أسئلة على هامش قانون المناطق المتضرّرة: قانون لمعالجة الكارثة أم الهواجس الطائفية؟ :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


أسئلة على هامش قانون المناطق المتضرّرة: قانون لمعالجة الكارثة أم الهواجس الطائفية؟

المفكرة القانونية
01-08-2021
بعد أقلّ من شهريْن من تفجير مرفأ بيروت، صدر قانون “حماية المناطق المتضرّرة بنتيجة الانفجار في مرفأ بيروت ودعم إعادة إعمارها”. وقد تعرّض القانون لمسألتين هامّتيْن بقِيَتا على درجة عالية من الالتباس: المسألة الأولى اتّصلت بالتصوّر العامّ لمستقبل المناطق المتضرّرة، وقد تمّ تقزيمها فعلياً لتتمحور حول تجميد البيوعات في عدد من هذه المناطق بهدف معالجة الهاجس الطائفي حيال التغيّر الديمغرافي فضلاً عن بعض الضمانات المحدودة لحماية الأبنية التراثية. أما المسألة الثانية، فقد اتّصلت بالإمكانات المُتاحة لتسهيل إعادة إعمار الأبنية المتضرّرة وعودة سكّانها إليها.

وفي حين تستعيد هذه المقالة العديد من الملاحظات التي كانت أبدتْها “المفكّرة القانونية” و”استوديو أشغال عامّة” بعيْد صدور القانون، تسعى أيضاً إلى الإضاءة على مدى تنفيذه. ونسارع هنا إلى القول إنّ أغلب مواده في هذا المضمار بقيتْ حبراً على ورق، ليرتفع من خلال ذلك عدد القوانين غير المنفّذة.

سياسة تجميد حقوق الملكية

كما سبق بيانه، خلا القانون من أيّ تصوّر للمنطقة بعد تعرّضها للتدمير شبه الشّامل بعدما حصر تدخّله في تجميد البيوعات في بعض المناطق المتضرّرة (المرفأ، الصيفي، المدوّر، والرميل) حفاظاً على لونها الطائفي (المسيحي)، وحماية الأبنية التراثية. في المقابل، خلا القانون من أيّ مندرجات لتحفيز التعافي الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة المتضرّرة أو المخزون السكني الميسّر، والأهمّ أنّه تراجع عمّا ورد في الاقتراح الأساسي لجهة وضع المناطق المتضرّرة “قيد الدرس”.



قيود على حقوق التصرّف وانتقال الملكية

من أبرز بنود القانون، الآتية:

أنّه حصر منع التصرّف في العقارات الواقعة في المناطق المتضرّرة التي عرّفها القانون بأنّها تشمل المرفأ، والصيفي، والمدوّر، والرميل. في المقابل، بقيت منطقة الباشورة خارج نطاق حماية القانون، رغم أنّها منطقة تاريخية مميّزة بنسيجها العمراني، متوسّطة إلى منخفضة الدخل تحاذي وسط البلد، وتفصل بين غرب بيروت وشرقها، وتشهد موجات هدمٍ وشراء عقاراتٍ لصالح المشاريع العقارية الضخمة. وعليه، يميّز القانون في حماية أصحاب العقارات المتضرّرة من الغبن وشراء عقاراتهم بأبخس الأثمان، فلا يحمي سوى مالكي العقارات في هذه المناطق. أما الآخرون فيستفيدون فقط بموجب القانون، من حقّ التعويض. ومن هذه الزاوية، كشف القانون عن بعد طائفي واضح قوامه المحافظة على “الهوية الطائفية” لبعض المناطق الجغرافية بما يعكس ما أسمته “المفكرة”: “الطائفية العقارية”.
أنّه استثنى من أحكام منع التصرّف والتجميد، الأبنية المخصّصة للبيع من الغير والتي يملكها من “يتعاطى الأعمال العقارية وتجارة الأبنية بحسب قيود وزارة المالية”، والعقارات المملوكة من شركة سوليدير أو الواقعة في نطاقها (مع ما يحمله ذلك من توسيع لنطاق الاستثناء)، والتأمينات العقارية المعقودة بهدف إعادة الترميم والبناء. وعليه، وبحجّة حماية الأفراد من الغبن، تمّ حصر عرض بيع العقارات في “المنطقة المتضرّرة” بالمطوّرين العقاريين وشركة سوليدير وأصحاب العقارات الواقعة في منطقتها، مع ما يحمله ذلك من زيادة لامتيازات هذه الشركة التي تتمتّع بها في السوق العقارية وذلك منذ ثلاثة عقود، ومن توسيع لقدرتها على التحكّم بالأسعار.
أنّه بالنسبة لوكالات البيع أو الوعود بالبيع أو عقود البيع الممسوحة المعقودة بين 5 آب 2020 وتاريخ نشر القانون، فقد انتهى الأخير إلى تجميدها – في حين كان الاقتراح في نسخته الأساسية يعمد إلى إلغائها – على أن تُعرض وجوباً على لجنة متخصّصة مكوّنة من 3 قضاة وخبير مهندس مدني وخبير تخمين عقاري للتدقيق فيها والتحقّق من خلوّها من عيوب الرضا خلال مهلة شهرين من ورود الطلب إليها. وبالفعل، أنشأت وزيرة العدل ماري كلود نجم اللجنة المذكورة التي أصدرت 38 قراراً حتى تاريخ كتابة هذه السطور، وهي قرارات ندرسها على حدة. وقد منح القانون المتضرّرين من هذه القرارات إمكانية الطعن بها أمام محكمة الاستئناف المدنية في بيروت ضمن مهلة 15 يوماً.


