مقابلة مع محمد زبيب: البنى الاحتكارية في صميم أزمة النظام القائم… فهل تمتلك شروط استمرارها اليوم؟ :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


مقابلة مع محمد زبيب: البنى الاحتكارية في صميم أزمة النظام القائم… فهل تمتلك شروط استمرارها اليوم؟

المفكرة القانونية
17-06-2021
في سبيل إعداد الملفّ عن البنى الاحتكارية القائمة في لبنان، قابلت “المفكّرة” الصحافي الاقتصادي محمد زبيب للحديث عن جذور الاحتكارات في الاقتصاد اللبناني وتطوّرها خلال المئوية الأولى للبنان وارتباطها بالنظام الذي قام فيه. فالاحتكارات هي إحدى ركائز هذا النظام القائم منذ قرن، وبخاصّة في الصيغة التي تكرّست في الثلاثين عاماً الأخيرة والتي نشهد انهيارها اليوم، معرّضةً المجتمع لأخطار جمّة.

المفكرة: بداية، ماذا نعني بالاحتكار؟ أو لماذا نتحدّث عنه في ظل انهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق في تاريخ لبنان الحديث منذ إعلان دولة لبنان الكبير قبل مئة عام؟

محمد زبيب: لن نستغرق في شرح المصطلح كما يرد في الكتب والمعاجم، علماً أنّ معظم هذه الشروح على اختلافاتها تتّفق على أنّ الاحتكار هو الحالة التي يتمكّن فيها عدد قليل جداً من الأشخاص من إقصاء أشخاص آخرين والسيطرة على سوق أو قطاع أو سلعة أو خدمة أو مورد ما. تعدّ هذه الحالة الاحتكارية إحدى نتائج عمل الاقتصاد الحر، حيث تؤدّي المزاحمة بين اللاعبين إلى إزاحة بعضهم البعض وبقاء الأقوى والأضخم والأكثر نفوذاً. لذلك يوجد ميل تاريخي في الرأسمالية للتحوّل من المنافسة إلى الاحتكار، انطلاقاً من ميل رأس المال نفسه إلى التراكم اللانهائي والتركّز لدى القلّة الضئيلة التي تستأثر به وتمتلكه وتتوارثه وتستحوذ عبره على الحصّة الأكبر من ناتج عمل المجتمع كلّه بجميع أفراده وفئاته.

إلّا أنّ الاحتكار في حالات متطرّفة، كما في لبنان والعديد من الاقتصادات الأخرى، يأخذ مداه ويتحوّل إلى ما يمكن تسميته “نظام احتكار اقتصادي داخلي” أو “بنية اقتصادية احتكارية”، حيث يتمكّن هذا العدد القليل من الأشخاص، ليس فقط من احتكار سلع معيّنة أو خدمات بل السيطرة على “النظام” من أجل التلاعب بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية ومواصلة استدرار الريوع وشفط الأرباح. (مثلاً) عند استقلال لبنان في أربعينيّات القرن الماضي، كان الحديث يدور عن 30 عائلة فقط شكّلت الأوليغارشية في حينه وسيطرت على الاستيراد والتجارة الداخلية إلى درجة إطلاق صفة “جمهورية التجّار” على الجمهورية الناشئة. وعشية الحرب الأهلية في عام 1975، كان هناك 800 عائلة فقط تسيطر على ملكية أكثرية الشركات، في الصناعة والتجارة والمصارف وصولاً إلى الإنتاج الزراعي والملكية العقارية. وعشية الانهيار الحالي كان 24 ألف شخص فقط من بين 3 ملايين مودع في لبنان يستحوذون وحدهم على أكثر من نصف الودائع، وكان أغنى 10% من السكّان يستأثرون بنحو 70% من مجموع الثروات الشخصية التي بلغت نحو 232 مليار دولار.

