القدس تنتفض: عن مهامّ الوطنيّين اللبنانييّن في مواجهة التطبيع :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


القدس تنتفض: عن مهامّ الوطنيّين اللبنانييّن في مواجهة التطبيع

مجلة الآداب- دكتور سماح ادريس
15-05-2021
اليوم ندخل مرحلةً جديدةً من مراحل مواجهة المشروع الإسرائيليّ في المنطقة. القدس تنتفض، وغزّة تساندها بالصواريخ، وبلداتُ فلسطين تشتعل بالتظاهرات والحرائق والحجارة. اليمن يستعدّ لدخول طورٍ متقدّمٍ من المواجهة بعد أن أذاق العدوانَ السعوديَّ مرارةَ الإحباط. نظامُ عبد ربّه منصور هادي يرحِّب بوساطةٍ مع الحوثيّين. السعوديّون يلتقون الإيرانيّين في العراق. الولايات المتحدة تتّجه نحو شيءٍ من الانسحاب التكتيكيّ من مناطق الاشتباك في بلادنا لصالح التركيز على جبهة الصين وروسيا. الحصار الرسميّ العربيّ يُفكّ عن سوريا بوتيرةٍ متسارعة، والدعمُ الخليجيّ لداعش وأشباهِها يتراجع هناك.

ومع ذلك، فقد كان التطبيعُ الرسميُّ العربيّ قد بلغ ذروتَه في الأعوام الأربعة التي سبقت الاتفاقَ الإماراتيّ-الإسرائيليّ، وشهدْنا وفودًا رياضيّةً واقتصاديّةً وسياحيّةً إسرائيليّة في الإمارات وقطر والبحرين وغيرها. وإذ بالتطبيع يتحوّل إلى تحالفٍ سياسيّ-أمنيّ استراتيجيّ، وبات بعضُ المطبِّعين في "معسكر العدوّ" بكلِّ ما في هذا التعبير من معنى.

فكيف جرى ذلك من دون أن يثيرَ الغضبةَ الشعبيّةَ العربيّةَ المتوقّعة؟

السبب يعود أساسًا إلى أنّ التطبيعَ الرياضيّ والاقتصاديّ والسياحيّ الذي تحدّثنا عنه قد "زيّتَ" الخيانةَ السياسيّةَ، أيْ مهّد طريقَها وسهَّله، فدخلتْ عقولَنا كأنّها أمرٌ طبيعيٌّ لا يستحقّ الغضبة العارمة. فحين نَستسهلُ دخولَ فريقٍ رياضيّ إسرائيليّ إلى أحد أقطارنا العربيّة، ونستسهلُ أن يُعرَضَ في صالاتنا اللبنانيّة فيلمٌ أخرجه أميركيٌّ صهيونيٌّ سبق أن دعم "إسرائيلَ" بمليون دولار أثناء عدوان تمّوز على لبنان سنة 2006،[1] فلن يكون صعبًا أن نَستسهلَ بعد ذلك دخولَ وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيليّة، ومن بعدها نتنياهو بالذات، إلى عقر ديارنا أو أحدِ أطرافها.

هل هذا يعني أنّ الأمر تمّ وانقضى، وأنّ التطبيع محا كلَّ ما في رؤوسنا وقلوبنا من تراثٍ وعواطفَ معاديةٍ للصهيونيّة؟

