أريد هذا الرجل-جميل مطر :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


أريد هذا الرجل-جميل مطر

على الطريق- جميل مطر
25-11-2020
وعدتني أنك لن تنهرني إذا تجاوزت في الكلام، ولن تقاطعني إذا تماديت في طلب ما أريد، ولن تمنعني إذا عبرت حدودا بدون استئذان، ولن تشمت أو تغضب إن عدت إليك بخدوش تنزف ودموع تسيل بعد يوم أو ليلة عراك مع أسوار شائكة. أذكر حرفا بعد حرف من فقرة بعد الأخرى في كتاب النصائح، هذا الكتاب الذي تداولناه فيما بيننا بنات وبنين العشرين في العمر، في السر ثم في العلن. خشيت، مثل كثيرات غيري، أن يفضحني احمرار وجهي في القراءة الأولى فحملته ملفوفا في حرير وتسللنا معا إلى فراش أعددته للمناسبة. أنا، ابنة الأصول والتقاليد، تصطحب في الليل كتاب نصائح وإرشادات كان الأول في حياتي ولم أكن الأولى التي أفلحت في استدراجه. كان من نواحي عديدة الأول بامتياز. لا أذكر أن أصابعي ارتعشت وهي تقلب صفحات في أي كتاب منذ علموني كيف أمسك كتابا وأقلب صفحاته حتى أمسكت بهذا الكتاب. لن أنسى ما حييت لحظات قراءة الصفحة الأولى وها هي أصابعي، رغم مرور العقود العديدة، ما تزال ترتعش وأنا أقترب من نهاية الصفحة رقم الألف لأنتقل منها إلى الصفحة رقم الواحدة بعد الألف.

***

عاش أقرانك من الرجال حياة كاملة يحذرونني من رجال آخرين، بل من كل الرجال. لم أسمع مرة عبارة واحدة يمتدح بها أمامي رجل رجلا آخر، فما بالك وقد رآني أتأهب ليقترب مني هذا الرجل الآخر، أو سمعنا نخطط لنشترك في قراءة أو كتابة أو نسافر بعيدا أو نلعب سويا الشطرنج أو رآنا ننتحي ركنا في مقهى نتسلى بالسودوكو والكلمات المتقاطعة. احذريه يا فتاة. بالمناسبة أنا دائما بالنسبة للرجال فتاة مهما بلغت من العمر وأنجبت من أطفال، احذريه يا بنوتة، إنه الخطر الداهم. كلماته دائما معسولة وما أنت في فهمه سوى كائن من كائنات زاحفة جاهزة للالتصاق واللدغ فور تذوق رائحة العسل النفاذة وطعمه الذي لا يقارن في لذته وقوته. ويتوالى التحذير. هل غابت عنك خيامه التي يحملها على ظهره ليفردها على أرضك في اللحظة التي يقرر عندها أنه استلم من ناحيتك رسالة استسلام. لن يهدأ له بال حتى تنزلين ضيفا على مضاربه. هناك يعرض مهاراته في ركوب الخيل والقنص أو التفوق على شهرزاد في سرد الروايات أو امتشاق الحسام وافتعال صراعات مع بني جنسه هو فيها الفائز حتما. يأتي إليك بالدرع والوشاح لتوقعين عليهما أو تمرين بشفتيك على أي منهما. ومن حيث تكونين ينطلق ركضا بين الخيام مزهوا وناثرا بعض عطر انتقل بالشفاه من الصيد الثمين إلى الفارس المغوار. قالوا لنا عن الرجال إنهم نوعان، نوع وهو قليل يقنع بوقوع الصيد في شباكه يمتع به النظر أو يكسب من وراء عرض صيده إضافة ثمينة في رصيد قوته الرخوة. النوع الآخر لن يقبل بأقل من تسجيل الصيد ملكا خاصا يفعل به ما شاء فعله. لا فرق ملحوظا بين مالك رحيم ومالك قاس، كلاهما متطلع لافتراس صيد يبدو على البعد وقبل اللمس عنيدا.