إذاً، يصعب دحض السمة الاحتكارية لبنية الاقتصاد اللبناني تاريخياً، بل إنّ تاريخ الاقتصاد السياسي للنظام اللبناني أو تطوّر العلاقات الرأسمالية في لبنان هو تاريخ الاحتكار نفسه. إلّا أنّ الاختلاف، إذا وُجد، فهو حول الآليات التي أدّت إلى هذا الاحتكار وديمومته حتى الآن، وهي بلا شك آليات معقّدة وراسخة، تضرب جذورها عميقاً في تطوّر اقتصاد جبل لبنان أيام المتصرفيّة (النصف الثاني من القرن 19)، الذي تمحوّر حول تجارة الحرير الخام (تربية دود القز)، وتطوّر مدينة بيروت كمركز تجاري ومالي لاختراق رأس المال الأوروبي “الاستعماري” لأسواق المشرق العربي تحت حكم السلطنة العثمانية، بهدف السيطرة على الموارد ومصادر المواد الخام واستخراج فائض القيمة من سكان هذه المنطقة، عبر تعظيم التجارة الخارجية (الاستيراد لتلبية حاجات السكان) واحتكار رأس المال المالي (التمويل ورأس المال المصرفي). ويمكن إضافة عنصر ثالث مهم وبارز له علاقة مباشرة بفهم آليّات تطوّر البنية الاحتكارية للاقتصاد اللبناني الداخلي هو عنصر الهجرة في الاتجاهين، من لبنان باتجاه الأميركيتين وإفريقيا تحديداً، ولاحقاً إلى الخليج، وإلى لبنان، ولا سيما في المرحلة المتقدّمة بعد نكبة فلسطين وموجة الإصلاحات السياسية والاقتصادية وحركة التأميم ولا سيما في سوريا العراق ومصر. فقد نشأت ظروف مؤاتية للتجّار والمصرفيين ليؤدّوا أدواراً مهمّة وحاسمة في تشكيل “الاجتماع اللبناني” و”الاقتصاد السياسي”، وشكّلوا نواة “برجوازية كومبرادورية” نافذة، تقوم بدور الوكيل التجاري والوسيط المصرفي لمصلحة رأس المال الأجنبي، وتقيم “نظام احتكار داخلياً” عبر استغلال النفوذ والامتيازات والمنافسة غير المتكافئة وسلسلة واسعة ومتراكمة من التشريعات والتنظيمات والأعراف والتصرّفات التي سمحت باستمرار تحكّم هذا العدد القليل جداً من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين بالاقتصاد والثروة والدخل.

المفكّرة: ما صلة هذه “الحقيقة التاريخية” بالأزمة الطاحنة اليوم؟ أو ما علاقة البنية الاحتكارية بالانهيار الحاصل اليوم ما دام الاحتكار يمثل سمة تاريخية ومتجذّرة وليست حدثاً ظرفياً أو عنصراً طارئاً؟

زبيب: يميل الفكر الليبرالي إلى اعتبار المنافسة شرطاً للسوق الحرّة ومقتلها في آن. ولذلك تتجاذبه نظريات “اليد الخفية” التي تتخيّل “حرّية كاملة” تقوم على فكرّة أساسية ألا وهي أنّ تحقيق مصلحة كل فرد يؤدّي في الحصيلة إلى التوازن والاستقرار وتحقيق المصلحة العامّة. إلّا أنّ هذه النظريات نفسها تصطدم بفكرة أساسية أخرى مثبتة في الواقع الحقيقي لا المتخيّل، هي أنّ وضع الأفراد في مواجهة بعضهم البعض: مالك رأس المال في مواجهة مالك رأس المال، والعامل في مواجهة مالك رأس المال، والعامل في مواجهة العامل، والمستهلك في مواجهة التاجر، والمدين في مواجهة الدائن، والداخل في مواجهة الخارج… إلخ، أي وضع الكلّ في مزاحمة مع الكلّ على العمل والإنتاج والاستهلاك والموارد والأسواق، يؤدّي إلى ظهور علاقات القوّة والعنف والهيمنة. فالمجتمع، أي مجتمع، لا يمكن اختزاله فقط بالأفراد الذين يشكّلونه: فهم أصلاً ليسوا أحراراً وليسوا متساوين، ويشكّلون في الوقت نفسه أعراقاً وأمماً ودولاً وطبقات ومجموعات وطوائف وهوّيات وثقافات وشركات وأهواء ومصالح داخلية وخارجية… إلخ، وما حصل ويحصل في كل مكان وزمان، يتعلّق بتمكن الطبقات المستغِلّة من إخضاع الطبقات المستغَلّة، وتمكّن أصحاب الملكية ورأس المال من إخضاع أولئك الذين لا يملكون شيئاً سوى قوّة عملهم، وهم الأكثرية الساحقة التي تواجه دائماً تبخيس قيمة ما تملك لصالح قيمة ما تملكه طبقات الملّاك والرأسماليين.