أبدًا. فلقد اتّضح أنّ كلَّ المليارات الخليجيّة التي صُرفتْ على ترويج هذا التطبيع لم تطبِّعْ أهلَ الأرض مع الاحتلال، إذ هبّ المقدسيّون هبّةً واحدةً حين اعتُدي على الأقصى والشيخ جرّاح، ومارسوا شتّى صنوف إيمانهم بالسيادة والبطولةِ والكرامة. لكنّ الأمر نفسَه لم يحصل في أرجاء الوطن العربيّ الأخرى. فحالةُ التطبيع مع الاستسلام، ولا نقول مع العدوّ بالضرورة، مازالت طاغيةً على مستوى الشارع العربيّ، وإنْ باستثناءاتٍ مشرِّفةٍ ومهمّة، خصوصًا في اليمن ومخيّماتِ لبنان وبعضِ الجاليات العربيّة في المهجر. وهذا "الهمود،" إذا جاز التعبير، لا يقتصر على مواجهة التطبيع وحده، بل يمتدُّ كذلك إلى مواجهة مختلف السياسات الأميركيّة والصهيونيّة بشكلٍ عامّ. وأسبابُ هذه الهمود كثيرة، تعود إلى انهياراتٍ وقعتْ منذ العام 1982 بشكلٍ محدّد: على جبهة منظّمة التحرير الفلسطينيّة التي تحوّلتْ من ثورةٍ على السائد إلى سلطةٍ لتثبيت هذا السائد، وعلى جبهة الأنظمة العربيّة ولا سيّما بعد سقوط بغداد، وعلى جبهة الأحزاب الوطنيّة والقوميّة نفسِها، وعلى مستوى ما كان يُسمّى "المعسكرَ الاشتراكيّ." وفي وسط حركةٍ وطنيّةٍ وقوميّةٍ مفكّكةٍ أو مخترقةٍ أو يائسة، تصعب مواجهةُ التطبيع، حتى مع وجود حملات مقاطعةٍ منظّمةٍ ومتفانية، لأنّ هذه الأخيرة لا يمكن أن تنتشل العملَ الوطنيّ والقوميّ من كبوته، ناهيك بأن تكون بديلًا له، وإنْ كانت جزءًا منه.

باختصار، ضعفُ مواجهة التطبيع مرتبطٌ بأزمةٍ بُنيويّةٍ تطول مجملَ الحركة الوطنيّة والقوميّة العربيّة. وهذا موضوعٌ كُتب فيه الكثير حتى بات تكرارُه "أزمةً" في حدّ ذاته. لكن لا بدّ من ذكره في بداية أيّ حديثٍ عن عوائق مواجهة التطبيع في لبنان وغيره.

سأخصِّص هذه الكلمة للحديث، بشكلٍ مختصر، عن مهامّ الوطنيّين اللبنانييّن في مواجهة التطبيع على المستوى الإعلاميّ والتربويّ والقانونيّ والاقتصاديّ والثقافيّ.



الإعلام. باستثناء المنار والميادين وفلسطين اليوم على المستوى المرئيّ، والنور وصوت الشعب والبشائر وبضع إذاعاتٍ قليلةٍ أخرى على المستوى المسموع، وحفنةٍ قليلةٍ من الجرائد والمواقع الإلكترونيّة كـالأخبار والآداب والعهد على المستوى المكتوب، فإنّ قضيّةَ مواجهة التطبيعِ مع الصهيونيّة وكيانِها ليست أولويةً لدى الغالبيّة الساحقة من وسائل الإعلام في لبنان. ولعلّنا نحسُّ بهذا الغياب الفاجع حين نعايِن، مثلًا، كيف واصلتْ محطّاتُ التلفزة اللبنانيّة بثَّ البرامج الرمضانيّة في الأيّام الثلاثة الماضية من دون أن تقطعَها - ولو لدقائقَ أو ثوانٍ - كي تُصوِّرَ لنا ما يحدث في الأقصى أو الشيخ جرّاح من مواجهاتٍ بطوليّةٍ مع العدوّ. أليس هذا، في حدّ ذاته، تطبيعًا مع الاحتلال؟ العدوّ يَضرب ويَقتل ويَجرح ويُهجِّر أخواتِنا وإخوانَنا، ويدنِّس حرمةَ الأقصى، وشعبُنا في القدس يواجهه بالصدور العارية؛ لكنّ رشيد عسّاف ما زال يصرخ "أنا الباشا،" وفادي إبراهيم ما زال يهدِّد قُصيّ الخولي ونادين نجيم بالويل والثُّبور وعظائمِ الأمور! هكذا تستمرّ الحياةُ "طبيعيّةً" في لبنان، وكأنّ فلسطينَ في كوكبٍ آخر، لا على بعد أمتارٍ قليلةٍ من جنوب لبنان.

