اختلاف السرديات في قضيّة “تهريب الأموال” وأبعاده :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


اختلاف السرديات في قضيّة “تهريب الأموال” وأبعاده

المفكرة القانونية
03-05-2021
ضجّ الخطاب العام مؤخرا في التجاذب القضائي الحاصل في قضيّة تهريب الأموال بعدما داهمت النائبة العامة في جبل لبنان غادة عون مبنى شركة “مكتف” للصيرفة في عوكر للحصول على بيانات تحويلات مالية. هذا التجاذب تولّدت عنه امتدادات سياسية وإعلامية عدة. وسنتناول في هذه المقالة مواقف أبرز الأطراف في هذه القضية ومقارباتهم المتباينة لها.

وقد صنفنا هذه مقاربات هؤلاء أو سردياتهم بشأن هذه القضية وفق المشكلة الأساسية التي ترشح عنها، وذلك ضمن ثلاث فئات: السرديات التي ذهبت إلى حصر المشكلة في سلوك القاضية عون، والسرديات التي ذهبت إلى مقاربة القضية على أنها قضية سياسية تدخل ضمن الصراع السياسي القائم بين التيار الوطني الحر (وهو التيار الذي لم تخفِ القاضية عون سابقا قربها منه) وخصومه وبخاصة تيار المستقبل في ظل الصراع الحاصل على تشكيل الحكومة، وأخيرا السرديات التي ذهبت بخلاف السرديات السابقة إلى مقاربة القضية على أنها قضية إفلات الأشخاص النافذين من العقاب تبعا للتدخلات والتأثيرات المؤثرة في استقلال القضاء.

تمرّد قاضية استعراضية

ذهب عدد من المواقف إلى إبراز سلوكيات القاضية غادة عون. وفيما أن غالبية المواقف التي تناولت هذه السلوكيات ربطتْها بقربها من التيار الوطني الحرّ أو بتأثيرات سياسية (وهذا ما نتناوله في المواقف التي اختزلت القضية في بعدها السياسي)، فإن بعضها تميّز بتركيزه على القاضية في موازاة إنكار تام للأبعاد الأخرى أو على الأقل تهميشها، بما يُقصي عن النقاش العامّ أي تساؤلات بشأن التأثيرات السياسيّة على القضاء أو إفلات أصحاب النفوذ من العقاب. وغالبا ما ترافقت هذه المواقف المنددة بسلوكيات عون مع مواقف تمجّد بما بدا غريمها في هذه القضية وهو النائب العام التمييزي غسان عويدات. أول المواقف التي أمكن تصنيفها في هذا المجال صدر قبل أسابيع من تحول القضية إلى قضية محورية في الخطاب العام، وذلك في برنامج “صار الوقت” بتاريخ 25 آذار 2021، تبعا لإصدار عون مذكرة بحث وتحر في حق رئيس مجلس إدارة مصرف SGBL أنطون الصحناوي في 19 آذار في دعوى حاكم مصرف لبنان ومصارف وصرافين، وذلك في إطار التحقيقات التي تجريها وبعد تمنعه من حضور جلسات الاستماع إليه. فقد خصص الإعلامي مارسيل غانم -الذي عمل مدّة طويلة كسفير لمصرف “SGBL-الجزء الأول من برنامج “صار الوقت”، للتهجّم المباشر على القاضية عون داعياً الهيئات القضائية لاتخاذ الخطوات اللازمة لعزلها. بدأ غانم الحلقة بمجموعة تساؤلات، صاغ فيها قضيّة تهريب الأموال على النحو التالي: “ماذا نقول بعد لنقول أن قضاءنا ليس بخير؟… أين بركان سعد رئيس التفتيش القضائي من كل الملفات والخروقات التي تجري في القضاء وماذا ينتظر؟ وأين مدعي عام التمييز (غسان عويدات) المعروف بتمرده (وقد وردت عبارة متمردة بمعنى إيجابي)؟ علماً أن هناك أكثر من قاضٍ يتمرد على كل القرارات القضائية”. ثم عرض البرنامج تقريرا لجسي طراد زعم أن استدعاء الصحناوي غير قانوني، وتحدّث موكل أنطون الصحناوي آلان أبو ضاهر، شاكياّ مظلوميّة موكّله الذي لم يتبلغ وفق الأصول، وقال أنّه لم يحضر كشاهد بداعي السفر، وهي الحجّة ذاتها التي كان ساقها الصحناوي في حادثة “maison blanche“، وتحدّث عن شكوى قدمّها لمدّعي عام التمييز ضد القاضية بحجّة “الإضرار بجمعيّة المودعين وبالوضع المصرفي بشكل عام”.

