كذبة الإصلاح والتغيير :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


كذبة الإصلاح والتغيير

نصري الصايغ - على الطريق
16-08-2022
من نحن؟ هل نحيا عصرنا؟ هل مستقبلنا أمامنا؟ لدي حدس بأننا نحيا على نفايات الماضي. الماضي الذي اخترناه واخترعناه ليكون في ما بعد، حاضرنا القاتل والمقتول، ومستقبلنا المطفأ.

تاريخنا السيء السمعة، تاريخنا الجغرافي والسياسي والثقافي والاثني والديني والـ…

تاريخنا القاتل نحن قتلاه، هذا التاريخ يستحوذ علينا ونأتمر بكذبه وادعائه النقاء المعرفي.

اللبنانيون ماضٍ لا يمضي. كل شيء حولهم يتغير أمامهم، فسيستحوذ عليهم الهراء والاعتداء الأجوف وادعاء من يشبهنا بالصواب، وتأثيم من ليس منا، بالتخلف والارتهان والقذارة السياسية.

هم موتى تقريباً ولا يتجرأ أحد على دفن موتاه. اللبناني، الى أي حيز سياسي، او حارة طائفية، او مغامرة اتباعية، او ادعاء بمهمته الالهية أو… هذا اللبناني يقتات من افكار ميتة، بديدان سياسية وثقافية عفنة ونجسة. معتقدات اللبنانيين لا حياة فيها. انها ميتة، بمقام “القداسة”. تراهن على قوى مساندة في معركة البقاء للأسوأ. لا مستقبل ابداً. الماضي بسخفه واغاليطه ومنكراته العفنة يستحوذ علينا. افكارنا الميتة تتداول بفخامة فارغة، كأنها هي التاريخ.

لندع الموتى الذين يحكمونا، ينجزون مهمتهم: رعاية الموتى قبل دفن كل احلامهم العادية. ليس من حصة اللبناني ان يحلم. احلام اللبنانيين يتيمة. لا تحصي ابداً اللبنانيين الذين تفوقوا في اوطانهم الاغترابية. ولا تحصي اللبنانيين الذين نجحوا في التحليق بأجنحتهم الطائفية، المصنوعة قصداً، لتكون البلاد، مسرحاً للزمن السياسي والمالي والعقدي والديني والاقتصادي والمعرفي.

قاموس السياسة في لبنان صالح ليكون دليلاً للنجاح في عالم الفساد والافساد. في عالم النهب “المقدس”. في عالم ركوب الناس واحتفال الناس، على اختلاف مذاهبهم، على اكتاف اشاوس السلطة واحذيتها المسرعة الى ترجمة الفساد، مالاً ومواقع وخطباً.

ان كل يوم اضافي، هو يوم مخيف.

هل تتذكرون أننا موعودون بالجحيم.

كثيرون يلومونني لأني لا اكف عن الهلع. يوماً بعد يوم. تزداد بيروت كآبة وفراغاً واقتراباً من الهاوية الحتمية. تقترب لغتها من الكذب الحلال. لغة الاعلام مخيفة. الكذب هو الوحي الدائم. رهان على غلبة الخصم البيولوجي (ابن دين او طائفة اخرى) وارغامه على ان يلتزم اللغة المضادة. “فالضد يظهر بؤسه الضد”.

تاريخ لبنان، صورة طبق الاصل عن سيرته السياسية. الاذكياء والحياديون ومحترفو الحقائق، رأوا ان مستقبل لبنان ابن ماضيه المعطوب. افكاره ميتة. عقائده سائبة. خوف متبادل. شجاعات مشحونة بأحقاد. انه عالم من الغيلان. لا أحد يستطيع ان يقرأ في كتب الآخرين. الاختلاف عادة، يكون نعمة في فضاء الحرية. هنا، الاختلاف نقمة، ولا بد من استدعاء الغريب، ليقيم سلماً كاذباً مع هدية غزيرة الارباح: سرقة الدولة والناس، وتأمين مبرم، بأن السارقين امراء، والمسروقين يرقصون كغيلان جائعة، لافتعال معركة، او لصد فجر جديد، يولد من اوجاع الناس الطيبين، الذين يراهنون على الخروج من الجحيم. هؤلاء فقط، هم اللبنانيون، الذين يتفيأون الحرية والعدالة والمساواة، ولا يجدون في الممنوعات الدينية والسياسية، إلا خنقاً للحرية وقتلاً للإنسانية.

نظامنا السياسي – الجهنمي – الطائفي، هو أعتى نظام ولد معطوباً بطاعون حيوي، انتقل من عقد الى عقود. وها هي الخاتمة المديدة.

إنه بلد حيوي جداً. ليس من شيطان، اشد عبقرية، من شياطين لبنان المخلدين والمعبودين. لبنان هو في حالة دوار دائم. والشعار القاهر هو اياك ايها القائد ان تتخلى عن الهراوة الاقتصادية المالية، من دونها، تأكلنا “الجماهير” وتنهال علينا الكوارث.

