الرصاصة القاتلة: روايتان متناقضتان لاغتيال معروف سعد :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


الرصاصة القاتلة: روايتان متناقضتان لاغتيال معروف سعد

الجنوب
04-03-2021

هناك روايات عدة لاغتيال معروف سعد، أبرزها رواية تتهم الجيش بارتكاب الجريمة، ورواية الجيش التي تُبعد التهمة عنه وتشير إلى مؤامرة.

أما التحقيق فخضع للسياسة وأهدافها، وافتقد إلى الجديّة والاحتراف. وقد تركز هو والسجال في شأنه على “الرصاصة” وإذا ما كانت من سلاح “أم 16” الذي يستعمله الجيش أم من سلاح آخر.

وبعدما انتشر أنها من نوع “أم 16″، وُزّع على الصحف، نقلاً عن مصادر التحقيق، تقريران رسميان ينفيان ذلك. وكتبت “النهار”، في الأول من آذار: “لغز إصابة معروف سعد… الرصاصة ليست من سلاح الجيش”.

وقد ضغطت السلطات المتعاقبة لمنع استكمال التحقيق في المجلس العدلي. وقد يكون هدف ذلك عدم كشف تورط بعض السلطة في عملية الاغتيال.

الرواية الأولى، من كتاب “معروف سعد نضال وثورة” لشفيق الأرناؤوط:

في صباح الأربعاء 26 شباط 1975 جرت في صيدا تظاهرت شعبية سلمية تأييداً لمطالب صيادي الأسماك، واحتجاجاً على إنشاء شركة بروتيين، التي تتولى صيد الأسماك بواسطة بواخر الصيد وآلات الجرف الحديثة. وقد ضمّت الشركة عدداً من رجال المال والأعمال والسياسة اللبنانيين وغيرهم برئاسة كميل شمعون رئيس الجمهورية الأسبق.

وعندما أحسّ الصيّادون بالمصير الذي يتهدّدهم، وبقطع رزقهم، راحوا، بواسطة معروف سعد، يشكون أمرهم للمسؤولين، ويستنكرون منح الحكومة الامتياز للشركة المذكورة. فوعدتهم هذه بتعويض، فأبوا لأنّه لا يحميهم وعيالهم من التشرّد والبطالة. فبدأ نضالهم، وتحرّكوا على طول الساحل اللبناني، من صور إلى طرابلس، مروراً بصيدا وبيروت وجبيل، مراكز الصيد الرئيسية.

وتقدّم التظاهرة معروف سعد والدكتور نزيه البزري، واتجهت نحو بوابة الشاكرية، فشارع الجبانة، فشارع رياض الصلح، متحاشية المرور بشارع الأوقاف نظراً لحشود الجيش الكثيفة. وعند ساحة النجمة قلّ عدد المتظاهرين لانهمار المطر بغزارة، وأصبح عددهم بالعشرات يحمل أكثرهم الشمسيّات. واتجهت التظاهرة نحو القصر البلدي، فتقدّمت آليّات الجيش نحوها، وإذ بانفجار أصبع ديناميت يدوّي في الفضاء، فيصيح معروف في اتجاه الانفجار: أن اوقفوا ذلك! وإذ برصاصة من أحد عناصر الجيش المتقدّم تصيب معروفاً، فيسقط على الأرض وهو يسند نفسه إلى بعض مرافقيه، فيحملونه فوراً إلى مستشفى الدكتور لبيب أبو ظهر حيث توافد عدد كبير من الجراحين قاموا بإجراء عملية سريعة لاستخراج الرصاصة، ولكنّه أصيب بنزيف وهبوط في الدم، فاستدعي الدكتور إبراهيم داغر من مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، فجاء في طائرة مروحية مع الدكتور عازوري والدكتور سابا والدكتور بانوسيان.

وأخذت الجماهير الصيداوية تتدافع نحو المستشفى للتبرّع بالدم، وهاجت صيدا وماجت، وسارت التظاهرات الصاخبة في كل اتجاه وقطعت الطرقات، وأحرقت عجلات السيارات في الشوارع، وإذ بسيّارة جيب عسكرية تمر في شارع رياض الصلح بالقرب من سينما شهرزاد، فيطلق عليها الرصاص، فيقتل عريف ويصاب جنديان، وتضرب المدينة ويتوتر الجو على نحو رهيب.