وفي 17 نيسان، على إثر استمرار القاضية عون في التحقيق في شركة مكتّف في عوكر رغم صدور قرار عن النائب العام التمييزي عويدات بكف يدها، وصفت المواقع والصحف والمحطات الإعلاميّة هذا العمل القضائي ب”الغزوة” والتعدي على أملاك خاصة وتحدّث بعضها عن “تمرّد القاضية عون” (هنا بالمعنى السلبي للكلمة). وقد اعتبرت قناة الجديد في مقدمة نشرتها أنّ “القضاء فتح فرعا مستقلا في عوكر”، وتهجمّت على شخص القاضية: “اشتدّت الحالة النفسية على غادة عون”. “جريدة النهار” عنونت “فضيحة تمرد قضائي”، وكذلك عنونت الجمهوريّة: “غادة عون تتمرّد… والقضاء يردّ “، وقدمت “الأنباء” الحدث على أنّه استعراض مسرحي، وكذلك تحت عنوان ” كسر وخلع”، تحدثت نداء الوطن” عما وصفته ب “يوم أسود للقضاء”. هذه المواقف كلّها سلمت بقانونية قرار عويدات بما يجعل خروج عون عنه تمردا وخروجا عن القانون. أمّا “جريدة الأخبار” فتحدّثت عن تحوّل القاضية غادة عون إلى “قاضية خارجة عن القانون” وإن جاء ذلك في إطار التعاطف معها، في إشارة إلى أنّها “صادقة وشريفة وحالمة. عفوية إلى أقصى الحدود”[1].

وجد بعض الخطباء في الصخب الإعلامي فرصة لزيادة حدّة الهجوم على القاضية. كتب نقيب الصحافة عوني الكعكي مقالة تحت عنوان “الرئيس غسان منيف عويدات… بيضتها” مادحاً في نسب عويدات وتربيته. ووضع المشكلة في إطار أنّ القاضية تعتدي على الناس، ومن هؤلاء الناس الذين اعتدت عليهم القاضية وفقاً للنقيب، كل من حاكم المصرف المركزي رياض سلامة ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي وأنطون صحناوي. ولم يمتنع النقيب عن التهجّم على القاضية عون على نحو ذكوري حيث شكك بصحتها النفسيّة وربط ذلك بكونها “غير متزوّجة”[2]. بينما ذهب وزير العدل الأسبق شارل رزق أبعد من ذلك محرضاً على الإعتداء على القاضية ” هي بدها عصاية على ضهرها”، ووضع رزق المشكلة القائمة في إطار ضرب الثقة بالاستثمار في لبنان، على اعتبار أنّ التحرّك القضائي والتدقيق بالعمليات الماليّة يضرب هذه الثقة. في الاتجاه نفسه، ذهب خلفه الأسبق في وزارة العدل ابراهيم نجار الذي وصف تصرّف القاضيّة ب”التشبيح”، معتبرا أنها فقدت أعصابها وأنها اصطنعت المشكلة حين أخرجت الموضوع إلى الإعلام. وقال نجار: “المشهد العام الذي نقل مباشرة عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أساء للقضاء الذي لا يجب أن يكون موضع تساؤل لدى الرأي العام، فهذا ينال من هيبته”.[3]

في الاتجاه نفسه أي في اتجاه التركيز على سلوكيات القاضية “الاستعراضية”، ذهب النائب ميشال ضاهر في بيانه الصادر في 17 نيسان. وقد جاء فيه حرفيا: “إلى القاضية غادة عون التي تظلم نفسها وتظلم الناس بملفات مالية معقدة، نقول بأن الشؤون المالية والمصرفية بحاجة الى قضاة من أصحاب الاختصاص، لأن كرامة الناس وسمعتهم لا يمكن أن تكون لعبة في يد بعض قضاة الاستعراض… كفى”. بالتالي، تلاقى توصيف ضاهر للمشكلة مع كلام النقيب عوني الكعكي، فالمشكلة تكمن بأنّ “هذه القاضية تعتدي على الناس”. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الضاهر يواجه حاليا دعوى مالية تبعا لتحقيقات قامت بها القاضية عون[4].