حماية هشّة للأبنية التراثية ولا حماية للأحياء التراثية

بالنسبة للأبنية ذات الطابع التراثي، ينيط القانون بوزارة الثقافة صلاحية وضع خطة لإعادة الإعمار و/أو الترميم، كما أنّه يمنع إعادة البناء في هذه المجال من دون إذن من هذه الوزارة “تراعى فيه المواصفات نفسها والشكل الخارجي نفسه” للبناء المهدّم أو المتضرّر. وإذ أناط القانون باللجنة التنسيقية المزمع إنشاؤها والمكوّنة من هيئات ووزارات عدّة، الرقابة على إتمام عمليات الترميم والتدعيم للأبنية التراثية والمصنّفة وفقاً للقوانين المرعية الإجراء، لم يقيّد لهذه اللجنة العمل حتى اللحظة. ولكن الإشكالية هنا كما أكّد نقيب المهندسين السابق جاد تابت هو عدم لحظ “القوانين اللبنانية (…) أية تدابير خاصّة بالنسبة للأبنية التراثية باستثناء تلك المسجّلة على لائحة الجرد العام والتي لا تشمل سوى جزء ضئيل جداً من الأبنية التراثية”، ممّا يعني ترك مصير أغلبية الأبنية هذه في وضعيّة غامضة.

تبعاً لما سبق، تُعتبر آليّة حماية الأبنية التراثية وإعادة إعمارها التي يضعها القانون – خصوصاً إن كانت موازية لنظام منع التصرّف والتجميد لحماية المناطق المتضرّرة – هشّة جدّاً، كما أنّها لا تأخذ بعين الاعتبار قاطني المباني ولا تحيط الآلية بمقاربة شاملة اجتماعية واقتصادية.

كما يُلحظ أنّ القانون لم يأتِ على ذكر معاملات رخص البناء الجديدة، أي أنّه يجيز “لمالك عقار غير مبني كما على العقارات التي لا تحتوي أبنية صنّفت تراثية (مع كل ما يشوب هذا التصنيف من غموض) الاستحصال على رخصة لبناء أبراج أو أبنية لا تنسجم مع النسيج التقليدي للمنطقة مما يؤدي إلى تشويه طابع الأحياء ومحو الهوية التاريخية للمدينة، تلك الهوية التي يهدف القانون إلى حمايتها كما أوضحته الأسباب الموجبة، كلّ ذلك في ظلّ اقتصار الحماية القانونية للأبنية التراثية من دون الأحياء”.



غياب أي حماية خاصة للنسيج السكاني

من جهة ثالثة، تجاهل القانون ضرورة حماية النسيج الاجتماعي، والمجتمعات وسُبل الحياة المحلّية التي تضرّرت على نحوٍ بالغٍ بفعل التفجير، ما يذكّر بجهود حفظ التراث في منتصف تسعينيّات القرن الماضي التي لم تقترن بإطار تنظيمي أكثر شمولية يتضمّن حماية الأحياء وحقوق السكن في بيروت ما بعد حرب 1975-1990، ما أدّى إلى موجاتٍ واسعةٍ من هدم المباني والتهجير.