وأصدرت الأحزاب بياناً طالبت فيه بسحب الجيش من المدينة فوراً وبالتحقيق في الحادثة ومعاقبة المسؤولين عنه.

وفي ليلة 28 شباط نسفت مكاتب شركة بروتيين في بيروت، وعقد كميل شمعون مؤتمراً صحافيّاً دافع فيه عن الشركة التي يرأسها بقوله إن “الشركة تحفظ حقوق الصيّادين، وتساعد نقاباتهم”.

وأحال مجلس الوزراء (برئاسة رشيد الصلح) حادث صيدا على المجلس العدلي. وأعطى محافظ الجنوب هنري لحود إجازة إدارية على أن يبتّ بأمر موظفين آخرين في وقت لاحق.

وردّ المحافظ لحود على قرار إجازته بقوله: “أنا متأكد من براءتي، وأنني لم أرتكب أي مخالفة، وأن رئيس الحكومة هو الذي أعطاني الأوامر بإنزال الجيش”.

وكان الدكتور نزيه البزري وسائر المتظاهرين- عندما أصيب معروف- قد أكدوا أن مطلق الرصاصة الجانية كان في مقدمة الجيش. وقد التقط بعض المصورين من الشرفات المطلة على الشارع الذي جرى فيه الحادث صورة العنصر العسكري وسيارة الجيب التي كان يحتمي بها، وتبيّن لأهل معروف وإخوانه أن الرصاصة هي من نوع “أم 16” التي يستعملها الجيش.

وفي 22 أيلول 1976 نشرت الصحف خطاباً مستفيضاً لرئيس الحكومة رشيد كرامي جاء فيه: “إن رئيس الجمهورية تدخل لمنع الجندي الظنين باغتيال المرحوم معروف سعد من المثول أمام المحققين”.

الرواية الثانية من كتاب “المكتب الثاني- حاكم في الظل” لنقولا ناصيف:

في ضوء اتهامات ساقتها إلى الجيش، وإلى الشعبة الثانية خصوصاً، المقاومة الفلسطينية وأحزاب الحركة الوطنية وعائلة معروف سعد بأنه أطلق الرصاص على الزعيم الصيداوي، عهدت القيادة إلى ضابط لبناني خبير في علم القذائف هو الرائد صادق رعد في وضع تقرير فني بالحادث. أخضع الرصاصة التي استخرجت من جسد معروف سعد لتحليل مخبري مع 12 طلقة من 12 بندقية أم 16، الأميركية الصنع، كانت في حوزة عسكريي مخفر ثكنة صيدا كانوا في ساحة المواجهة عندما أُطلقت النار على معروف سعد. وأجرى مقارنة للبصمات المعدنيّة بين الرصاصة القاتلة بتكبيرها 40 مرّة والرصاصات الـ 12، وتبيّن له أنّ الأولى ليست من الرصاصات المستخدمة في أسلحة الجيش. رفع صادق رعد تقريراً سريّاً بذلك من صفحتين إلى قائد الجيش، فطلب إليه شرحه لرئيس الجمهوريّة الذي تنفّس الصعداء عندما تأكد أن الرصاصة ليس مصدرها الجيش اللبناني دحضاً للاتهامات والشائعات. كانت قد استخرجت من الجثة في حضور لجنة من عشرة أطبّاء مدنيين وعسكريين، مسيحيين ومسلمين بالتساوي، من أجل التحقّق في الأمر بعدما كان رافق الاغتيال سجال طائفي. بدوره جول البستاني استدعى مصطفى سعد نجل النائب السابق المغدور، وأطلعه في حضور صادق سعد على مضمون التقرير الذي بقي في أدراج وثائق الشعبة الثانية، ولم يحتفظ أحد بنسخة عنه.