وقد اعتبر النائب بلال عبدالله في تغريدة له في 22 نيسان، أنّ أزمة القضاء “المفتعلة” هي بين منطق المؤسسات ومنطق الشعبوية وأضاف أنّ “البيئة الوطنية العريقة في أقليم الخروب وشحيم التي أنبتت أعمدة القضاء ومنهم غسان عويدات لن تحتكم إلا للدولة!”

وكان لافتاً موقف البطريرك بشارة الراعي الذي صاغ المشكلة من موقع حارس الأخلاق والتقاليد، حيث قال في عظة الأحد: “أصابنا الذهول ونحن نرى على شاشات التلفزة واقعة قضائية لا تمت بصلة إلى الحضارة القضائية ولا إلى تقاليد القضاء اللبناني منذ أن وجد.”[5] واعتبر البطريرك أن ما جرى مخالف للأصول القضائية والقواعد القانونية، يضرب هيبة القضاء ويهدد وجه القاضي النزيه والحر من أي انتماء. وقد ذهب المطران الياس عودة في وعظته الحاصلة في اليوم ذاته في نفس الاتجاه حيث تساءل: :هل يجوز أن يتمرّد قاضٍ على القانون…، هل يحوز أن يقتحم قاضٍ أملاكا خاصة دون مسوغ قانوني؟ … مهما كانت قضية القاضي محقة، هل يجوز أن يخرج قاض عن القانون”. وقد ضمّن عودة وعظته علاوة على ذلك منحًى سياسيا وفق ما سنعود إليه أدناه.

وقد تكلّلت هذه المواقف ببيان مجلس القضاء الأعلى الصادر بتاريخ 20 نيسان 2021، الذي بدا شديد الوضوح في تحديد طبيعة المشكلة وحصرها في سلوكيات القاضية عون. فبعدما استبعد صراحة اعتبار ما يحصل صراعا “بين من يريد مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين وبين من لا يريد أو من يمنع ذلك”، أو “صراعا بين النائب العام التمييزي (عويدات) والنائب العام الاستئنافي (عون)” أو “صراعا سياسيا بين تيارين”، فإنه رأى أن ما حصل فعليا هو خرق عون لموجب التحفظ وعدم التزامها بتنفيذ تعهداتها المتكررة أمام المجلس وتمنعها عن الحضور إلى النيابة العامة التمييزية. وبذلك، كان مجلس القضاء الأعلى واضحا جدا في تحديد المشكلة وإنكار أي أبعاد أخرى لها، لينتهي إلى مطالبة عون بالالتزام بقرار عويدات، بمعزل عن ما أثير من ملاحظات حول مضمونه، وبكلمة أخرى بمعزل عن مدى قانونيته. وكأنه بذلك يقول أنه حتى ولو لم يكن القرار قانونيا، تبقى المشكلة في شخص القاضية عون التي ترفض تنفيذه.

وعدا عن الطابع الاختزالي لهذه السرديات، فإنها أبدتْ تجاهلاً تامّاً لآراء العديد من الخبراء الذين اعتبروا قرار عويدات بكف يد عون مخالفا للقانون. من أبرز هؤلاء الخبراء، الرئيس السابق للمجلس الدستوري عصام سليمان ورئيس منظمة دي جوستيسيا بول مرقص (برنامج نهاركم سعيد في 19 نيسان) والخبير الدستوري سعيد مالك (برنامج “نهاركم سعيد” في 23 نيسان). وبشكل عام، استندت هذه الآراء إلى أن القرار يخالف المادة 12 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة والمادتين 22 و45 من المرسوم 150\83 (تنظيم القضاء العدلي)، وهي مواد تولي صلاحية توزيع ملفات النيابة العامة في المحافظات للنائب العام في هذه المحافظة (عون) من دون أن يكون للنائب العام التمييزي أي صلاحية للحلول محله. وقد أضاف مالك أنّه لا يجوز سحب ملف إذا كان موجودا لدى غرفة قاض وتوزيعه على قاضٍ آخر، لأنّ قرار توزيع الملفات يأتي على ملفات لاحقة لا ملفات يجري العمل عليها.

حلقة من حلقات الصراع السياسي

هذه السرديات ذهبت إلى مقاربة القضية كجزء من الصراع السياسي. وقد صدر العديد من هذه السرديات عن القوى المؤيدة كما القوى المعارضة لعون. كما صدرت عن مرجعيات حقوقية أو حكومية أو إعلامية، نأت بنفسها عن هذه الصراعات وإن قاربت التجاذب الحاصل على أنه تجاذب سياسي محض مستبعدة منه مجمل أبعاده الأخرى.

