"إذا ما شلنا الخرا بإيدينا ما حنعرف نعيش" صرخت إمرأة لبنانية بوجه شعبها :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


"إذا ما شلنا الخرا بإيدينا ما حنعرف نعيش" صرخت إمرأة لبنانية بوجه شعبها

غسان صليبي
21-02-2021
رصدت الصحف منذ يومين حوارا بين إمرأة ورجل امام قصر العدل خلال اعتصام نظمه أهالي ضحايا إنفجار المرفأ، احتجاجا على كف يد القاضي صوان عن القضية، من قبل محكمة التمييز الجزائية.

اقتطفُ بعض المقاطع من هذا الحوار لأعلق عليه لاحقا:
- المرأة وهي تصرخ بتأثر شديد: مش رح انطر حتى افقد اعز الناس على قلبي واحمل صورهم وامشي بالشوارع عم فتش علين..انا بدي آخدلن حقن...شو بعدنا ناطرين؟ ...انت هالشعب النايم أيمتى رح تفيق؟...حتى يوصل الانفجار على بيتك؟
- الرجل بهدوء وهو يضمها الى صدره: روقي ما حدن رح يحس..
المرأة: ما بدي روق اذا منروق من موت، اذا منسكت منموت..
- رجل آخر: الشعب فقد الأمل..
- المرأة: طالما أنا قاعدي بالبيت ما رح أوصل على شي..لازم انزل عالارض واعمل اللي لازم اعملو حتى ابني بلد جديد..انا مش خايفي من شي. طالما الواحد ما عندو شي يخصرو ما بخاف من شي..

- المرأة : عايشين بأخرا مطرح...اذا ما شلنا الخرا بإيدينا ما حنعرف نعيش
- الرجل : ما حنعيش...خلص...خلصت

في الحوار كلام يشبه ما يتبادله اللبنانيون خلال أزمتهم الكبيرة، وخاصة المنتفضون منهم. وفيه أيضا كلام بدا لي مميزا.

إختلفت طريقة التعبير بين الرجل والمرأة. الانفعال من جهة والهدوء من جهة أخرى. لا اريد ان أتسرع واستنتج فروقات بين الجنسين في طريقة مواجهة الازمة، لكني اتساءل حول هذه الفروقات الفاقعة والتي أكدت عليها مداخلات رجال آخرون كانوا حاضرين. وقد ذكّرني ذلك بردود فعل ام واب أثناء تقبل التعازي بمقتل ابنهما بإالانفجار . فالام راحت تشتم المسؤولين، كل المسؤولين وامام الاعلام، فيما بدا الاب مرتبكا وكأنه لا زال تحت الصدمة، كما انه تفادى توجيه الاتهامات. هل الامر كذلك، لأن المرأة عاطفية وعفوية اكثر من الرجل الذي يعقلن المسائل ويأخذ في الحسبان المصلحة المهنية والعلاقات الاجتماعية والسياسية؟ هل لأن الرجل والمرأة يعرفان ان القمع إذا حصل سيطال الرجل أكثر من المرأة؟ هل لأن المرأة هي الاكثر تضررا من نظام رأسمالي طائفي وذكوري، يميّز ضدها في العمل والسياسة والعائلة؟ هل من المبالغة ان نردد مجددا أن الثورة انثى؟

لم تختلف المرأة عن الرجل بطريقة التعبير فقط، بل بمضمونه ومدلولاته أيضا. فإنفعال المرأة صاحبه الامل او الدعوة اليه، في حين ان هدوء الرجل ترافق مع التأكيد على اليأس من أي محاولة لتغبير الاوضاع. وليس معروفا اذا كان الانفعال هو الذي استولد الامل، والهدوء هو الذي استولد اليأس، او اذا كانت العلاقة عكسية بين الامل والانفعال من جهة واليأس والهدوء من جهة ثانية.

اميل الى الاعتقاد ان العمل يولّد الامل، تماما كما أجابت المرأة الرجل عندما قال لها ان لا فائدة من صراخها وأن الشعب فقد الامل، مؤكدة انه على الناس النزول الى الشارع وعدم البقاء في بيوتهم اذا ارادوا أن يتفاءلوا بأي تغيير.