مثلاً، ورغم أنّ النسيج العمراني التراثي محفوظٌ على نحوٍ جيّد في المناطق المتضرّرة من التفجير، وتحديداً الجمّيزة ومار مخايل، غير أنّ السكّان الذين هم بمعظمهم مستأجرون وبعض المالكين المُقيمين، يصارعون موجة من الإحلال الطبقي العمراني للأحياء، تتجلّى في سيطرة الحانات والمطاعم وتأجير الأفراد لغرفة أو شقّة عبر تطبيق Airbnb على المباني التاريخية وإفراغها من سكّانها القدامى. وتتزامن هذه الموجة مع عمليات نقلٍ واسعة للملكية إلى الشركات العقارية، ما أدّى في أحيان كثيرة إلى هدم المباني التراثية واستبدالها بناطحات سحاب. في ضوء ذلك، يبدو القانون الجديد أشبه بأداةٍ للسيطرة على المنطقة وفرز عمليات نقل الملكية أكثر منه وسيلة للحدّ من التغييرات التي تؤثّر على النسيج السكّاني.

ومن هذا المنطلق، تعتبر آليات تمديد عقود الإشغال لسنة واحدة ومنع التصرّف والتجميد التي يرسيها القانون غير كافية لتحقيق أهدافه المعلنة وهي حماية المناطق المتضرّرة من المضاربة العقارية، وبمثابة تأجيل للمشكلة، خصوصاً أنّها لم تترافق مع إجراءات أخرى، أبرزها تسهيل شروط الحصول على تراخيص لترميم المباني المتضرّرة، منعاً لتعسّف المالكين غير الراغبين في ترميمها.

حقوق التعويض والتقديمات الأخرى

كرّس القانون حقّاً في التعويض يشمل نطاقه جميع الأبنية المتضرّرة من التفجير سواء الواقعة في المناطق المتضرّرة أم خارجها. وفي حين أنّه أنشأ لهذه الغاية لجنة جديدة (اللجنة التنسيقية) أناط بها مسح الأضرار وتحديد مساهمة الدولة في التعويضات وأولوية دفعها بعدما رصد القانون لدفع التّعويضات مبلغ 1500 مليار ليرة، فإنّه لم يتمّ تفعيل عمل هذه اللجنة. فتُركت تلك المهامّ في يد قيادة الجيش التي بلغ مجمل المبالغ المتوفّرة لديها لتوزيعها على أصحاب الأبنية المتضرّرة ما يقارب 10% من هذا المبلغ فقط.

لجنة تنسيقية بقيت حبراً على ورق

كما سبق بيانه، أنشأ القانون لجنة تنسيقية تضمّ ممثلين عن وزارات وإدارات معنيّة عدّة. وقد أناط بهذه اللجنة مسح كلّ الأضرار الناجمة عن تفجير 4 آب وتوثيقها، على أن تتّخذ إجراءات مختلفة يحدّدها القانون من معاينة وتلقّي طلبات ووثائق متعلّقة بالأضرار وتخمين كلفة إعادة الإعمار وتقدير التعويض المناسب لكلّ عقار، كما والتأكّد من عملية ترميم الأبنية التراثية والمصنّفة قانونية. وكلّف القانون اللجنة بتقديم تقرير بنتائج ذلك المسح ضمن مهلة 3 أشهر إلى مجلس الوزراء الذي يتعيّن عليه إذ ذاك المصادقة على قوائم الأضرار والتعويضات.

وفي حين انتقدت “المفكرة” و”استوديو أشغال عامّة” إقصاء أيّ جهة قد تمثّل أصحاب الحقوق والمتضرّرين والسكّان من عضوية هذه اللجنة فضلاً عن وضعها تحت رئاسة ممثل الجيش اللبناني، تذرّعت وزارة الدفاع باستقالة الحكومة لتبرير تولّي الجيش وحده مسؤولية مسح الأضرار أو توزيع التعويضات، بما يعطّل كلّ الآليات التي نصّ عليها القانون. وقد جاء موقفها هذا بمثابة تضييق لتعريف تصريف الأعمال الذي من المفترض أن يشمل الأعمال الضرورية لإعادة الإعمار والتعويض على المتضرّرين.



الجيش يحتكر توزيع تعويضات خارج آليات القانون

كما أسلفنا، تولّى الجيش مجمل أعمال مسح الأضرار وتخمينها وصولاً إلى توزيع تعويضات بلغت حتى اللحظة 150 مليار ليرة لبنانية. ومؤدّى ذلك ليس فقط حلول الجيش محلّ اللجنة التنسيقية المكوّنة من اختصاصات عدّة، بل أيضاً تجاوز مجمل الآليّات التي وضعها القانون لضمان توزيع عادل وشفاف لتلك التعويضات. وهذا ما وثقته “المفكرة” في قسم التعويضات من هذا الكتاب نكتفي هنا بالإحالة إليه.


New Page 1