بايبود 2020: أجساد ترقص مذبوحةً من الألم! :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


بايبود 2020: أجساد ترقص مذبوحةً من الألم!

خليل الحاج علي
25-11-2020
يغيب «مهرجان بيروت الدولي للرقص المعاصر- بايبود 2020» عن لبنان، رغم أنّه انطلق بهدف جعل بيروت عاصمة عربية للرقص المعاصر. الدورة السادسة عشرة التي تنطلق اليوم، استثنائية على مختلف الصعد جراء وباء كوفيد 19 والأزمات المتلاحقة. هذا العام، يهجر الراقصون خشبات مسارح بيروت، لتُقام عروض المهرجان عبر تقنية البثّ المباشر. فكيف انعكست المتغيّرات التي يشهدها العالم على المهرجان؟ وماذا يحمل برنامج هذه الدورة؟ وكيف يؤثر التمازج الفني العالمي على عمل القيّمين؟

يحدث للمدينة أن تُدمر، ولسكانها أن يموتوا تحت الركام، ولشوارعها وأزقتها التراثية أن تُهدم، ولمسارحها أن تُسدل ستائرها وتُعلق العروضُ فيها. يحدث للمدينة أن يهجرها فنانوها وممثلوها وراقصوها بأجساد متعبة، متهالكة، منهكة، مدمرة، مثقلة، محطمة. يعبرون الحدود، ويخلّفون كل شيء وراءهم. يحدث لبيروت أن تعيش كل هذا الأسى من قتل ودمار وهجرة، فيما يبقى سياسيوها كـ «فرناندو» حاكم إسبانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، يقتلون لوركا الشاعر والكاتب المسرحي ليلة اندلاع الحرب، أو ينفون الكتاب والفنانين والمثقفين والممثلين والراقصين لاحقاً. هكذا، يطلّ «مهرجان بيروت الدولي للرقص المعاصر» من ليون الفرنسية، حيث يقيم مديرا المهرجان عمر راجح وميا حبيس، وسط مشاركة واسعة لراقصين من مختلف دول العالم كما لبنان. وبذلك، سيكون لبنان كما العالم، على موعد مع المهرجان من دول عدة.

الرقص أم الموت؟
في سابقة من نوعها، سيُقام المهرجان هذا العام، عبر تقنية البثّ الحي بواسطة منصة citerne.live بدءاً من اليوم لغاية الأول من كانون الأول (ديسمبر) المقبل. يستضيف عروضاً من مسارح بيروت، جنيف، مدريد، برلين، تولوز وطهران، تحت عنوان Local Cities, Global Bodies، بعدما أخذ المهرجان من خشبة «سيتيرن بيروت» (الكرنتينا) في الدورة السابقة منصةً لاستضافة الفنانين. لكن اليوم، وبفعل غياب الدعم والأزمات في البلد، تم تفكيك مسرح «سيتيرن بيروت» وتجهيزاته وربما سيتم شحنه إلى ألمانيا، بعدما كان مقرراً أن يبقى ملتقى للفنانين والراقصين والعازفين، وفضاءً مسرحياً حراً. يقول عمر راجح مؤسس «فرقة مقامات للرقص» ومهرجان «بايبود» إنه مع إنشاء «سيتيرن بيروت» في عام 2019، جاءته فكرة أن ينحو المسرح باتجاه العروض الافتراصية المصورة، ويُبث عبر شبكة الإنترنت. اليوم، فرضت الظروف نفسها وتحول «سيترين لايف» إلى فكرة حية، إذ سيتمكن المتفرج من أي مكان في العالم، من حجز تذكرة له «أونلاين» (يورو واحد فقط) إذا سمحت له أنظمة المصارف اللبنانية بدفعها. وفي حال عدم ذلك، يؤكد راجح أن بإمكان الجمهور التواصل مع القيمين على المهرجان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لإعطائهم الفرصة لمشاهدة العروض.

