خليل المتبولي : ثقافة جمال عبد الناصر :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


خليل المتبولي : ثقافة جمال عبد الناصر

بقلم : خليل ابراهيم المتبولي
15-01-2021


ولد جمال عبد الناصر يوم 15 يناير/كانون الثاني 1918 ، لأسرة من عامة الشعب تعود جذورها إلى بلدة بني مر بمحافظة أسيوط . نشأ عبد الناصر وتعلم في الإسكندرية والقاهرة، والتحق بالكلية الحربية عام 1937، وشهدت سنوات دراسته المبكرة علاقة تنافر ومواجهة مع مدرسيه البريطانيين . تخرج جمال عبد الناصر ضابطا عام 1938 وعيّن في سلاح المشاة في أسيوط والإسكندرية، وعمل في السودان قبل تعيينه مدرسا في كلية الأركان . آمن عبد الناصر بالقومية العربية وعمل على ترويج مبادئ الوحدة العربية . أصبح رئيسًا لجمهورية مصر العربية بعد ثورة الضباط الأحرار والإنقلاب على حكم الملك .
في ذكرى ميلاده المئة والثلاثة ، نرى أن مقولاته وأفكاره ما زالت ترتفع في الميادين والساحات ، وكأنه الملهم الأول والقائد الأوحد للثورات ، كان عبد الناصر يرى الثقافة من منظور راق ،لقد كان يعطيها اهتمامًا حقيقيًا، كان مثقفًا من الطراز الأول ، وثقافته هذه لعبت دورًا في تكوين زعامته ، وشكّلت روحه وعقله ومنهجه في التفكير ، رغم عسكريته الصارمة فإنه كان يتابع بدقة المشهد السياسي العالمي ، وكان ذا معرفة طيبة بالأدب والثقافة والفن ، وهذه الثقافة هي التي وجّهت خطى عبد الناصر وخطابه السياسي والفكري .
كان يكتب المقالات العديدة في مجلة (التحرير ) التي صدرت في منتصف أيلول من العام 1952 ، والمقالات كانت بعنوان " كيف دبّرنا الإنقلاب " ومن بعدها جاءت مقالات عدّة ثبّتت وجوده وكيانه الثقافي ، وفي سنة 1954 أصدر كتاب " فلسفة الثورة " وهو ليس تاريخًا للثورة ، بقدر ما هو تأمّل عميق في المسارات السياسية والفكرية والاجتماعية التي من أجلها تقوم الثورات ، وتطرق أيضًا فيه إلى أمور خاصة بتكوين حركة الضباط الأحرار ، والحوارات التي كانت تدور بينهم ، والمؤثرات الكثيرة التي ساعدت على نقل رؤيته السياسية والثقافية .
في فترة صعود عبد الناصر وفي سنواته الأولى اختار إلى جانبه أناسًا قادوا العمل الثقافي باحتراف ومسؤولية لتثبيت مكانته الثقافية ، لقد أُصدر العديد من المجلات الثقافية التي كانت على مستوى عال من الإتقان والحرفية ، وعلى رأس هذه المجلات مجلة "الرسالة الجديدة" التي كان يرأس تحريرها يوسف السباعي ، وكتب فيها شباب وشيوخ مثل محمود أمين ، محمد مندور ، توفيق الحكيم ، أنيس منصور ، نجيب سرور أحمد عبد المعطي حجازي ، عبد الرحمان الشرقاوي ، أحمد حسن الزيات ، محمد حسين هيكل ، صبري موسى وغيرهم . ثم كانت هناك مجلات مستقلة ، ودور نشر خاصة مثل دار الفكر ودار النديم ، ودار الديمقراطية ودار إيزيس ، وكانت جريدة الجمهورية التي صدرت في عهد الثورة تعطي مساحة واهتمامًا بالغًا بالثقافة ، وكانت تصدر ملحقًا منفصلًا للثقافة يكتب فيه أعلام ، وعل رأسهم الكاتب الكبير الدكتور طه حسين ، ثم في العام 1956 صدرت جريدة "المساء" برئاسة تحرير خالد محي الدين ، ومجلة "صباح الخير" التي رأس تحريرها الكاتب الشاب أحمد بهاء الدين ، وفي هذين الإصدارين شهدت مصر حراكًا ثقافيًا لم تعرف له مثيل من قبل ، وممكن حتى من بعد أيضًا .

في ظل المرحلة الناصرية تنفّست اقلام كثيرة ، ونشأت مؤسسات ثقافية كبرى ، وارتقت الحركة المسرحية بشكل كبير ، وكان هناك كتّاب كبار مثل نعمان عاشور وألفريد فرج ، وسعد الدين وهبة ، وميخائيل رومان وصلاح عبد الصبور وغيرهم . وأنجبت هذه المرحلة الجيل الذي أعطى وصاغ حركة إبداعية في الشعر والقصة والرواية والنقد امثال بهاء طاهر ، جمال الغيطاني ، يوسف القعيد ، عبد الحكيم قاسم ،محمد روميش صنع الله ابراهيم ، أمل دنقل ومحمد عفيفي مطر ، والقائمة تطول وتتنوع .
رغم هذا الإنفتاح الثقافي إلا أنه كان هناك تضيّق نوعًا ما على بعض الكتاب والمثقفين ، وكان يحصل من غير علم جمال عبد الناصر ، ولم يكن له دخل بذلك ، لأنه الذي يتتبع تاريخ عبد الناصر في تكوينه الفكري والثقافي ، ويتعرف على علاقته بالثقافة والمثقفين ، يدرك أنه كان يعتمد طوال الوقت على مستشارين ، وهناك شهادات كثيرة كتبها كتّاب ومفكرون ونقاد وساسة على درجات رفيعة من الاحترام تشهد على البُعد الديمقراطي الذي كان يتمتع به عبد الناصر ، وعن علاقته بالثقافة وأحلامه في ثقافة راقية ومتحضرة .
صيدا 15/1/2021


New Page 1