المنطق هذا ساقه رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، في كلمة وجهها إلى اللبنانيين في 24 نيسان. على اعتبار أنّ هناك “أوادم” وغير ال”أوادم”، ودعا ال”أوادم” إلى الثورة، قال: “هي ثورة الصادقين الأوادم يلّي شفناهم نزلوا عفوياً بـ 17 تشرين ويلّي طلعوا منها لمّا شافوا الاستغلال السياسي وتشويه المطالب، واكتشفوا المال المجوي والإعلام المأجور والاستهداف الظالم”. ثمّ استثمر باسيل الحدث ليشكي مظلوميته بما تحدث عنه من “اغتيال سياسي” له من قبل الخصوم، على اعتبار أن ما يجري مع القاضية عون هو الأمر ذاته. وأتت الإشادة من باسيل بالإجراءات القضائيّة في معرض الحديث عن إمكانية سحب التكليف من الحريري. في الاتجاه نفسه، ذهب النائب نيكولا الصحناوي في تغريدة له حيث جاء حرفيا: “عام 1989 ضابط واحد انقذ شرف لبنان فتوحد الافرقاء في الداخل والخارج وهزموه”.

ورغم انخراط جمهور التيار الوطني الحر في الدفاع عن القاضية عون وبخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، يلحظ أن أغلب نواب هذا التيار (وبخاصة النواب الذين عرفوا بقربهم من المصارف) آثروا الصمت أو أبدوا مواقف ملتبسة يستشفّ منها انتفاد لعون أكثر مما هو تأييد لها. وقد بدوا في ذلك وكأنهم أكثر انسجاما مع الفئة الأولى من السرديات وبخاصة مع السرديات التي تضع القضية كلها في إطار الاستعراض. أبرز هؤلاء النائب ابراهيم كنعان الذي ذكر في تغريدة له أنه تقدم في سنة 2013 مع العماد عون باقتراح قانون إنشاء المحكمة الخاصة للجرائم المالية “ولهلّق ما أُقرّت. #بلشو_من_هون”. الالتباس نفسه ورد في تغريدة للنائب آلان عون جاء فيها: “يجدر بالقضاء الإقرار أنه شريك السياسيين في فشل النظام لأن مشكلة لبنان ليست فقط في ارتكابات بعضهم بل في غياب المحاسبة لهم”. وبالمجمل صبت أكثر تعليقات النواب في التيار الوطني الحر حول التدقيق الجنائي ومواضيع أخرى طغت على الحدث.

بالمقابل استغلّ النائب مصطفى علّوش الهجوم الإعلامي على القاضية لمهاجمة رئيس الجمهورية ميشال عون، فقال في تغريدة له في 18 نيسان: “غادة عون صورة طبق الأصل لراعيها: تشبيح يدعي القوة وشعبوية تختطف السلطة”. واعتبرت كتلة “المستقبل” في بيان لها ما يجري “علامة من علامات محاولات استكمال الانقلاب على الدستور والنظام الديمقراطي”، وثمّ ربطت الكتلة ما جرى بتشكيل الحكومة والتشكيلات القضائيّة بنبرة تحدٍ: “لا يتصور أحد ان رئيس الجمهورية يمكن ان يكون حكَماً للبلاد بإلغاء السلطات الاخرى وانتهاج أسلوب التعطيل المزمن لعرقلة تشكيل الحكومة والتشكيلات القضائية”[6].