المهرجان الذي استضاف حوالى ألفي راقص وكوريغراف عبر السنوات الماضية، وقدم أكثر من تسعين عرضاً لمصممين من مختلف دول العالم، وأنتج حوالى 41 عرضاً، لن يتمكّن الجمهور من حضوره شخصياً، لا قبلات، لا مدعوين، لا شباك تذاكر، لا مقاعد ممتلئة، لا لحظات صمت تسود الفضاء المسرحي إيذاناً ببدء العرض. لكن سيتسنّى للجمهور أن يشاهد عرض الافتتاح الذي سيبثّ من جنيف، داخل بيوت بيروت، ومن على سطوح سنغافورة، وأحزمة بكين، وأحياء طهران، وشوارع مدريد... سيتسنى له مشاهدة العروض «لايف» في اللحظة نفسها، وسماع أنفاس الراقصين المتعبة، ورؤية أجسادهم التي تطفو في فضاء المسرح وتسبح أمام مخيلتهم، في لحظة موحّدة تعبث في نفوس المتفرجين رغبات وأفكار وتساؤلات.
الإصرار على إقامة المهرجان يحمل بحدّ ذاته أبعاداً سياسية، تعزز فكرة البقاء والاستمرار واستكمال صيرورة الحياة، والمضي قدماً نحو التغيير من خلال العمل وفق ما يؤكد راجح الذي يضيف: «كان بإمكاننا عبر السنين الماضية أن نجلس منتظرين دعم وزارة أو نقابة، لكن ما قمنا به هو أننا وضعنا نصب أعيننا رؤية محدّدة، وعملنا باتجاهها. واليوم يتم استكمالها من فرنسا، ليبقى الرقص لغةً تعيد تركيب الأجساد من الثقافات كافة». ويشير إلى أن رؤية المهرجان كما فرقة «مقامات»، مستقاة من التراث لتجسيده في قوالب معاصرة على مستوى الرقص، فالمهرجان كرّم في دورات سابقة عبد الحليم كركلا، كما معلّمة الرقص المعاصر الألمانية الراحلة بينا باوش، ما يعزز فكرة الحداثة والتراث. وبالتالي، فإن توجه المسرح صوب تقنيات البث المباشر والعالم الرقمي، يعدّ بحد ذاته توجهاً جديداً في عالم الفن. فهل من الممكن أن يتبدل المسرح؟ يجيب راجح في هذا الإطار «إننا بالفعل مقبلون على عالم آخر في العروض، فإما ندمر كل الموروثات في الفن، وإما نبني على ما هو قائم حالياً».

برنامج العروض
هكذا يريد عمر راجح هذا العام، الاستمرار في الرقص رغم الحطام الذي أصاب كل شيء بما فيها الأجساد، وطرح إشكاليات عن علاقة الجسد بالأزمات والكوارث، والسؤال عن المفاهيم الجندرية والإيكولوجية، وحول سقوط الفرد ثم التجدد، كما الحياة الروتينية، والأساطير التي تولد معنا ونعيشها، وتأثير الإعلام. عروض هذا العام، تشكّل منطلقاً لكل هذه المفاهيم، ضمن أجندة حافلة. لقد تم اختيار الفنانين لهذه الدورة، وفق معايير الانفتاح على توجهات الراقص وخصوصيته. لذلك، يحمل المهرجان موضوعاً أو تيمة Architecture Of A Ruin Body أو «أسلوب بناء الأجساد المحطمة». بالإضافة إلى عروض الرقص المعاصر، ستُقام ورشات عمل، وحوارات، وعروض أفلام «أونلاين».
ليلة الافتتاح (اليوم ــ س: 20:00 بتوقيت بيروت)، سيكون الجمهور على موعد مع فرقة Cie Alias السويسرية وعرض Normal الذي يطرح فكرة الحياة الروتينية وما تختزنه من مراحل السقوط والتجديد. قبل ذلك، ستسبق العرض كلمة، يوجهها مديرا المهرجان ميا حبيس وعمر راجح، تنضم إليهما الراقصة بيجي أوليسلاجرز، التي ساهمت مع عمر وميا في وضع خطة وتوجهات هذه الدورة، ويرافقهم أيضاً 11 ضيفاً مشاركاً في المهرجان، سيتشاركون مخاوفهم بشأن الثقافة والمجتمع والرقص والعلاقات الإنسانية.
أما في السادس والعشرين (س:20:00)، فسيبثّ من طهران عرض عازي دهاقه بعنوان Maha. يقوم الأخير على إحدى الأساطير الفارسية التي تعتبرها الراقصة ما زالت موجودة في نفوس البشر حتى اليوم. تعتبر الراقصة الإيرانية أن الحياة تتحول دوماً من أصغر الأمور إلى أكبرها، من أصغر فيروس إلى أكبر انفجار هائل، تتبدل دوماً لتسرق الاستقرار والسكون وتحوّل البشر إلى مخلوقات غير مألوفة. بعد العرض، ستكون هناك حلقة نقاش بعنوان Cartes Sur Table تطرح طبيعة العلاقات هذه الأيام.
في ثالث ليلة (27/ 11 ــ س:20:00)، سنكون على موعد مع عرض Press. بحسب مدير العرض بيار ريغال، فإن الصحافة تتلاعب بصورة الإنسان المعاصر في تفاهتها الهائلة، وفي تعقيدها الغامض في آن.
أما في الليلة التالية (28/11 ـ س: 20:00)، فنشاهد Manufacture Sérielle الذي ستقدمه مجموعة فنانين وراقصين من برلين، ويتناول فكرة افتراضية تجيب عن سؤال «ماذا لو سافرنا إلى بيروت؟». في التاسع والعشرين، ستقام جلسة تناقش «تيمة» أو موضوع المهرجان تحت عنوان «بناء الجسد المحطم»، وموضوع تعليم الرقص في لبنان مع نادرة عساف وآخرين. يفتح النقاش نافذة على أساليب الإلهام والتحفيز والسير نحو إمكانيات جديدة في المستقبل. وسيركز للإجابة على «استجواب الجسد في لحظات الأزمات والكوارث، والتشكيك في الاحتمالات المتبقية، ونقاط الضعف، والمرونة، أو التمرد»، يليها العرض الراقص Oecumene.

