لماذا شركات التأمين مُلزمة بتسديد تعويض عن تفجير المرفأ؟ :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


لماذا شركات التأمين مُلزمة بتسديد تعويض عن تفجير المرفأ؟

نادين عرفات - المفكرة القانونية
13-05-2021
في إثر تفجير مرفأ بيروت، برزت الكثير من الإشكاليات القانونية المرتبطة بمسألة التعويض عن الأضرار الجسدية والمعنوية والمادية التي لحقت بالضحايا والمتضررين من التفجير. وتندرج مسألة تغطية شركات التأمين للأضرار ضمن الإشكاليات الأبرز، لا سيما أنّ هذه الشركات تربط موجب التعويض على المتضرّرين بالتقرير الرسمي الصادر عن المحقق العدلي. ومن المعلوم أنّ هكذا تقرير مرتبط بتحقيقات جزائية يعتريها الكثير من التعقيد وتتداخل فيه معطيات سياسية متشعّبة. تستند شركات التأمين لتبرير عدم تغطية الأضرار الناجمة عن التفجير إلى احتمال حصوله نتيجة أعمال حربية أو إرهابية، وهي أعمال مستثناة في العديد من العقود من نطاق التغطية.

لقد شكّل قرار شركات الضمان الرافض للتعويض محوراً للمواقف السياسية التي حملت وجهات نظر متنوّعة فيما خصّ سير التحقيق ووجوب التعويض، حيث عبّر عن هذا الأمر الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله بتاريخ 16 شباط، حين اعتبر أنّه من واجب القضاء أن يعلن عن الجانب الفنّي في موضوع التحقيق بهدف التعويض على المتضرّرين على أن يتمّ تحميل المسؤوليات عن التفجير فيما بعد.

وبتاريخ 8 نيسان 2021، وفي الاتّجاه نفسه، وجّهت لجنة الرقابة على شركات الضمان كتاباً موقّعاً من وزير الاقتصاد والتجارة راوول نعمة إلى المحقق العدلي، طالبةً بموجبه إخراج الأعمال الإرهابية والحربية من دائرة الأسباب التي أدّت إلى وقوع الانفجار بهدف الحفاظ على حقوق المواطنين المؤمّنين والتعويض لهم عن الأضرار التي لحقت بهم. أثار هذا البيان جدلاً واسعاً لا سيما أنّه يشكّل تدخّلاً في عمل القضاء وهو جرم تصل عقوبته إلى الحبس ثلاث سنوات عملاً بأحكام المادة 419 من قانون العقوبات. هذا مع العلم أن اللجنة كانت وجّهت بتاريخ 13 آب 2020 كتاباً إلى كافة هيئات الضمان العاملة في لبنان طالبت بموجبه انطلاقاً من متطلّبات المصلحة العامّة وتأميناً للتعويض عن كافة المتضرّرين المرتبطين بعقود ضمان، بتنفيذ مدرجات عقود الضمان بصورة فورية وفق استحقاقها، تحت طائلة إنزال أقصى العقوبات بحقّ الهيئات التي يتبيّن أنّها تمتنّع أو تتلكأ عن تسديد مستحقات أصحاب الحقوق بما يتضمّن تجميد أصول تلك الهيئات ومنع التصرّف بها.

في الواقع، من شأن تناول موضوع التعويضات على المتضرّرين من هذه الوجهة، الحدّ من حماية المتضرّرين، وغضّ النظر عن القواعد القانونية المكرّسة بموجب قانون الموجبات والعقود، والتي من شأن تفسيرها، إلزام شركات التأمين على التغطية في القضية الحاضرة، بغض النظر عن صدور التقرير الرسمي من قبل الجهات المختصّة.

هذا ما سوف نتناوله في هذه المقالة التي توضح في مرحلة أولى أثر احتمال العمل الحربي على موجبات شركات التأمين ونلقي الضوء في مرحلة ثانية على أثر احتمال العمل الإرهابي على موجبات شركات التأمين.

أي أثر لاحتمال تسبّب عمل حربي بالتفجير على موجبات شركات التأمين؟
نتناول هنا الأثر من خلال 3 ملاحظات:

كيف نعرّف الفعل الحربي المُستثنى من تغطية عقد الضمان؟

قد يرد مصطلح “الحرب” في عقود التأمين بدون تعريفه أو شرحه بصورة مفصّلة. وورد المصطلح في المادة 969 من قانون الموجبات والعقود التي نصّت على أنّه: “لا يكون الضامن مسؤولاً عن الهلاك أو الضرر الذي تحدثه حرب خارجية أو حرب أهلية أو فتنة أو حركة قومية، ما لم يكن هناك اتفاق على العكس”. لقد تبنّى القانون اللبناني، المادة 34 من قانون “غودار” Godart الفرنسي الصادر في 13 تموز 1930 [1]والذي نظّم القواعد الأساسية لقانون التأمين البرّي، وذلك بعد انتهاء كل من الحرب الألمانية الفرنسية (1870- 1871) والحرب العالمية الأولى (1914-1918).