ومن مظاهر التطبيع الإعلاميّ التي تجدر محاربتُها دونما كللٍ ذكرُ "إسرائيل" بلا إضافة إحدى الصِّفات التي ينبغي أن تلازمَها دومًا، كالمستعمِرة أو اللاشرعيّة، وذلك كي لا يَعْلقَ في ذهن المُشاهدين، مع الوقت، أنّ هذا الكيانَ طبيعيٌّ ويمكن التعايشُ معه.

وهناك حالاتٌ أسوأ في الإعلام اللبنانيّ. ومنها أن يعادي مواجهةَ التطبيع بشكلٍ سافر: كأن يَنعتَ مرسيل غانم اللبنانيّين الذين يحتجّون على الاتصال الطوعيّ بالإسرائيليّين في نيويورك بـ"الأغبياء،"[2] أو تجهرَ محطّةُ OTV (التي يُفترض أن تكون حليفةً للمقاومة) برفضها مقاطعةَ مشروع تومورولاند التطبيعيّ في جبيل.[3]

واجبُنا، كإعلاميّين وطنيّين، أن نكثّفَ من حضور فلسطين ومواجهةِ الصهيونيّة كي لا يتساكنَ الاحتلالُ مع حياتنا اليوميّة إلى الأبد وبشكلٍ عاديّ. وهذا يتطلّب، في الحقيقة، تجاوزَ المادّة الإخباريّة، بل التحريضيّةِ التعبويّةِ ذاتِها، باتّجاه زيادة المنسوب التاريخيّ والتثقيفيّ والأدبيّ في الإعلام المقاوم. بمعنًى آخر: على إعلامنا المقاوم أن يخطِّطَ لإنتاج مسلسلاتٍ تلفزيونيّةٍ تستند، على سبيل المثال، إلى روايات غسّان كنفاني، كـعائد إلى حيفا ورجال في الشمس؛ فهذه قد تكون أرسخَ في قلوب المشاهدين وأكثرَ ديمومةً وتجذّرًا وإقناعًا. وإلى جانب هذه المسلسلات ينبغي التخطيطُ لمقابلاتٍ وبرامجَ وندواتٍ مخصّصةٍ للحديث عن العقيدة الصهيونيّة نفسِها، وعن علاقتِها البنيويّة بالاستعمار الغربيّ الأبيض، كي لا يتوهّمَ المُشاهد أنّ الصراعَ مع "إسرائيل" يقتصر على سياساتٍ آنيّة، أو أنّه محضُ "مشاكل" لا أساسَ إيديولوجيًّا لها، على نحوِ ما نظّر الوزير السابق جبران باسيل ذاتَ مقابلةٍ مع قناة الميادين قبل أعوام.

وعلينا أيضًا، إعلاميين وطلّابَ إعلام، رصدُ مضمون إعلام العدوّ، خصوصًا في المجال الافتراضيّ، بغيةَ الكشف عن آليّات اشتغال البروباغاندا الإسرائيليّة في الرسائل الإعلاميّة، وذلك كي نستطيعَ بناءَ استراتيجيّتنا الدفاعيّة، التي لا بدّ من أن تشملَ إنتاجَ فيديوهاتٍ قصيرةٍ نعمل على نشرها في العالم بالتعاون مع أنصار مقاطعة الكيان الصهيونيّ في كافّة أرجاء المعمورة.

