مواسم المصالحة في الجامعة الوطنيّة :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


مواسم المصالحة في الجامعة الوطنيّة

المفكرة القانونية
03-03-2021
– “ألو”
– “أهلاً”
– “معك المعهد، الرّجاء الحضور غداً صباحاً في أبعد حدّ إلى الإدارة لإمضاء عقد المصالحة”
– “أوكي”
– “شكراً”
– “الشكر لكم”

هذه محادثة لثوانٍ تجري بين الحين والآخر، وبالأحرى مرّة في السنة، طالما السنوات تمرّ كـ”لفحة هواء”.

في جريدة “النهار” بتاريخ 18 كانون الأول 2021، نقرأ أنّ البطريرك الراعي يتمنّى من رئيس الجمهورية أخذ المبادرة بدعوة دولة الرئيس المكلّف عقد لقاء مصالحة شخصية تعيد الثقة بينهما… واضعين نصب أعينهما فقط المصلحة العامّة وخلاص لبنان… وفي “سبوتنيك العربية” يطالعنا خبر قبل أسبوعين من اليوم عن انطلاق مباحثات في القاهرة لعقد مصالحة بين محمود عباس والقيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان وتسعى الدوحة إلى احتضان الوساطة وهي أصلاً على خصومة شديدة مع القاهرة… وتذكر “وكالة الأناضول” في 24 شباط 2018 أنّ بعد الصراع بين قبيلتيّ “التبو” و”الزوية” في ليبيا الذي أدّى إلى إبادة جماعية، وقّع ممثّلون عن القبيلتين عقد مصالحة عقب لقاء استمرّ يومين في العاصمة التونسية برعاية بعثة الأمم المتحدة.

حسب المعجم، لكلمة “مصالحة” ثلاثة أصول فعلية صَلَحَ، وصَلُحَ وصَلّحَ، ٳلّا أنّ مصدرها المباشر “صالَحَ” أي أرسىَ قواعد جديدة بعد خصام ما أو حرب ما ليسود الوئام بعد المصالحة. هي عملية تجعل طرفين في نزاع يقبلون حلاً يرضي كليهما ويكون الوسيط بينهما طرف ثالث ليس طرفاً في النزاع. في كلمة “مصالحة” أيضاً اشتقاقات لفعل أصلَحَ أي: أزال العداوة بين “الناس”، وتأتي عكسها “أفسَدَ”.

ابتدعت الجامعة اللبنانية الوطنية في التسعينيّات كما العديد من الإدارات العامة بالتواطؤ مع الحكومات اللبنانية المتعاقبة، مبدأ عقد المصالحة بين الأساتذة الذين يتعاقدون مع الجامعة للتعليم بالساعة، ويتمّ التوقيع عليه من دون ذلك الطرف الثالث المذكور سابقاً. وعلى هذا الأساس يتمّ تجديد هذا العقد سنوياً ويتمّ تحويل أموال الأساتذة دفعة واحدة في السنة.

في لبنان تنصّ المادة 1035 من قانون الموجبات والعقود على أنّ عقد المصالحة هو عقد يحسم النزاع بين فريقين. وهو تسوية معتمدة لدفع المستحقّات نظراً لتعذّر اتّباع الأصول القانونية لتنفيذ النفقة المنصوص عليها في قانون المحاسبة. يقول كاتب في موقع “مون ليبان” سنة 2013 إنّ “هذه العقود هي هدر كبير للمال العام، وإن كانت من منافعها حسم النزاع بين الإدارة والمتعاملين معها بحيث تحول دون ضياع حقوق الأفراد في بعض الأحيان”، ويستطرد “بدون اتّباع الأصول القانونية للتلزيم”.

بالإضافة إلى “عقد المصالحة” الذي يفكّ النزاع، يُضاف إلى رصيد الأساتذة المتعاقدين مبدأ “التلزيم”. هي عبارة معتمدة وشائعة بكثرة في المهن الحرّة، وبخاصّة دعوة جهة ما لتنفيذ أعمال حرفية محدّدة، كتلزيم أعمال باطون في ورشة، أو نفض حمامات في منزل، أو التزام مأكولات لدعوة عشاء. ويعتمدها كذلك بعض الطلّاب والمهندسين في “تلزيم” مشاريعهم بشكل آنيّ ومحدّد لطرف خارجي يستطيع إنجاز المشروع لقاء بدل مالي متّفق عليه سلفاً.