لم يشرح القانون اللبناني كما القانون الفرنسي ما المقصود بمصطلح “الحرب”. ولقد عبّر الفقه الفرنسي بأنّ المقصود بالاستثناء التشريعي الذي يخرج الحرب من دائرة التغطية هو “فعل الحرب” وليس مجرّد “حالة الحرب”.[2] وذهب جانبٌ من الفقه إلى ضرورة تفسير “فعل الحرب” بصورة ضيّقة باعتبار أنّ عدم تغطيته بموجب البوليصة يشكّل استثناء وكل استثناء لا بدّ أن يفسر بصورة ضيّقة[3]وفقاً للقاعدة القائلة: “يجب تفسير الاستثناء بالطرق الأكثر صرامة”.

وأوضح جانب من الفقه، بأنّ الحرب تبدأ عندما يتمّ إعلانها بصورة علنية من قبل الدولة المعتدية[4]. وتتمثّل الأعمال أو الأفعال الحربية بحشد هائل للقوّات العسكرية وللمعلومات المخابراتية[5]. وهنا يتوجّب على شركة التأمين إثبات “فعل الحرب” وبأنّ هذا الفعل قد شكّل السبب المباشر والحصري للحادث وأدّى بصورة مباشرة إلى حصول الضرر أو الهلاك من أجل إعفائها من التغطية.[6]

وجوب أن يكون الفعل الحربي سبباً مباشراً وحصرياً للتفجير

ما هو الفعل الحربي الذي يعفي شركات التأمين من التعويض على المتضرّرين، هل هو الفعل الحربي الذي يشكّل سبباً مباشراً أو غير مباشر لحصول الانفجار والضرر الناتج عنه؟

إنّ الجواب على هذا التساؤل مهم جداً، لا سيّما وأنّ الاستثناء الذي تمّ تكريسه في القانون أو في عقود التأمين يقتصر على المخاطر المرتبطة ارتباطاً حصرياً بالفعل الحربيّ نظراً لما يشكّله هذا الخطر من خصوصية[7]. وبالتالي، لا بدّ من التمييز بين مسألة تعدّد الأسباب لحصول الكارثة وبين الصلة السببية بين الانفجار والضرر.

لقد استقرّ الفقه والاجتهاد على أنّ الحادث الذي يخرج عن نطاق ضمان التغطية، هو ذلك الذي كان سببه العمل الحربي بصورة مباشرة وحصرية[8]. وبالتالي إنّ الحادث الذي ينجم بصورة غير مباشرة عن العمل الحربي لا بدّ من أن يتمّ تغطيته وهو لا يشكّل استثناءً بالمفهوم المحدّد بالقانون أو في عقد الضمان.

وفي حالة تفجير مرفأ بيروت، تشير المعلومات الثابتة لغاية تاريخه، إلى أنّ مادة نيترات الأمونيوم قد تمّ تخزينها في المرفأ منذ ما يقارب الستّ سنوات، وأنّ عملية التخزين كان يسودها العديد من الشوائب المرتبطة بالإهمال وقلّة الاحتراز ومخالفة القانون. وعليه، يشكّل الإهمال في معالجة عملية تخزين هذه المادة كما وحجم الكمية المتواجدة سبباً رئيسياً ومباشراً في حصول التفجير وذلك بغضّ النظر عن السبب أي الفعل المحدّد الذي أدّى إلى انفجار هذه المادة، سواء أكان فعلاً حربياً أو عدائياً أو مجرّد حريق ناجم عن التلحيم أو أي سبب آخر.

وهذا يعني، وإذا سلّمنا جدلاً بأنّ ثمة عملاً أو فعلاً حربياً أدى إلى تفجير العنبر رقم 12، فإنّ نتائجه وامتداد الدمار الناجم عنه إلى أحياء واسعة في بيروت لم يكن بسبب هكذا فعل بل بسبب أفعال أخرى ساهمت بشكل مباشر وحتمي في حصول الضرر، ونعني بذلك الإهمال وقلّة الاحتراز ومخالفة القانون، وكلّها ناجمة عن مسألة تخزين مادّة الأمونيوم في مرفأ بيروت، وهي مخاطر غير مستثناة من موجب الشركات المؤمّنة.