أما بعد،

هناك وجه آخر للبنان. هو وجه الاسئلة الجديرة بالوقوف عندها.

لبنان حالياً وماضياً، كان محتلاً وما زال. لكن المساحة مخترقة برجال ونساء وشباب وصبايا، جاؤوا من دون اديانهم وطوائفهم. لا يحملون اثقال الطغاة، او جماعة الاصطفاء الديني والمذهبي والعائلي. وهم، يؤمنون، بأن لبنان الوعد، جميل، غني، مرتع ثقافي، مبدع مجنون، وايمانهم هذا صواب، ولكنه ممنوع ان يصيب هدفه: بناء لبنان الجديد بدعائم القيم السياسية، وليس بزعامات من كفر بالأوطان والقيم.

لبنان العار يستعيد رجولته من كذبة صانع الأزمات، الى صانع المعجزات: وأشهر معجزاته، انه قد خرَّب البلد مراراً. ويتنطح “لبنانه”، ويكون لبنان على صورته ومثاله. ما أفظع هذه الصورة.

وللتأكيد على ذلك، اليوميات اللبنانية، بقيادة اصحاب المتاريس الطائفية، لا تشهد الا مراوحة لا مَللَ فيها، بهدف اعادة تشكيل لبنان الناس هذا، بلبنان المشلول ابداً. والدليل في الجواب عن السؤال: “هل هؤلاء المخربون، هم قادرون على انتاج لبنان عادي جداً؟ أُيصدق أحد ان الذين اغتالوا الوطن مراراً، مستعدون لمغادرة مواقعهم”.

نحن في لبنان، ولا بد من تهنئة مسموعة لعباقرة الخراب اللبناني. ولا بد من متابعة مشاوراتهم، لإنجاب رئيس جديد، يتمتع بطاعة عمياء، لمجموعة ابالسة الطوائف؟ هل يعقل ان يؤلفوا حكومة غير محكومة؟ ثم، هل هؤلاء، ومن مثلهم، الذين ارتكبوا الانهيار المستدام، يسعون الى رد جزء يسير من مدخراتهم التي نهبها المصرف ومجموعة زبانيته، من سياسيين ورجال دين؟

لا نتحدث عن المستحيلات التي ابتدعتها سياسات العهر والكلمات المسنونة؟

من يصدق، انه مع هؤلاء، سيشفى لبنان، ويستعيد خبزه، ويضيء بيته، باستهلاك متواضع؟

لا فائدة من تلاوة النهايات. كل شيء انتهى في لبنان. لا تبحث عن قضاء. لقد قضى على نفسه. لا تبحث عن الفساد. فشرنا. دين الدولة الفساد، والحكام وزبانيتهم، اصحاب اختصاص في اقناع الاتباع، بأن لبنان ضحية الصراع الدولي-الاقليمي. كذب، لا تبحث عن كل المؤسسات والوزارات. مساراتها نسخة طبق الاصل، عن خريطة الانهيار. لا تسأل عن المدرسة، عن الكتاب، عن الماء، عن الغذاء، عن الدواء، عن الذل، عن الاكراه.. وعن تجييش الناس في يوم الانتخاب.

لنقترب قليلاً من الواقع، عبر أسئلة محددة، وعلى المواطنين الاجابة.

ولو بمرارة: الصدق.

من زمان، ولبنان يبحث عن حل. والباحثون هم اصحاب الارتكاب، واتباعهم. تذكروا اسماءهم. رؤساء جمهورية، من سيء الى اسوأ الى أفدح رؤساء الحكومات، الواحد تلو الآخر. انجزوا الخراب والافلاس والمجاعة.

رئيس مجلس نواب، ورؤساء احزاب، من اليمين الرجعي، الى الطائفي المعبأ بألغام طائفية، الى المؤسسات كافة.. الى..

هل هؤلاء، الذين راكموا الخراب والثروات قادرون على ايجاد تسوية، ولو كانت مهلهلة؟

ألا تسمعون ما يقولون؟ لم يتغير شيء في خطابهم السياسي. هم هم. هؤلاء. سيوكل إليهم ايجاد الحلول المستحيلة، برعاية غربية واميركية وعربية خليجية وقوة ايرانية مسيطرة. وتحت اعين “اسرائيل”. ثم، هل هؤلاء سيكون على عاتقهم بدايات التغيير. طبعاً، سيتغير لبنان الى الاسوأ.

يمكن الاستفادة من مساهمات المراجع الدينية لنتأكد من الاصلاح الصغير جداً، سيكون على صورة النزاع العلني، بين مرجعيات مارونية وسنية وشيعية ودرزية.

من زمان، وأنا ابحث عن تفاؤل.

يقال، لا ماء في صحراء. الصحراء اللبنانية لا تنجب إلا الاستعطاء.

المستقبل اللبناني، اسوأ من حاضره وماضيه.

هنا، تجوز اللعنة.


New Page 1