عقود المصالحة بين مؤسسة الجامعة اللبنانية والأساتذة المتعاقدين إذاً هي اتفاقيات لحلّ نزاع مستَتِر وافتراضي لقاء “تلزيمات” أكاديمية يقوم بها الأساتذة في غياب طرف ثالث أو وسيط. تتجدّد هذه العملية سنة بعد سنة وبشكل ميكانيكي إلى أن تصبح مع الوقت الدعوة لإمضاء هذا العقد- القران بين المؤسسة وأساتذتها، عبارة عن طقس شعائري يبني عليه حاملو المعرفة والخبرة والشهادات العليا إما خارطة طريق للأيام الثلاث مائة وخمسة وستين المقبلة، وإما يبنون عليه أحلامهم والشروع في تنفيذها، وإما يوظّف للتقليل من همومهم المتراكمة… ذلك كان في الماضي القريب عندما كانت المكتسبات المادية تُدفع ككتلة واحدة وإن قضم منها التوقيفات، ولكنها كانت تصلح لشراء سيارة جديدة متوسطة النوعيّة. اليوم وبعد الانهيار المتصاعد للّيرة اللبنانية، يمكن لهذه المكتسبات أن تغطّي إلى أبعد حدّ شراء ستة عشر دولاباً للسيارة نفسها، ويمكن تغيير زيوتها وفراملها مع حسم من الورشة.

ٳذا كانت القبائل المتناحرة أو الفصائل المتحاربة بحاجة إلى وسيط له سلطة عُليا أو رمزية لٳرساء الهدنة. ففي هذه الحالة نحن أمام توازن قوى بين أطراف يمتلك كلّ طرف منها أدواته الحربية أو السياسية للمناورة أو البطش.

بين الأساتذة وازدواجية الدولة/الجامعة، لا يوجد وسيط ثالث. فالمسار المهني/الأكاديمي/القانوني للأستاذ الجامعي من خلال عقد المصالحة في أكبر وأشمل مؤسسة تعليميّة في لبنان ليس أكثر ما يدلّ على كونه مياوماً في وجه سلطة مطلقة، مطواعة القالب ومساميّة النظام. يتّسم القيّمون على تفريغ الأساتذة “المتصالحين” سنوياً معها بالبلاغة الكلامية ورمي أسباب التأخير والمراوحة والمراوغة إلى أسباب تصل أحياناً إلى أسباب جيولوجية ربما، أو كونية، يستحيل حلّها.

وتمرّ سنة أخرى ويرنّ التلفون اللّعين: “ألو!”

ما لا يدركه القيّمون أنّ ممارسة تمارين عقد المصالحة سنوياً، لها ميّزة واحدة فقط. أصبحت الجامعة الوطنيّة وفعل التعليم في الكيان الوجودي للأستاذ ولم تعد المؤسّسة منفصلة عنه، بمعنى آخر أنّ المتصالح يقوم بدوره كمدرّس ومعلّم وأستاذ ومربٍّ ويعلم باطناً أنّه لا يفعل ذلك لأنّ المستحقات المادية ستأتي في آخر كلّ شهر كما في أيّ عمل وأيّ وظيفة، ستأتي ذات يوم، لا يهمّ متى. هو تدريب يومي على التفاني الكلّي للمعلّم، فيه الكثير من التصوّف والزهد، ويشبه إلى حدّ ما اليوغا. أما للعيش واستمرارية الحياة الدنيا فعليه أن يؤمنّ دخلاً آخر، وتبقى الجامعة اللبنانية ومستحقّاتها في أركيولوجيا الذات.

الأساتذة أعلنوا إضرابهم عن التعليم وسيصعّدون لأنّ تفانيهم وتاريخهم انكشفا في وجه فراغ مخيف اختلقته الٳدارات، وزوال سنوات قد ولّت إلى غير رجعة. الامتناع عن التعليم بهذه العقود هو الامتناع عن سماع تلك النغمة السنوية ورفض للمصالحة كقاعدة لمكافأة تلزيمات المعلّم، فهو لم يعد قيد الاختبار ولا هو حقل بشري للتجارب الأكاديمية. في وحدة إضراب الأساتذة سقوط مدوٍّ لخطاب “التوازن” الكريه والمعيب والمخزي الذي يبحث في أصل وفصل وعرق المعلّم. الأساتذة يمتنعون عن التعليم اليوم وسيصعّدون لأنّهم أدركوا أنّنا في هاوية لا قعر لها، والاستمرار في الهبوط هو بداية حتميّة للدخول في غيبوبة معرفيّة لأجيال مقبلة.

مواسم عقود المصالحة في جامعة الوطن تشبه إلى حد بعيد مواسم عصر الزيتون وتتزامن معها. ورش يتعاقب فيها الأساتذة للتوقيع في الكليات تماماً كما ورش القطف في الحقول. أسابيع تمضي بانتظار ملء الحسابات من المستحقات المنتظرة كملء الغالونات . ومع الأيام، تبدأ وتيرة القلق بالارتفاع مع ما تبقّى من قطرات وما تبقّى من أيام إلى الموسم التالي.


New Page 1