وعليه، فإنّ الأسباب المتعدّدة لحصول الحادث تجعل من العمل الحربي سبباً غير مباشر وغير حصري لحصوله. وهذا يؤدّي إلى تعليق تطبيق الاستثناء المرتبط بالعمل الحربي ويوجب على شركات التأمين تغطية الحادث وفقاً للمهل المحدّدة بموجب أحكام القانون وبنود عقد الضمان وذلك عملاً بما استقرّ عليه العلم والمبدأ القانوني الذي يوجب تفسير استثناء الأعمال الحربية من التغطية بصورة حصرية. مع الإشارة، إلى أنّ القانون قد ألقى على عاتق الضامن إثبات هذا الفعل إنصافاً للمضمون. فماذا يعني هذا الأمر؟

إلقاء عبء إثبات وجود العمل الحربي على عاتق الضامن إنصافاً للمضمون

في الواقع تتضمّن المادة 969 – موجبات وعقود، فقرتين، وتنصّ من ناحية أولى، على استثناء تشريعي مفاده عدم تغطية المخاطر الناجمة عن الحرب الخارجية، إلاّ أنّها تنص من ناحية أخرى على مبدأ هام مفاده قلب عبء الإثبات وإلقاؤه على عاتق شركة التأمين.

ماذا تعني أحكام هذه المادة وكيف يمكن تفسيرها؟

يستدعي تفسير هذه المادة التركيز على نقطتين:

يفترض المشرّع بأنّ المبدأ يكمن في عدم وجود فعل حربي وعلى شركة التأمين عبء الإثبات في حال ادّعائها عكس هذه الواقعة[9].
إن الأسباب الموجبة لإلزام الضامن بموجب عبء الإثبات تتمثّل بوجوب إنصاف المضمون الذي تمّ حرمانه من تغطية مخاطر الحروب سواء من خلال استثناءات تشريعية أو من خلال استثناءات تعاقدية[10].
وبالتالي، إنّ تعليق موجب التعويض بانتظار صدور تقرير رسميّ في قضية ذات طابع كارثي من شأنه أن يمسّ وبصورة فاضحة بمبدأ الإنصاف الذي كرّسته المادة 969 – موجبات وعقود، ويعاقب المضمون الذي لا حيلة له في تحديد مهلة محدّدة لصدور تقرير رسمي يحدّد نتائج التحقيق. كما أنّه يخالف طبيعة عقد الضمان الذي يهدف إلى التعويض بالدرجة الأولى، وهو يؤمّن نوعاً من الأمان الاجتماعي وتؤدّي شركات التأمين دوراً بارزاً في حماية الضحايا والمتضرّرين عن طريق التعويض لهم بموجب هذه العقود. فهي تؤمّن حصول المتضرّر على تعويض سريع في حال تعرّض لطارئ أو ضرر ما وتساهم في عودة حياته إلى طبيعتها بشكل أسرع. وبعد أن تدفع التعويض، تحلّ شركات التأمين محلّ المضمون لاستعادة ما دفعته من المتسبب بالضرر وذلك على ضوء اتفاقيات المقاصة بين الشركات. وبالتالي، إن تعليق التعويض بانتظار صدور تقرير رسمي في حادثة تتداخل فيها عوامل معقّدة، يناقض الغاية من وجود وإبرام عقود الضمان على الأضرار، كما ويناقض الأسباب الموجبة لتكريس مبدأ قلب عبء الإثبات ووضعه على عاتق الضامن بموجب الفقرة الثانية من المادة 969 موجبات وعقود.

أي أثر لاحتمال تسبّب أعمال إرهابية بالتفجير على موجبات شركات التأمين؟
نتناول هنا الأثر من خلال الملاحظات الآتية:

ما المقصود بالأعمال الإرهابية التي تخرج عن نطاق تغطية عقد التأمين؟

ماذا نعني بالعمل الإرهابي؟ وهل يمكن لشركات التأمين أن تتذرّع بانتظار التقرير الرسمي الذي ينفي وجود العمل الإرهابي في عملية تفجير المرفأ؟

لا بدّ في بادئ الأمر من تعريف العمل الإرهابي. فهو ينتج عن عمل صادر عن فرد أو عن مجموعة أفراد لزعزعة النظام العام[11]. ولقد اشترط الاجتهاد للاعتراف بهذا العمل بوجوب توافر شرطين: الأوّل مرتبط بطبيعة العمل الإرهابي الذي يستوجب إثبات وجود مشروع سياسي وإيديولوجي والحد الأدنى من التنظيم لإنجاح هذا المشروع من خلال الترهيب والتخويف، والثاني مرتبط بوجوب تبنّي هذا العمل بصورة فردية أو جماعية[12]. يتضح من ذلك، بأنه لا بدّ من تبنّي هذا العمل من قبل فرد أو مجموعة لكي تسري النتائج القانونية المرتبطة بشمول أو استثناء العمل الإرهابي من نطاق تغطية عقد الضمان.

