعت في بيروت وصنعاء وفي تونس رجالاً تقدم بهم العمر يتقارعون شعراً إباحياً وكلهم من علية القوم المشهود لهم بالعقل المحافظ سياسياً ودينياً وسلوكياً، نعم مشهود لهم على الأقل في العلن.


***

عدت أخيراً إلى حافظة أوراقي للتأكد من معلومة في لقاء مع مسؤول أجنبي كبير. جرى اللقاء قبل أربعين عاماً. وجدت ما أردت وبدأت أطوي الصفحة. فجأة توقفت. عدت إلى الصفحة. قرأتها مرتين وثلاثاً. يا للهول. وجدت القلم يسابق الأفكار ليسجل تفاصيل أخرى عن اللقاء لم ترد في النص الأول. سجلت معلومات ما كان يجدر بي وأنا الحريص دائماً على ألا أتجاهلها أو أدعها تسقط من قلم أثق في أنه لم يتهور على امتداد عهود صحبتنا. لم أغضب وأنا أقرأ ما فاتني تسجيله من معلومات قد تهم من كلفني باللقاء. إنما غضبت لهذا الكم من التفاصيل غير المسجلة من معلومات ظلت محبوسة في خزانة الذكريات.


***

نحن، أقصد المتقدمين كثيراً في العمر، متهمون بأننا ننسى أين تركنا نظاراتنا ومفاتيح سياراتنا والكتاب الذي كنا نقرأ فيه أو نتصفحه، ومتهمون بأننا ننام والتلفزيون مسموع ومضاء مثل نصف أضواء البيت، وبأننا نحرق أكلات نتجرأ ونحاول طبخها. صديق لي شكته لي زوجته وهي بالمناسبة ليست أصغر منه بكثير، تتهمه بأنه يترك محدثيه على الموبايل، ينسى أنه كان يحادثهم ولا يعود إليهم. أسمع الشكوى ساخراً فالخلافات العائلية في هذا السن المتقدم أشد هولاً من خلافات السن الأصغر. سمعت زوجاً يسخر من زوجته المصابة بالفيروس القاتل وحين انتقل إليه اتهمها بأنها دسته له في الطعام. صديقي هذا متعلم ويحمل شهادات أعلى من العادية ويجالس التلفزيون أكثر من مجالسته الزوجة، رفيقة العمر!. أخشى أن تكون المودة والمحبة قد صارت الآن على الطريق الذي سلكته قبلها أفواج السلوكيات المندثرة. لم يعودا وسام الشيخوخة كما ادعى الأسبقون.


***

لا أخفي أنني مستمتع باكتشافي. إذ لا يمر يوم إلا واتعرف على تفاصيل أخفتها عني سنين الشباب ومشاغل الحياة. ما زلت أصر، رغم عديد المشكلات العادية، أنني أعيش في هذه السن المتقدمة أحلى أيام العمر.


New Page 1