وما دمنا قد انتقلنا إلى الحديث عن الإعلام الافتراضيّ، فينبغي عدمُ الاستخفاف بدوْره، ولا المبالغةِ فيه، في الوقت عينِه. فالفيسبوك وحده، مثلًا، لن يحرِّرَ الأرضَ بالتأكيد، ولا هو بديلٌ لميادين الصراع المتعدّدة. لكنّه لو لم يكن مفيدًا لقضيّتنا، لَمَا عمدتْ إدارتُه إلى حذف كثيرٍ من منشوراتنا وإغلاقِ العديدِ من حساباتنا. للتذكير: في صيف العام 2016، التقى وزيرا الداخليّة والعدل الإسرائيليّان وفدًا من شركة فيسبوك، ووافق هذا الوفدُ وقتَها على إزالة 95% من المنشورات التي زعم العدوُّ أنّها "تحرِّض على العنف."[4] على أنّنا ننبّه إلى أنّ مواجهةَ أضاليل العدوّ على وسائل التواصل الاجتماعيّ يجب ألّا تشملَ التواصلَ معه مباشرةً، ولو من موقع الهجاء والشتم، كما يفعل بعضُ أنصار المقاومة عن حسن نيّة؛ فذلك يعني الاعترافَ به مساجِلًا لا عدوًّا، و"خصمًا" يمكن الوصولُ معه إلى أرضيّة تفكيرٍ مشتركةٍ هنا أو هناك.[5]



التربية. تصوّروا أنّ الدولةَ اللبنانيّة، التي تصرِّح في كلّ بياناتها الوزاريّة بأنّها ستبذل كلَّ الجهود "من أجل تحريرِ ما تبقّى من أراضٍ لبنانيّةٍ محتلّة، وحمايةِ وطننا من عدوٍّ لمّا يزلْ يطمعُ في أرضنا ومياهِنا وثرواتِنا الطبيعيّة،" قد عَلّقتْ "محورَ القضيّة الفلسطينيّة" في منهج التاريخ في الصف التاسع أساسيّ لغاية العام 2017. وقد برّر المركزُ التربويُّ للبحوث والإنماء هذا التوجّهَ بورود "العديد من الملاحظات من جهاتٍ رسميّةٍ وخاصّة،" وبأنّ تدريسَ هذا المحور "يُمْكن أن يَطرحَ إشكاليّةً في المجتمع اللبنانيّ" مرتبطةً بقراءة الصراع الداخليّ اللبنانيّ أثناء الحرب الأهليّة وعدمِ وجود سرديّةٍ "متّفقٍ عليها وطنيًّا!"[6]

وحتى بعد صدور توجيهٍ من وزارة التربية يقضي بإعادة إدراج المحور المذكور، فإنّ ذلك لم يُلحَظْ في الامتحانات الرسميّة إلّا مؤخّرًا جدًّا في حدّ علمي. وهذا يدفعنا إلى الإصرار على لحظِهِ في كلّ امتحان بريفيه رسميّ مقبل لكي يكون واجبًا على طلّابنا الاطّلاعُ على قضيّة فلسطين والصراع العربيّ-الصهيونيّ.

هذا ولا يفوتُنا أن ننبّهَ أيضًا إلى احتواء بعض كتب الجغرافيا في مناهج البكالوريا العالميّة أو الفرنسيّة التي تدرَّس في لبنان خرائطَ لـ "إسرائيل،" وأشكالًا هندسيّةً لعَلَمِها الأبيض والأزرق في بعض كتب الرياضيّات. وفي بعض كتب التاريخ الفرنسيّة الموجودة في مدارسنا، هناك دروسٌ عن الهولوكوست النازيّة، لكنْ من دون أدنى إشارةٍ إلى نكبة فلسطين؛ وكأنّ العدوّ لم يستغلّ تلك الهولوكوست لـ"يبرّر" في أعين العالم النكبةَ الفلسطينيّة المتدحرجةَ إلى اليوم.