العمل الإرهابي، سبب مباشر وحصري؟

كما أنّ ثمّة تساؤلاً مهمّاً يتمحور حول المسألة المرتبطة بوجود شكوك حول سبب الحادث الذي قد يرتبط بعمل إرهابي، كيف يمكن التعامل مع هذه الشكوك وهل يمكن تعليق موجب التعويض على انتظار نتائج التحقيق؟

الإجابة الأولى على هذا السؤال هي استعادة ما قلناه أعلاه بشأن أثر احتمال وجود عمل حربي. فعلى فرض وجود عمل إرهابي تسبّب بانفجار العنبر رقم 12، فإن امتداد التفجير ليشمل المرفأ وأحياء بيروت إنّما يتأتّى بداهة من الإهمال وقلّة الاحتراز ومخالفة القانون في تخزين هذه الكمية الهائلة من النيترات، وهو فعل تتحمّل شركات التأمين المخاطر الناجمة عنه. ومن شأن هذا الأمر أن يجرّد شركات التأمين من أي حجة في هذا الخصوص.

فضلاً عن ذلك، أمكن هنا الاستئناس بالقانون الفرنسي الذي صدر بتاريخ 24 كانون الأول من العام 1943[13] بإلزام شركات التأمين بتغطية المخاطر الناجمة عن الأعمال التخريبية والأعمال الإرهابية في حال وجود شكوك حول سبب حصول الحادث. لقد اعتبر هذا القانون بأنه في حال وجود شكوك حول الأسباب التي أدّت إلى حصول الحادث (أي الحرب أو العمل الإرهابي أو العمل التخريبي)، فإنّه على شركات التأمين التي أبرمت عقوداً تضمن مخاطر الأعمال الإرهابية أو الأعمال التخريبية أن تدفع التعويضات مباشرة من دون انتظار التحقيقات لمعرفة سبب الحادث[14].

نستنتج من هذا القانون، بأنّ المشرّع الفرنسي قد آثّر تفسير عقود التأمين المرتبطة بالأعمال الإرهابية أو الأعمال التخريبية بالصورة التي تضمن حماية المضمونين واعتبر أنّ الشكّ حول سبب حصول الحادث لا بدّ وأن يفسّر لمصلحة المضمون. وعليه يتوجّب على شركات التأمين تنفيذ موجب التعويض من دون انتظار التحقيقات التي تحدّد سبب الحادث.

خلاصة

بالاستناد إلى كلّ ما تقدّم، يتّضح بأنّ موقف شركات التأمين لناحية تعليق موجباتها بالتعويض على انتظار تقرير رسمي يخالف المادة 969 موجبات وعقود التي حصرت الاستثناء من التغطية بوجوب إثبات أنّ السبب الرئيسي، الوحيد والحصري للحادث يتمثل بالأعمال الحربية كما يخالف الهدف من إلزام الضامن بعبء إثبات سبب الحادث والذي يكمن بإنصاف المضمون. كما أن موقفها يخالف شروط تحقق العمل الإرهابي المستثنى من التغطية والقاضي بوجوب تبني العمل الإرهابي من قبل جهة معينة.

وعليه، إنّ الحماية الحقيقية للمضمونين في القضية الأكثر إشكالية في هذه الحقبة، لا تكون من خلال إصدار توجيهات غير ملزمة للشركات، كما لا يمكن أن تكون من خلال التدخّل في شؤون القضاء أو إطلاق المواقف السياسية المرتبطة بسير عمل التحقيق. إن الحماية الحقيقية تكمن في قراءة وتفسير القواعد القانونية بصورة منسجمة مع الغاية منها ووفقاً للأسباب الموجبة لإقرارها، وبصورة متوافقة مع مبادئ الحماية والإنصاف. إن هذه الخلاصة تذكّرنا بما عبّر عنه الفقه الفرنسي إبّان حادثة 11 أيلول 2001، حيث نقرأ ما معناه: إنّ جسامة الأضرار الجسدية والمادية الناجمة عن حادثة 11 أيلول طرحت إشكاليات تنظيم التعويض في حالة الكوارث. إن الوقت ليس لتنظيم التعويض بصورة تقليدية، ولا يمكن لشركات الضمان تطبيق بنود البوليصة بصورة ضيقة. قد تمتدّ هذه الطريقة التقليدية إلى أمد طويل نظراً لارتباطها بأعمال الخبرة التقنية وبالبحث عن توزيع المسؤوليات.[15] وهذا يقضي بوجوب تطبيق موجب التعويض الملقى على عاتق شركات التأمين بصورة سريعة ومنظمة وحافظة للكرامة الإنسانية للمضمونين. فجسامة الكارثة تقضي بالتعويض السريع حماية للمضمونين وإنصافاً لهم.


New Page 1