أمّا نائب رئيس مجلس النوّاب إيلي الفرزلي فاعتبر في حديث إلى صحيفة “الديار” اللبنانية أننا نشهد “تدميرا ممنهجا” و”إسقاطاً” للمؤسسات ومنها القضاء ما سيؤول إلى “الفراغ والفوضى”، ودعا الجيش اللبناني إلى توجيه إنذار لرأس الحكم “لإحباط الانقلاب على الدولة”[7]. وخلال مقابلة مع “سبوت شوت”، قال الفرزلي حول ما قامت به القاضية عون، أنّ “هذا الأمر لم يحدث ولم يجرِ حتى في سنوات الحرب الأهلية”[8]. وقد شبّه الفرزليَ تمرّد القاضية عون بتمرّد الرئيس ميشال عون آخر سنوات الحرب، ومحذراً من تمرّد لاحق للرئيس عون في الإنتخابات الرئاسيّة القادمة حيث قال حرفيا: “إذا أتى الرئيس عون، وقال لا يمكنني أن أترك ماذا نقول له؟”[9] واستنتج الفرزلي أن المعادلة التي يطرحها الرئيس عون هي “إمّا جبران باسيل رئيسا للجمهورية أو الفوضى”[10]. وإذ دعا الفرزلي مجلس القضاء الأعلى إلى اتّخاذ قرار “يمنع ويردع أي تفكير مستقبلي من قبل أي قاضٍ للقيام بهذا العمل” لئلا يتحول الأمر إلى ظاهرة تؤدي إلى مداهمة مؤسسات الصرافة، أعلن بصريح العبارة أنه سيدعو الهيئة العامة لمجلس النواب لتأليف هيئة برلمانية ذات صلاحيات قضائية تحقق في هذا التمرد وفي ما إذا كانت حسابات سياسية تشوبه.[11] في الاتجاه نفسه، تساءل كل من النائب مصباح الأحدب والمطران الياس عودة عن سبب عزوف مجلس النواب عن التدخّل في القضيّة.

بدوره، أدلى رئيس حزب القوات اللبنانيّة سمير جعجع بدلوه في هذه القضية بما يختزلها ببعدها السياسي. وهذا ما نستشفه بوضوح من بيان له جاء فيه صراحة أن “التيار الوطني الحر” أدخل مفاهيم جديدة إلى قاموس السياسة؛ “فحماية حقوق المسيحيين يكون بمهاجمة وتكسير شركات خاصة في عوكر”[12]. وشبّه ما جرى بما كان يفعله النازيون في الثلاثينات، من مهاجمة مؤسسات والتعدي على ملكيات خاصة بحجة الفساد لحرف الأنظار عن المشاكل الأساسيّة للبلاد. ثمّ دعا نوّاب “التيار الوطني الحر” لتقديم استقالتهم.

بدوره تساءل نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف: “ماذا عسى أن يفهم المواطن مما يحيط به من واقع مرير؟ ما هي هذه السلطة التي تضع كل الضحايا بمواجهة بعضهم البعض حتى وصلت الأمور إلى مواجهة عبثية بين قضاة؟” وكمنت المشكلة بالنسبة للنقيب في الإستقطاب الحاصل من خلال “وضع شارع مقابل شارع”، ما سيمنع الحلول، ويؤدي إلى “تسويات قاتلة على حساب حقوق الناس”[13]. وقد انتهى خلف إلى دعوة المؤسسات القضائية (وبخاصة هيئة التفتيش القضائي) إلى القيام بدورها في محاسبة المخالفات القضائية وتأثيراتها بعيدا عن الإعلام.

فنون عدّة مؤداها إفلات أصحاب النفوذ من القضاء

إلى جانب السرديات سابقة الذكر، برزت سرديات أخرى ذهبت أبعد من المشهدية الظاهرة لتستشف منها بشكل خاصّ مؤشرا على تعطيل وظائف القضاء في محاسبة أصحاب النفوذ، بفعل تسييسه وتطييفه واستتباعه بطرق مختلفة. وبشكل عام، انتهتْ هذه السرديات إلى المطالبة بتعزيز استقلالية القضاء بما يخوله القيام بدوره في مكافحة الفساد والتعامل مع جميع المتقاضين على قدم المساواة.

أبرز المواقف في هذا الخصوص موقف “نادي قضاة لبنان” الذي استهلّ بيانه بجملة يفهم منها أنه اعتبر أن عرقلة عمل القاضية عون إنما حصل من النائب العام التمييزي في استجابة منه لطلب حاكم مصرف لبنان، وذلك بخلاف الدور المنوط به والذي يضع على عاتقه بشكل خاصّ حماية حقوق المجتمع. فتحت عنوان “وضعية سريالية سببها ارتهان بعض القضاة”، استهل النادي بيانه بالعبارات الآتية: “حبذا لو مر بعض الوقت كي ينشف حبر كتاب حاكم مصرف لبنان المطالب بإسكات الضجة القضائية وعنى بها الملاحقات والقرارات القضائية التي تجرأ عليها ثلة من القضاة المدنيين والجزائيين وذلك قبل الشروع في الأمس القريب بمحاولة إسكاتها، في الوقت الذي نشفت فيه دماء المودعين منذ أشهر عديدة ولم نرَ أي حث على الملاحقة بجق المذنبين ممن احتل صدارة المراكز كواجب يشكل أصل ما أوجبه القانون عليهم وعلى تولية مواقعهم”. وقد انتهى البيان إلى التأكيد إلى أنه “لا خلاص إلا بإقرار قانون إستقلالية القضاء” على نحو يضع حدّا للتعيينات السياسية ويضمن استقلالية القضاة ومنعتهم حيال التدخلات والتأثيرات السياسية. ومن اللافت أن هذا البيان جاء قبل أيام من القرار القضائي الصادر عن رئيسة نادي القضاة أماني سلامة (28 نيسان) بمنع التصرف بعقارات وأسهم عدد من أعضاء مجالس إدارة المصارف.