وتوافرت للاستخبارات العسكرية معلومات عن دوافع الصدام في صيدا أوردتها كالآتي:

على أثر خلافها مع شركة بروتيين وعدم الاتفاق معها على حلّ مطالب الصيّادين، دعت نقابات صيادي الأسماك الصيّادين إلى الاضراب والتظاهر.
لم يكن معروف سعد يرغب في الاشتراك في التظاهرة، ولكنّه اضطر لذلك تحت ضغط قاعدته الشعبيّة مع أنّه اشترك شخصيّاً في إزالة الحواجز من الطرق الرئيسية قبل إصابته.
استغلّت الجبهة الديمقراطيّة لتحرير فلسطين مقتل أحد عناصرها في 26 شباط 1975 لتأزيم الوضع والانتقام له.
أعلنت المنظمات الفدائيّة أنّه لا يمكنها التخلّي عن القاعدة الشعبيّة الملتحمة بها في صيدا، وتالياً ربطت مطالبها بمطالب الصيّادين وتحقيقها. وفي هذا المجال اضطلع قادة المقاومة بدورين متناقضين: التهدئة علناً حيال السلطة، والتصعيد سرّاً بإزاء الأحزاب والهيئات التقدّمية في صيدا. فأوفدت قيادة فتح قبل إعلان الإضراب المستشار الحقوقي للمنظمة محمد الظلّ للاتصال بالصيادين وإيجاد صيغة قانونيّة لمطالبهم، وفي الوقت نفسه أرسلت المدعو أبو صالح عضو اللجنة المركزيّة والمسؤول العسكري للمنظّمة- وهو من المتعاطفين مع الشيوعيين- للاتصال بالصيادين والأحزاب اليساريّة وتنسيق الموقف معهم. وكان سبق ذلك استقدام لواء نظامي من قوّات فتح إلى صيدا وعين الحلوة مؤلّف من ثلاث كتائب، هي كتيبة نسور العرقوب وكتيبة شهداء أيلول وكتيبة بيت المقدس.
ووجد العميد جول البستاني في سلسلة الوقائع أهدافاً عدّة:

يضع إبعاد الجيش عن الحدود المقاومة في مواجهة مباشرة مع العدو، ويتيح لها حريّة تحرّك أكبر.
ينتج من تحرّك المقاومة عسكريّاً داخل الأراضي المحتلّة ردود فعل إسرائيليّة تتلقّاها المقاومة فيتضاءل عندئذ دور الجيش في الدفاع عن الحدود.
يثير هذا الواقع ردود فعل داخليّة ويعطي المقاومة مبرّراً لطلب مزيد من الدعم العسكري السوري والعربي والسوفياتي.
قاده استنتاجه إلى تحليل تجاوز الانفجار الداخلي إلى ما اعتبره “تخطيطاً فلسطينيّاً بموافقة جهات عربيّة”، وهو دور سوريا والدول العربية الداعمة للمنظّمات الفلسطينية. فلاحظ أن “ليس من مصلحة سوريا أن يتوصل (الرئيس المصري أنور) السادات إلى تحقيق انسحاب إسرائيلي جديد من سيناء بمعزل عن الجولان، كما أن ليس في مصلحة سوريا شنّ هجوم مباشر على إسرائيل. وهي تتطلّع إلى إيجاد منطقة قتال تستطيع أن تدخل فيها على نحو غير مباشر وتؤدّي إلى تسخين الوضع في المنطقة بحيث يتعذّر على السادات توقيع اتفاق منفصل. بدوره العراق، انسجاماً مع رفضه الحلّ السياسي، لا يسعه إلا أن يحرّك الأوضاع التي من شأنها عرقلة الجهود والمساعي وخلق التوتر في المنطقة”.

وأفضت خلاصة جول البستاني في تقريره إلى رئيس الجمهورية توقّع بضعة تطورات تستكمل ما كان بدأ في أحداث صيدا: “تأزيم اليسار اللبناني وبعض الفئات الفلسطينية المتطرّفة الوضع الداخلي، تصعيد الهجمات الفدائية من الأراضي اللبنانية، ردود فعل إسرائيلية على أهداف محدّدة في حال تعرّضت مستعمراتها الحدودية لأعمال فدائيّة ناجحة فقط، دعم سوري غير معلن لفصائل المقاومة في العرقوب لجرّ إسرائيل إلى تصعيد أعمالها العسكرية، تنامي الحملة السياسية وخصوصاً الإسلامية على الحكومة لحملها على الاستقالة وإحداث فراغ في الحكم تستطيع من خلاله سوريا والمقاومة الفلسطينية الحشد العسكري في الجنوب قبل انتهاء مدة مرابطة قوات الطوارئ الدولية في الجولان، وتستطيع الهيئات الإسلامية تحقيق بعض مطالبها وتمكين اليسار الحزبي من تحسين مواقعه على الساحة اللبنانية”.

وحيث أخفقت شرارة الحرب في صيدا نجحت في عين الرمانة.


New Page 1