***

أخطأتم يا سادة حين أسبغتم على علاقة لا أحلى منها صفات من صنع خيالات مريضة. أسأتم لسمعة أقرانكم من الرجال من أجل تعزيز احتكاركم للنساء. النتيجة، أقولها صراحة وبأعلى صوت، لم تحتكروا إلا أقل النساء. أنا أدرى منكم بالنساء. أنا واحدة منهن. لن أبالغ فأزعم أنني أتحدث في هذه الرسالة باسمهن. أنا هنا لأحكي حكايتي. حكاية تخصني وحدي، ولن أحكيها لغيرك.

***

أكتب لك وإلى جانبي رجل. تعرفت عليه قبل أسبوعين في حفل تضامن. ارتحت إلى أفكاره وإلى جوانب في شخصيته. وجدته جذابا في حديثه وراق لي ملبسه وبعض طباعه. دعوته ليقضي معى عطلة نهاية الأسبوع وليحتفل معي ببلوغي الخامسة والسبعين من عمري. أرتاح لوجوده معي في يوم تاريخي. كم أكره هذا الوصف الذي يطلقونه على أحداث سياسية تافهة لن يتوقف عندها التاريخ حتى وإن صار لعبة يلهو بها الصغار أو مجرد سرديات خلت من محطات كبرى. لكن أعرف أنك قد تتفق معي في أنه بالنسبة لي يوم تاريخي. كم ربع قرن يمر في حياة أي منا؟. أستطيع أن أقول لك وللرجل الجالس بجواري أنني عشت ثلاثة أرباع القرن كما يجب أن يعيش الإنسان. عشتها كلها، أو أغلبها إن شئت الحق صافيا، عشتها في حب لا ينقطع. لا أذكر يوما عشته لم يظلله حب. أسأل النفس كل صباح هل ضقت بحب الأمس أم ضاق بي حتى تراني أسعى مع انبلاج الفجر سعيا شغوفا وواثقا نحو حب جديد يسعني ويحتويني في آن؟. مرات ومرات تقدمت بعرض زواج على رجل أو آخر لم أشعر في مرة واحدة منها برهبة أو تردد أو حتى حياء. لم أفقد ذرة من أنوثتي في أي مرة عرضت على رجل ارتحت إليه شراكة في علاقة حب. أظن أنك توقفت عن القراءة لتتأمل في وقع كلماتي عليك. أعود فأؤكد إمعانا في محاصرتك من كافة النواحي، أؤكد أنني لا أخلط بين علاقات الصداقة وعلاقات الحب، أنا أتحدث عن إقامة علاقات حب، فأنا أعرف تماما الفرق بين الحب والصداقة. عرفت الفرق وأنا ابنة العشرين وأحترمه وأنا “ابنة” الخمسة وسبعين.

أسمعكم ساخرة تعدون النساء للاشتراك في مواكب الدعوة إلى تحقيق المساواة بين الجنسين. أظن أنكم لا تعلمون. أنا وكثيرات سبقنا المواكب فتساوينا بالرجال في قطاع واحد على الأقل، وهو في رأيي أهم القطاعات. لم ننتظر الإرشادات. ولم نقف مع الواقفات المترددات. خائفات أن يفقدن مزايا اللامساواة في طلب الحب مثلا من أجل مساواة على الورق أمام القانون وغيره من الشرائع. بعض قادة الرجال يرصدون ويترصدون. كثيرون أعرفهم وأنت تعرفهم مثلي يتعاملون بمنتهى الرضا مع أنواع شتى من المساواة خارج المؤسسات والنظام السياسي والشرائع والقوانين، من هذه الأنواع، أو في صدارتها، المساواة في الحب، المساواة في طلبه والمساواة في عرضه. حاول كثيرون، ومنهم أهلك وأهلي، تحريم السعي لتحقيق هذه المساواة حين نشروا بين النساء روايات عن “فزاعة” الرجال ونشروا بين الرجال أساطير وخرافات عن “فزاعة” النساء. وفي النهاية انتصر الحب ولكن خارج كل الأطر. أنا أحد الشهود.

***

أعرف فيما تفكر. أنا لست واحدة من بنات خيالك أو خيال غيرك. أنا حقيقة. مؤكد أننا التقينا بالصدفة فكلانا نتحرك داخل دائرة واحدة. يكاد العمر يجمعنا وكذلك الاهتمامات الفكرية. أنا مدينة لك بالكثير.. ولن أفصح.


New Page 1