ولأنّ المحور هو بيروت، يُختتم المهرجان مع راقصين لبنانيين هما يارا بستاني وخنسا. تستكشف يارا من خلال عرضها Noctilūca (30/11 ــــ س:20:00) إمكانية إعادة الاستيلاء على طبقة من الحياة البرية على سطح الأرض، عبر تكوين مجتمع منضبط، من خلال قوة الحياة وشرارات الديناميكية تخترق الراقصة اللبنانية المجهول، لتلتقي بجسدها مرة أخرى.
الراقص خنسا يقدّم في الأول من كانون الأول عرضه Oyunu المستوحى من ثقافة الكوتشيك المحظورة التي ازدهرت من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر مع في «حريم» القصور العثمانية. يخوض خنسا من خلال عيون راقص ذكر تجربة موسيقية تتميز بالأغاني التقليدية والموسيقى الإلكترونية والرقص الشرقي، ويستكشف موضوعات مثيرة للجدل: الذكورة، والمثلية الجنسية والإسلام.
من الأفلام الوثائقية على خارطة المهرجان، هناك وثائقي Be Sideways حيث يشكل عشرات الراقصين المعاصرين من سوريا وفلسطين والأردن وتونس ومصر وإيران ولبنان والمغرب فريق عمل يقوم بجولة فيلم تبدأ من جبال الشوف، مروراً بعمان ورام الله وتنتهي في القدس. كما سيُعرض فيلم «المتوسط» لطلال خوري.
موجة التغييرات التي أصابت العالم، انعكست على الأعمال المشاركة هذا العام. الأكيد أن هناك جديداً سيقدم للمتفرج هذه المرة، فكيف ستكون تجربة العرض الراقص أونلاين؟ وهل سيُبنى على هذه التجربة في زمن الجائحة، مما يكرّس مفهوماً جديداً للعروض في هذا الزمن ويعزز فرص الراقصين لنشر ثقافتهم على مستوى العالم؟ أسئلة ستجيب عنها التجربة.


مشروع جديد
انتقل مؤسس فرقة «مقامات» عمر راجح هذا العام إلى مدينة ليون الفرنسية، بهدف تطوير المشاريع الإبداعية والثقافية الفنية. الفرقة التي أسسها الكوريغراف اللبناني عام 2002 في بيروت، أبصرت النور بهدف تعزيز مفاهيم الرقص المعاصر في لبنان والمنطقة. بالإضافة إلى إنشائها BIPOD-Beirut International Platform of Dance، وTakween وهو برنامج تدريبي مكثّف، أنشأت «ملتقى ليمون» وهي منصة عرض تدعم الفنانين من مختلف البلدان العربية.
بعد الانتقال إلى فرنسا، يؤكد راجح حجم الفروقات بين البلدين على المستوى الفني: «هناك أزمة مسرح في لبنان»، مضيفاً بأنّ حجم الاهتمام من قبل المعنيين في فرنسا كبير جداً، ليس هناك مجال للمقارنة. في ما يخص الأعمال المقبلة، يخوض عمر راجح تجربة راقصة جديدة، سيكون محورها فلسفة الحب، مستنداً إلى أشعار الصوفي جلال الدين الرومي، وسترافقه في العرض الفنانة المغربية غالية بن علي، كما يقوم أيضاً في الموازة، بالتحضير لعرض صولو راقص. «نحن محكومون بالفعل والتغيير والحلم، علينا أن نعمل على تفكيك الأجساد، وجعلها مركبة مع بعضها البعض» هكذا يختم راجح. في «بايبود 2020»، سنتفرج على أجساد محطمة ترقص، لكن لا خيار أمامها سوى الاستمرار.

* «مهرجان بيروت الدولي للرقص المعاصر- بايبود 2020»: بدءاً من اليوم حتى 1 كانون الأول (ديسمبر) ـــ عبر منصة citerne.live


New Page 1