عندما تُبحر ديناصورات لبنان في التيتانيك :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


عندما تُبحر ديناصورات لبنان في التيتانيك

وفاء أبو شقرا - موقع 180 درجة
05-04-2021
مصطلحات وتعابير كثيرة، دخلت في قاموسنا السياسي اللبناني. بالأحرى، أُقحمت فيه إقحاماً من قِبَل صانعيها. وصانعوها تعرفونهم جيّداً. إنّهم أهل الشقاق والنفاق، ما غيرهم. عُدُّوا على أصابع اليديْن، ما يأتي: "الممانعة"؛ "الميثاقيّة"؛ "حقوق الطوائف"؛ "الثلث الضامن"؛ "مؤتمر تأسيسي"؛ "حقيبة سياديّة"؛ "السياديّون"؛ "الأقوى في طائفته"؛..إلخ. مصطلح آخر ابتدعه، هذه المرّة، الصحافيّون ومَن حذا حذوهم: "الارتطام الكبير"! المصطلح، وما أدراك ما يفعله المصطلح في فهمنا للواقع وقَوْلبة وعينا! يمسي كإتفاقٍ جماعي، بين فئة من الناس، على تعريف مفهومٍ مجرّد. يُشفَّر بين المُرسِل والمتلقّي. ليقوم المتلقّي بفكّ ذلك التشفير، على شكل معنى محدَّد يريد (أو لا يريد ربّما) المُرسِل إعطاءه لفكرةٍ أو موضوعٍ أو قضيّةٍ ما. كلّ إنسانٍ يفكّ الشيفرة، على طريقته. ويعيد تركيب معناها، على طريقته أيضاً. تبعاً لوعيه (ولاوعيه) الشخصي والجماعي. وهذا الاختلاف، هو ما يخلق الإشكاليّات الكبرى. لأنّنا، على أساسه، نفهم أمور الحياة كما نريد. وكما يُراد لنا أن نفهمها. لماذا؟ لأنّ التوصيفات تعكس كيفيّة اشتغال المصطلح. فقد ينتج عن هذا الاشتغال أدلجة. أو حجبٌ معرفي. أو إسقاطٌ مفاهيمي. أو استنطاقٌ للنصوص بطريقةٍ قسريّة. لذا، كان لظهور بعض المصطلحات وتداولها، ولغياب بعض التعابير أو تغييبها، دلالاتٌ كثيرة مهمّة. مهمّة، أكثر ممّا يمكن أن نتصوّر. نسمع وتسمعون، منذ فترة، مصطلح “الارتطام الكبير”. يُساق ضمن تحليلاتٍ صحفيّة وتحذيراتٍ من “الغيورين”. تتخوّف، كلّها، وتحذِّر وتحتِّم لحظة “الارتطام الكبير”. ماذا يعني ذلك؟ ما الذي سيرتطم؟ أو مَن الذي سيرتطم؟ وبماذا أو بمَن؟ ومتى؟ أذكر، وكنتُ لم أزل صغيرة، منظر جرّاح المخّ والأعصاب الأشهر في لبنان (يومها)، وهو يخبر قريبي كيف ماتت إبنته بين يديْه في غرفة العمليّات. كان طبيبنا يحاول التخفيف عن ابن عمّتي المتوجّس من إجراء العمليّة الجراحيّة الحسّاسة جدّاً في دماغ عمّتي. يوصّف وهو يشرح بوجوم، حال إبنته التي كانت قد تعرّضت لحادث سير مروّع: “لم يكن بإمكاني إنقاذها. كانت جمجمتها مفكّكة بفعل الارتطام الكبير.. أُمسِك بعظمة تُفلِت منّي عظمة..أُمسِك أخرى تُفلِت الأولى.. وهكذا. كنّا وصلنا إلى لحظة اللاعودة”. يا إلهي.. أهذا هو حالنا في البلد؟ هل وصلنا إلى “لحظة اللاعودة”؟ كم هي كئيبة وموحشة هذه العبارة! حتّى أنّ تركيبها اللغوي مبتور. نستشعر فيها العجز عن قول أو فعل أيّ شيء. لحظة نُساق إليها سوْقاً. رغْماً عنّا. والأخطر، نُساق إليها من دون أيّ دافع أو تساؤل للمسبِّب بها! ولكن مهلاً. هل فعلاً لا نعرف مَن كان السبب والمسبّب في لحظة “لاعودتنا”؟ ألمْ يحصل هذا، مع حُكّامنا الأشاوس؟ بلى. لقد بُحّت أصوات الخبراء الاقتصاديّين وهم يصرخون لهم قبل سنوات، “انتبهوا.. نحن ذاهبون إلى الهاوية”. عبثاً. اعتقدوا، وهم فاقدون لكلّ مهارة في الإدارة والتدبير، أنّهم قادرون على تجنّب الوقوع لم يعد خافياً على أيّ لبناني، أنّ بلده الذي كان يعرفه، بات في خبر كان. يتبدّل بصورة دراماتيكيّة. يتقهقر في طريق انحداره إلى الخراب. والخراب لا يعني، بالضرورة، الركام. الخراب يشبه كثيراً، الحال المتداعية لجمجمة إبنة طبيبنا الجرّاح. حال يشي بأنّ قدمنا زلّت، وبدأنا نهوي باتّجاهٍ ما. نلج، فجأة، منطقةً ما. منطقة، لم يُرسَم لها أيّ رسمٍ تشبيهي. أيّ سيناريو استشرافي أو استطلاعي للارتطام المرتقَب! جلّ ما يتناهى إلينا، توصيفات لملامح الآتي من الأيّام: إنهيار حتمي، جحيم، فوضى عارمة، انفجار شامل، حرب أهليّة، سقوط كبير، مصير مجهول.. إلخ. ماذا يعني كلّ ذلك؟ سنحاول في ما يلي، “صياغة” سبعة سيناريوهات لارتطامنا الموعود: الأوّل، المقصود به، على الأرجح، تشبيه ما سيحصل للبنان، بما حصل لسفينة الركّاب الإنكليزيّة العملاقة “آر أم أس تيتانيك” في رحلتها الوحيدة في 10 نيسان/أبريل 1912. فبعد أربعة أيّام من انطلاقها، من لندن إلى نيويورك عبر المحيط الأطلسي، اصطدمت بجبل جليدي. ما أدّى إلى غرقها، بالكامل، بعد ساعتيْن وأربعين دقيقة من لحظة الاصطدام. طبعاً، لا يتمّ تشبيه باخرة لبنان بباخرة التيتانيك (وتعني المارد) لتطابقٍ في “مواصفاتهما”. فشتّان بين التيتانيك المصمَّمة والمصنَّعة على أيدي أمهر المهندسين وأكثرهم خبرة، وبين هيكل لبناننا الهشّ. المقارنة تعود، حصراً، إلى تشابه سلوك فريقيْ القباطنة حيال تحذيرهم من كارثة مقبلة. فطاقم التيتانيك، لم يكترث لكلّ رسائل التنبيه التي تلقّاها من بعض السفن المارّة في المحيط ومن وحدات الحرس البحري. أنذروهم، بأنّ تيتانيك تقترب من الدخول في منطقة مياه جليديّة مقابلة للساحل الشرقي لكندا. لكنّ قبطان الباخرة وفريقه أهملوا تلك التحذيرات، ولم يأخذوا أيّ إجراء وقائي لتفادي الكارثة. غرورهم بمهاراتهم، أقفل الآذان والعقول. ما جعل الاصطدام حتميّاً. ألمْ يحصل هذا، مع حُكّامنا الأشاوس؟ بلى. لقد بُحّت أصوات الخبراء الاقتصاديّين وهم يصرخون لهم قبل سنوات، “انتبهوا.. نحن ذاهبون إلى الهاوية”. عبثاً. اعتقدوا، وهم فاقدون لكلّ مهارة في الإدارة والتدبير، أنّهم قادرون على تجنّب الوقوع. الثاني، يندرج هذا السيناريو من سابقه. فالمقصود من الارتطام بالقعر، هو غرق لبنان التيتانيكي بعد حصول الارتطام الأوّل. فذاك الارتطام، لم يُلحَظ أو يُسمَع بوضوح حين حصل. حتّى أنّ أفراد طاقم التيتانيك، ظنّوا أنّهم نجحوا في تغيير مسارها وتجنّب الاصطدام. وعندما انزلقت السفينة قليلاً من الخلف، أمر القبطان بإيقاف المحرّكات. توقّفت تيتانيك تماماً عن الحركة. فلقد اكتشف الفنيّون حدوث شرخ في جانبها، تسلّلت منه المياه وبدأت تغمر أقسامها في الأسفل. توقّفت الغلاّيات عن العمل تماماً. كلّ شيء كان يشير إلى الكارثة. إلى الغرق المُحَتَّم. ألمْ يحصل الأمر ذاته، عندما اصطدمت “رحلة” الطبقة الحاكمة بأمواج المحتجّين في الشارع؟ ألمْ تتعطّل كلّ محرّكات الدولة المتوقّفة أصلاً؟ بلى. ومذّاك، بدأ الدم بالتسلّل من الشقوق إلى كلّ أروقة النظام المتصدّع. والغرق في الدماء، ألن يعني قريباً تحلّل النظام، وذوبان كيانه، وتفتّته في دويلات وكانتونات.. طائفيّة؟ ألف بلى. الثالث، قد يعني الارتطام الكبير حدثاً جَلَلاً سيحصل، عاجلاً أم آجلاً. قد يأتي على شكل حدثٍ أمني مهول، يزلزل لبنان واللبنانيّين. أو قد يكون على شكل انفجار ضخم (هل هناك أضخم من تفجير مرفأ بيروت؟!). أو ربّما اغتيالات، تُنفَّذ بـ”قنابل دفاعيّة” وليس بـ”قنابل هجوميّة”، على حدّ تعبير وزير الداخليّة السابق مروان شربل. فالأولى، برأيه، تكون اغتيالاً “يعطي صوتاً” ويتشظّى ويؤدّي إلى سقوط قتلى. بينما نوع الاغتيال الثاني، يعطي صوتاً من دون أن يقتل. وهل يفضي كلّ ما تقدّم، إلاّ إلى الفوضى؟ كلا. والفوضى المقصودة هنا، تكون مُجدْولة (كما نقول بلغة الصحافة). أي، “مدروسة” و”هادفة” إلى الفتنة وفقدان التوازن والاضطراب والهرج والمرج و..تحوّل لبنان، بساحاته ومناطقه ومحافظاته، إلى غابةٍ للوحوش. سنتعرّف على وحوشٍ لبنانيّة من الصنف الذي توصّفه الكاتبة (البوليسيّة) الإنكليزيّة أغاثا كريستي بالقول: “إنّ الإنسان الضعيف قد يصبح وحشاً مفترساً، إذا أتيحت له الفرصة، وإذا كان يشعر بالحقد على الحياة والمجتمع”. الفوضى ستوصل حتماً إلى شيءٍ ما. لكن، لا يمكننا حتّى اللحظة تخيّل تمظهراته. الله يستر! تدرك كلّ بيئة طائفيّة حاضنة، أنّ عقيدة زعيمها التي تطحنهم في معارك الـ”نحن” الأخيار ضدّ “هم” الأشرار، ليست إلاّ لعبة كريهة، لا أكثر. بل، لعبة إجراميّة مميتة ابتدعها “الذكاء” السياسي اللبناني، ليبقى القابضُ على القرار السياسي قابضاً عليه، إلى أبد الآبدين الرابع، سيناريو يفضي إليه السيناريو السابق. الارتطام الكبير سيحصل، لحظة اندلاع حرب أهليّة في لبنان. على غرار الحرب التي “سنحتفل” بذكراها السادسة والأربعين، بعد أيّام. طبعاً، لا داعي لشرح ما تعنيه هكذا حرب! وبإمكان المهتمّين والراغبين بمعرفة تفاصيل، العودة إلى الأرشيف. أو الاتصال بصديق، عايش حرب “داحس والغبراء” الجاهليّة اللبنانيّة. حرب، لا يزال البعض يأملون بأن تفضي إلى مؤتمرٍ تأسيسي جديد. يعيد إنتاج النظام إيّاه. لكن، يقوم بتوزيع الحصص، وفقاً لموازين القوى القائمة، في الداخل والخارج. إقرأ على موقع 180 لبنان يفتح أبوابه أمام "الرفيق سبوتنيك" الخامس، ربّما يُقصَد بالارتطام الكبير، الإنهيار الاقتصادي والمالي الشامل! فيُعلَن إفلاس لبنان. ويقع الإنفجار الاجتماعي الموصوف. وتتفشى المجاعة. ويصبح الإنسان (اللبناني) حيواناً ضارياً إذا جاع، كما يؤكّد خبير التغذية في الأمم المتّحدة جوزيه دي كاسترو في كتابه “جغرافية الجوع”: “إذا تسلّط الجوع التامّ على الإنسان، يصير سلوكه من العنف مثل سلوك الحيوان الضارّ تماماً. فالجوع يهدم الشخصيّة، ويقضي على التجاوب الطبيعي بين الإنسان وجميع مؤثّرات البيئة التي لا تمتّ بصلة إلى إشباع غريزة الأكل. أمّا العوامل الأخرى، التي تصوغ السلوك البشري، فلا يبقى لها أثر”. لا تعليق، طبعاً. لكن، هل يمكن أن يفضي كلّ ذلك إلى إعلان لبنان دولة فاشلة تحتاج لوصاية دوليّة؟ ربّما. السادس، قد يرسم السيناريو السابق سيناريو آخر (مأمولاً به حتماً). ونعني، ارتطام كلّ ركن من أركان السلطة ببيئته الحاضنة! كأن تنفجر فضيحة ما، تكشف بتفاصيلها المستور لدى أهل السلطة. أي، تُفصح لأتباع أهل السلطة، مثلاً، عن الأعمال المشتركة لهؤلاء، في ما بينهم. تُثبت لهم، بالوثائق والأرقام، كيف يعقد الزعيم الفلاني صفقات مشبوهة مع خصمه الزعيم الفلاني! أو كيف يملك إبن الزعيم الفلاني أسهماً في مؤسّسة يملكها إبن خصم أبيه الزعيم الفلاني!.. وهكذا دواليك. فضيحة تجرّ فضيحة. فتدرك كلّ بيئة طائفيّة حاضنة، أنّ عقيدة زعيمها التي تطحنهم في معارك الـ”نحن” الأخيار ضدّ “هم” الأشرار، ليست إلاّ لعبة كريهة، لا أكثر. بل، لعبة إجراميّة مميتة ابتدعها “الذكاء” السياسي اللبناني، ليبقى القابضُ على القرار السياسي قابضاً عليه، إلى أبد الآبدين. وليمدّد لعبة الـ”نحن وهم”، إلى أجلٍ مفتوح. وليورِّثها إلى الأجيال المقبلة. وليؤبّد المعادلة الذهبيّة: “يأخذ الحُكّام من دم الشعب ثمن نفاقهم. ويستوردون من أمواله أدوات تعذيبه. ويدفع، هو، رواتب جلاّديه”! هل سيعي هذا الشعب، يوماً، ما يقترفه أعداؤه الحُكّام؟ متى يطلق كلّ الـ”نحن” ثورتهم الساحقة الماحقة على النظام ومنظوماته؟ تخيّلوا لو ينفخ الله، مثلاً، بقوّته الرهيبة على الـ 10452 كلم2، فينقرض، فقط وحصراً، كلّ الممسكين بخناق لبنان وشعبه مع مساعديهم السابع، السيناريو الأخير للارتطام الكبير مُستبعَد، كونه وليد “خيال طفولي”. تخيّلوا لو ينفخ الله، مثلاً، بقوّته الرهيبة على الـ 10452 كلم2، فينقرض، فقط وحصراً، كلّ الممسكين بخناق لبنان وشعبه مع مساعديهم. أي، احلموا بشيءٍ من قبيل سقوط نيزك. كذاك الذي سقط قبل نحو 65 مليون سنة، وتسبّب (في العصر الطباشيري) بانقراض الديناصورات. كان لا بدّ من انقراض هذه الحيوانات الضخمة، بعدما عجزت الطبيعة عن إشباعها. لم يعد يوجد ما يُشبِعها. أليس هذا حال ديناصوراتنا في لبنان؟ بلى والله أعلم. يا لضياعنا أمام مستقبلنا المريع! كلّ ما نسمعه من مجرمي السلطة، يشبه النحيب الطفولي. كلّ ما نشاهده، يشبه محاولاتهم المستميتة للاحتماء بالهوان وتخويف الآخرين بانهيارنا الذاتي. ثمّة أطراف لبنانيّة تعتقد جدّيّاً أنّ قوّتها الرادعة، هي أنّها قابلة للسقوط. تهدِّد بهذا السلاح! أمّا الوجه الآخر لتهديدها، فهو التلويح بأنّ البديل عنها هو الشرّ المطلق! كلمة أخيرة. مجرّد رؤية أيّ مسؤول سياسي لبناني يتكلّم ويكرّر ترّهاته ويكذب ويبتسم ويمشي ويحرّك ذراعيْه ويتوعّد.. إلخ، بات بمثابة تعذيب لنا. وعليه، أنادي مع شاعر العراق مظفّر النوّاب (وعصابات الحكم في لبنان هي المقصودة بالنداء): “يا أولاد القحبة.. لا أستثني منكم أحداً. أولئك أعداؤك يا وطني. أقسمتُ بتاريخ الجوع.. سيكون خراباً. سيكون خراباً”! إقتضى خرابهم لإعمار الوطن.


New Page 1