وإذ ذهب ائتلاف استقلال القضاء في بيانه الصادر في 18 نيسان في الاتجاه نفسه وإن أعرض عن توصيف المشهد، فإنه تميز بوضع مهلة 15 يوما للجنة الإدارة والعدل لإنجاز قانون استقلال القضاء العدلي وشفافيته العالق لديها منذ أكثر من سنتين ونصف، “طالما أن إقرار هذا الاقتراح هو المدخل لإنهاء تسييس القضايا القضائية وإعادة الطمأنينة للقضاة والمتقاضين وتمكين المجتمع من استرداد حقوقه والأهم دولته”. كما حذّر الائتلاف من مغبة عزل القضاة تطبيقا للمادة 95 من قانون تنظيم القضاء العدلي (والتي تسمح بعزل القضاة) أو من أي إجراء يؤدّي عمليا إلى إغلاق الملفات القضائية الهامة.

كما يُسجّل في هذا الخصوص موقف وزيرة العدل ماري كلود نجم عقب اجتماع طارئ دعتً إليه غداة مداهمة عون لمكتب مكتف. فبعدما أشارت نجم إلى خطورة تطييف المراكز القضائية تمهيدا لتسييسها بما يخالف الدستور، سجّلتْ بالفم الملآن أنّ “القضاء منقسم وتابع لمرجعيات سياسية، وهذا الأمر يقسم الشعب أيضاً”. وإذ شددت نجم من خلال إحالة كامل الملف إلى التفتيش القضائي (وليس فقط تصرفات القاضية عون) على عدم جواز تحميل مسؤوليّة المخالفة القانونيّة للقاضية عون وحدها، فإنها انتهت إلى مطالبة رئيس لحنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان “الإسراع بإقرار قانون استقلالية القضاء فوراً”[14].

بدوره، اعتبر الرئيس السابق للمجلس الدستوري القاضي عصام سليمان خلال برنامج “الحدث” على “تلفزيون الجديد” أن سبب الأزمة هو الخروج عن نصوص الدستور، موضحا أن “ما حصل منذ الطائف حتى اليوم أنه لم يؤخذ بما نصت عليه المادة 95 (من الدستور) ووزعت الوظائف على الطوائف بما فيها القضاء الذي كان يجب أن يكون بعيد كل البعد عن الطائفية وقد حددت المواقع الأساسية للطوائف حتى أصبح كل رئيس محكمة موقعه مكرس لطائفة محددة وهذا الأمر مخالف للدستور”[15]، وتابع سليمان أنه بذلك أصبح عملياً زعيم الطائفة هو الذي يحدد أي قاضٍ يكون بالموقع المخصص لطائفته. كما دعا سليمان إلى انتفاضة داخل القضاء، ليستعيد القضاء كمؤسسة كرامته وهيبته.

خلاصة

حاولنا فيما تقدم مواكبة الخطاب العام بشأن قضية تهريب الرساميل إلى الخارج. وقد أرغمتنا كثرة المواقف المعلنة فيها إلى حصر تعليقنا بالمواقف الأبرز، ساعين إلى تصنيفها ضمن فئات إنطلاقا من وجهة السردية التي ترتكز إليها. وقد أمكن أن نستشفّ منها كيف ذهب العديد من السرديات بشأنها إلى تحجيم المشكلة من خلال تحويلها إلى مشكلة سلوك شخصي أو مشكلة صراع سياسي، بما يغيّب بالمقابل مشاكل أكثر عمقا تتصل باستقلالية القضاء ومنعته وقدرته على محاسبة الأشخاص الأكثر نفوذا. فعلام ستسفر هذه القضية والتفاعلات حولها؟ ولأي من السرديات ستكون الغلبة في الخطاب العام؟ هذا ما يبقى من المبكر الإجابة عليه.


New Page 1