استذكر ما كتبتُه في نصين مختلفين حول الموضوع. في النص الاول بعنوان "ما العمل اذا انقطع الامل؟" تساءلت " الا يحوّل العمل ما هو موجود الى شيء آخر لم يكن موجودا، فلمَ لا يحوّل العمل اليأس الى امل؟...لا يتحكم العقل وحده بالامل، فالامل ابن الحركة كما هو ابن العقل...حب البقاء يخترع الامل من خلال العمل."

وفي النص الثاتي بعنوان "إمشِ"، كتبت: " قال احدهم "قل كلمتك وامشِ"، اي عندما تتجرأ امشِ ولا تبالِ. اقول أيضا "إذا مشيت فستقول كلمتك" اي عندما تمشي فستتجرأ. خطوات المواجهة تسير معك على وقع خطوات مشيتك."

على الارجح ان المرأة التي استند الى أقوالها في تأملاتي، ليست من بين أهالي ضحايا انفجار المرفأ، بل هي منتفضة متضامنة مع حركتهم. ذلك انها قالت انها لا تريد ان تنتظر الوقت الذي ستفقد فيه احد اعز الناس على قلبها حتى تتحرك.

ومن هذا الموقع، موقع المنتفضة، يبدو لي من كلامها، انها توجه ثلاثة نصائح الى شعبها الذي تدعوه الى العودة الى الشارع.

النصيحة الاولى انه يجب الا يخاف، فهي ليست خائفة طالما انه لم يعد لديها ما تخسره. لن اناقش الحجة التي تعطيها لتبرير عدم الخوف، فهي تقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه كارل ماركس، الذي كان يعتقد ان العمال سيثورون لانهم ليس لديهم ما يخسروه سوى قيودهم. فقد تبين ان الامر أكثر تعقيدا، ومنطق الخسارة اوسع مما اعتقده، وسيكولوجية العمال ووعيهم ليسا دائما عاملين مساعدين في الثورة. ما يهمني هنا ان المرأة تعتقد ان شعبها بات يخاف اليوم أكثر من الامس عندما كان ينتفض في الشوارع، وهي تدعوه الى الانتفاض على خوفه. أشاركها الاعتقاد ان حجم الترهيب وخطره اصبحا اكثر وضوحا واحتمالا.

النصيحة الثانية هي ان المواجهة يجب الا تكون متقطعة كما هي الآن بل مستمرة، "لأنه اذا منروق منموت، اذا منسكت منموت". " مش لازم نروق"، ليس فقط لان ذلك يخفف الضغط عن السلطة، بل لانه يقتلنا قهرا أيضا. عدم المواجهة هو موت محتم بالنسبة لها لسبب إضافي وهو انها تتوقع ان يصل الانفجار الى بيوتنا، إذا استمر سلوك السلطة على ما هو اليوم، من اهمال لشعبها وقمع متصاعد له.

النصيحة الثالثة والاهم بالنسبة لي، هي انه" إذا ماشلنا الخرا بإيدينا، مش رح نعرف نعيش". فبحسب المرأة نحن نعيش "بأخرا مطرح". هي لم تقل اننا في جهنم كما يعتقد رئيس جمهوريتها، بل بمكان قذر، واقذر من اي مكان آخر. وحتى نستطيع ان نعيش فيه لا بد ان نرفع هذه القذارة وبأيدينا.

اي انه يجب الا ننتظر من احد ان يرفع عنا هذه القذارة، لا السلطة في الداخل ولا الدول في الخارج، بل هذه مهمتنا نحن. لا استغرب من إمرأة ان تقول هذا الكلام، هي التي اختبرت بالتجربة، وعلى عكس الرجل، انه لا يمكن للام ان تربي ولدها ليكبر وينمو، الا اذا نظفت قفاه، مرات عدة في اليوم، وبيديها.

أعادني قول المرأة الى مسرحية سارتر " الايادي الوسخة"، حيث التساؤل ما إذا كان بالامكان النضال دون ان يوسّخ المناضلون أياديهم، بالعنف او بغيره من الاعمال الوسخة الأخرى.

لن اتكهن حول كافة مقاصد المرأة، لكني اتساءل عما قصدته عندما قالت" انا بدي آخدلن حقن"، بعد ان تقاعس القضاء عن القيام بواجباته.


New Page 1