في ختام ملاحظاتنا التربويّة السريعة، نرى حاجةً ماسّةً إلى أن تقدَّمَ إلى اليافعين قراءاتٌ صيفيّةٌ تُعنى بالصراع مع عدوِّنا، لكنْ بطريقةٍ جذّابةٍ تراعي حساسيّاتِهم ومستوى تقبُّلِهم للأفكار المركَّبة والأحداثِ التاريخيّة المعقّدة.



القانون. فإذا انتقلنا إلى دور القانونيّين اللبنانيّين، نسأل: لماذا لا يبادر المحامون الوطنيّون من جمهور المقاومة، الذي ننتمي إليه، إلى الضغط على نوّابهم من أجل تفعيل قانون المقاطعة الذي صدر عن جامعة الدول العربيّة وتبنّاه لبنان سنة 1955؟ للتذكير، هذا القانون ينصّ على الآتي:

"يحظَّر على كلّ شخصٍ، طبيعيٍّ أو معنويّ، أن يَعْقدَ، بالذات أو بالواسطة، اتفاقًا مع هيئاتٍ أو أشخاصٍ، مقيمين في إسرائيل، أو منتمين إليها بجنسيّتهم، أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها، وذلك متى كان موضوعُ الاتفاق صفقاتٍ تجاريّةً أو عمليّاتٍ ماليّةً أو أيَّ تعاملٍ آخرَ مهما كانت طبيعتُه..."

لو فُعِّل هذا القانونُ، وأُخضع للتعديلات التي طالبنا بها غيرَ مرّة،[7] لَمَا ارتبك جمهورُنا أمام ظواهرَ تطبيعيّةٍ فاضحةٍ مثل تصوير المُخرج زياد دويري فيلمًا في تل أبيب طوال 11 شهرًا. مجدَّدًا، لماذا لم يُطرحْ تفعيلُ هذا القانون في مجلس النوّاب، مع أنّ لدى المقاومة وحلفائها عددًا وازنًا من النوّاب لفعل ذلك؟ لماذا لا يُبعَدُ هذا القانونُ عن عقليّة التحالفات السياسيّة واسترضاءِ "الحلفاء،" علمًا أنّه القانونُ الوحيد الذي يَذْكر "إسرائيلَ" بالاسم؟ سؤالان برسم المحامين الوطنيّين والأساتذة المنتمين إلى جمهور المقاومة، علّهما يصلان إلى سعادة نوّاب المقاومة وحلفائهم.



الاقتصاد. باستثناءاتٍ قليلةٍ، لكنْ لافتة، يبدو لنا أنّ دورَ الاقتصاديّين الوطنيّين في مجال مناهضة التطبيع يحتاج الى إبرازٍ وتطوير، خصوصًا لجهة النقض العلميّ والموثَّق لـ"محاسن السلام" المزعومة. هناك أوهامٌ سائدةٌ لدى شرائحَ غير قليلةٍ من اللبنانيّين، مفادُها أنّ السلامَ مع الكيان قد يَدرُّ منافعَ اقتصاديّةً هائلةً على لبنان، ويخلِّصُه من ديونه ومآسيه المعيشيّةِ الراهنة. ليس في بلدنا، في حدّ علمي، ما يكفي من الأبحاث الاقتصاديّة التي تفصّل سلبيّات "السلام" على الاقتصاد الوطنيّ في لبنان، ناهيك بمصر والأردن ومناطقِ ما يسمّى السلطة الفلسطينيّة. حين عُقد اتفاقُ 17 أيّار 1983 بين العدوّ والسلطة اللبنانيّة، برز اقتصاديّون كبار أمثال إلياس سابا تصدّوْا بالتفصيل لمخاطرِ "السلام" المحتملة على اقتصاد لبنان. وواجبُ الاقتصاديّين اللبنانيّين اليوم التصدّي لهذه الأوهام المتجدّدة، والاستنادُ في ذلك إلى تجارب مصر والأردن والسلطة الفلسطينيّة، وجميعُها لم يأتِ بالرخاء الموعود إلّا لفئةٍ محدودةٍ من "القطط السمان،" أمثال حسين سالم في مصر وأصحابِ "مدينة روابي" والمستثمرين الفلسطينيّين في المستوطنات وداخل الكيان الصهيونيّ.



الثقافة. هنا الطامةُ الكبرى. نحن أمام انحلالٍ كبيرٍ في قيم المجموعة الثقافيّة الوطنيّة اللبنانيّة بعد انهيار جزءٍ أساسٍ من مؤسّساتها الثقافيّةِ المستقلّة، وتبعيّةِ مؤسّساتٍ أخرى للطوائف وزعمائها ومصالحِهم. وفي رأينا أنّ أبرزَ المهامّ المطروحة أمام المشروع الثقافيّ المأمول، المناهضِ للتطبيع في لبنان، ما يأتي:

- الالتزامُ بميثاق شرفٍ لبنانيّ-عربيّ يجرّمُ التطبيعَ مع العدوّ وكيانِه.

- ربْطُ مقاومة التطبيع بمقاومة الصهيونيّة برمّتها، و"إسرائيل" بأسْرها. فلا يجوز أن يَحْصرَ المثقّفون الوطنيّون المواجهةَ بمعايير قمّة بيروت 2002، التي هي معاييرُ منخفضةٌ جدًّا لأنّها تَقْنع بـ22% فقط من فلسطين التاريخية مقابلَ التطبيع مع الكيان.[8] ومع أنّ العدوّ نفسَه رفض معاييرَ قمّة بيروت منذ لحظة إعلانها، فإنّ الأنظمةَ العربيّة ما فتئتْ تكرِّرُها كالتعويذة بدلًا من نبذِها. باختصار، سقفُ المثقّفين ينبغي أن يعلو عن سقف الأنظمة، بما فيها الأنظمةُ غيرُ المطبِّعة.

- التصدّي لجحافل منظّماتٍ غيرِ حكوميّة باتت تشكّل بيئةً حاضنةً لكلِّ المشكِّكين بالمقاومة ومناهضةِ التطبيع. وقد ملأتْ فراغًا أحدثتْه الدولةُ والأحزابُ الوطنيّة حين تخلّت عن أدنى واجباتها الاجتماعيّة والبيئيّة والصحّيّة وغيرها، فاستقطبتْ مناضلين سابقين وحاليّين، وقزّمتْ أجنداتِهم الثوريّةَ السابقةَ إلى شعارات العدالة الانتقاليّة والتمكين ومحو الأمّيّة، بدلًا من التحرير الشامل والعدالة الاجتماعيّة والاشتراكيّة.

- الردُّ على كلِّ مَن يطيِّف التطبيعَ أو يمذهِبُه، أيْ يعْزوه إلى طائفةٍ محدَّدةٍ أو مذهبٍ معيّن. وهذا يستلزمُ الردَّ على كلِّ مَن يطيّف مناهضةَ التطبيع، أي يعزوها، هي الأخرى، إلى طائفةٍ محدّدة أو مذهبٍ معيّن.

- التصدّي لخلجنة التطبيع، بمعنى اعتبار هذا الأخير صفةً لازمةً جوهرانيّةً لعرب الخليج دون غيرهم، مع ما يرافق ذلك من نزعةٍ عنصريّةٍ تجاه أهلنا هناك. وهذا التصدّي يستتبع بناءَ جبهةٍ ثقافيّةٍ عربيّةٍ واسعةٍ تضمّ مثقّفين وطنيّين وقوميّين وتقدّميّين من الخليج.

- مواجهةُ الساعين إلى تحويل قضيّة الصراع مع الكيان الصهيونيّ إلى قضيّة "صراع أديان" لأنّها ليست كذلك أساسًا، ولأنّ تصويرَها على هذا النحو الخاطئ يَفْسح المجالَ أمام التطبيع من بوّابة "حوار الأديان" و"وحدة الديانات الإبراهيميّة" على ما يدلّ عنوانُ الاتفاق الإماراتيّ-الإسرائيليّ المشؤوم.

- التصدّي لمن يساوي "إسرائيلَ" بسوريا وإيران لتبرير التطبيع مع الأولى وتوجيهِ العداء إلى الأخيرتيْن، متجاهلًا أنّ العداءَ مع الأولى عداءٌ وجوديٌّ يَطول كلَّ مرافقها الاقتصاديّةِ والأكاديميّةِ والأمنيّةِ والثقافيّةِ والسياحيّة، في حين أنّ الموقفَ من سوريا وإيران ينبغي أن يكون - في أقصى الحالات - خلافًا مع نظامَي الحُكم فيهما، لا على وجودِ البلديْن في حدِّ ذاته. إنّ مساواةَ الكلّ بالكلّ، بحيث يصبح الجميعُ أعداءً متساوين، يسهِّل الانكفاءَ عن النضال ضدّ "إسرائيل،" في أحسن الأحوال -- بل قد يسهِّل تطبيعَ العلاقات معها ذهنيًّا، وصولًا إلى التطبيع معها فعليًّا، في أسوإ الأحوال.

- ربْط تحرير فلسطين بتحرير الفلسطينيّين في بلدان اللجوء العربيّ، وتحديدًا لبنان. لا يجوز إسباغُ آيات التمجيد والتعظيم على الفلسطينيّين في القدس وغزّة، وفي الوقت نفسه حرمانُ إخوتهم وأخواتهم في لبنان حقوقَهم المدنيّةَ (العمل، التملّك،..) والسياسيّة. وهنا دورٌ أساسٌ ينبغي على المثقّفين الوطنيّين في لبنان الاضطلاعُ به بكلّ جرأة، مع ما ينطوي عليه من كشفٍ للنفاق اللبنانيّ "التضامنيّ،" وفضحٍ للعبةِ المسايرات الطائفيّة والحزبيّة المبتذلة على حساب اللاجئين الفلسطينيّين وحقوقِهم المشروعةِ في لبنان.

- مواجهةُ النزعة النيوليبراليّة المتنامية التي تساوي بين مقاومة التطبيع من جهة، والأصوليّةِ أو الحَجْرِ على الحرّيّات من جهةٍ أخرى، كما يفعل حازم صاغيّة وحازم الأمين على سبيل المثال لا الحصر. الأخير، بالمناسبة، وصف كاتبَ هذه السطور بـ "كيم جونغ أونْ لبنان،" تدليلًا على إرهابي الفكريّ المزعوم، لأنّ حملةَ المقاطعة التي أتشرّفُ بالانتماء إليها دعت إلى حظر فيلم سبيلبيرغ، ذات بوست، التزامًا بقرار الجامعة العربيّة منعَ أفلامه بعد تبرّعه للنازحين الإسرائيليّين صيفَ العام 2006. فتأمّلوا.

- بناء "الأمل الواقعي."[9] أخيرًا لا آخرًا، أرى أنّ على مثقّفينا الوطنيّين أن يقدّموا إلى الناس أملًا واقعيًّا في احتمال وصول تضحياتهم الهائلة إلى النصر؛ أملًا يستندُ إلى قراءةٍ معمّقةٍ لتجاربهم وتجاربِ حركاتِ النضال العالميّة، وإلى تحليلٍ تاريخيٍّ حاذقٍ ومركّب ومرهَف. هنا تحديدًا يَسْطع نجمُ المثقّفين العضويّين، المقاومين الثوريّين الحقيقيّين، الذين ينأوْن بأنفسهم عن الشعبويّة النضاليّة والتعالي النخبويّ.


New Page 1