من هنا، تتشعّب الطبقات والعلاقات والنماذج والتواريخ، ويتّخذ كلّ بلد أو مجتمع أو اقتصاد مسار تطوّره، ويدور الصراع التاريخي بين احتكار القلّة وتوق الأكثرية إلى الحرية والعدالة. ففي لبنان، يمكن رسم المسار التالي: ساهم تاريخ جبل لبنان الخاص وموقعه الجيوسياسي وانقساماته الطائفية وبرجوازيّته الكومبرادورية بإقامة اقتصاد تابع منذ أواسط القرن التاسع عشر، يمثّل منفذاً من منافذ اختراق رأس المال الغربي لأسواق المنطقة، ومن خلال هذا الاختراق وتلك البرجوازية تكوّنت أوليغارشية متحكّمة بالبنية التجارية والمصرفية المهيمنة على الاقتصاد اللبناني الداخلي، ونجحت بانتزاع الامتيازات والاحتكارات والملكيات واستدرار الريوع وإعادة توزيعها لمصلحة القلّة. وهنا تدور حكاية الاحتكار الأصلية التي تدور في كل مكان، أي في الطرق التي اعتمدها المتحكّمون برأس المال (المحلي والأجنبي) للتعاون مع المتحكمين بالدولة والمجتمع والثقافة من أجل تحقيق مصالحهم الخاصّة، وبالتالي الاستحواذ على السلطة والثروة ومراكمتهما وتركيزها لدى القلّة النافذة.

إذا أمعنّا النظر في هذا التاريخ اللبناني، سنجد أموراً كثيرة تسهّل فهم ما يحصل اليوم وأسبابه. من هذه الأمور أنّ النظام الطائفي في لبنان تطوّر في ظلّ مزاعم “النظام الاقتصادي الحر”. فالاقتصاد السياسي للنظام الطائفي يبدو “نيوليبرالياً” في الأساس، قبل وقت طويل من رواج “النيوليبرالية” في ثمانينيّات القرن الماضي وهيمنتها على العالم. فعلى عكس ما كان قائماً في الدول الرأسمالية المتقدّمة في ظلّ الدولة الكينزية Keynesian أو السنوات “الثلاثين العظيمة” التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وفي التجارب الاشتراكية في شرق أوروبا والكثير من الدول النامية المستقلّة حديثاً في ظلّ الحرب الباردة، تشبثت “الدولة اللبنانية” على مدار تاريخها، ولا سيما بعد الاستقلال، بما عُدّا لاحقاً الأساسان اللذان قامت عليها “الرأسمالية النيوليبرالية” في الاقتصاد، وهما: (1) حرية حساب رأس المال (حرية حركة رأس المال عبر الحدود وحرية التحويل وتبديل العملات وحرية التجارة)، و(2) عدم تدخّل الدولة في الاقتصاد، أو الدولة التقشفية، التي تنحصر وظيفتها في دعم رأس المال وحمايته، مع ما يقتضيه ذلك من عمليات إخضاع وإعادة توزيع داخلية لضبط فئات المجتمع المختلفة والسيطرة على الحراك السياسي والاجتماعي. وهنا يأتي دور “النظام الطائفي” في إدارة عمليات إعادة التوزيع والتحكّم بها، بما سمح تاريخياً لعدد من الزعماء السياسيين والوجهاء بالترسمل وسمح باندماج النخبة السياسية المسيطرة على الدولة والطوائف (المتحكّمة بالعنف بمعنى أدق) مع الطبقة الاجتماعية المسيطرة على رأس المال (…). شيئاً فشيئاً أصبحا طبقة واحدة تجسّد “أوليغارشية” حاكمة بالفعل، وتمثّل المصالح التجارية والمصرفية والعقارية في مواجهة مصالح أكثرية فئات المجتمع.

ما نواجهه اليوم، ونحتار في تفسيره، يكمن في هذه الوحدة القائمة بين ميدان الدولة (السلطة السياسية) وميدان رأس المال (الاستغلال والاحتكار الاقتصادي)، وهو ما يرمز إليه البعض باسم “الفساد” أو “الطبقة السياسية” أو “رأسمالية الأصحاب والمحاسيب” أو “الدولة الغنائمية” أو “الزبائنية”… ولكنها في الواقع، كلّها ترمز إلى احتكار القلّة، حيث أنّ مصالح عدد قليل من الناس تطغى على مصالح الأكثرية، تماماً كما تسمو الملكية الخاصّة على الملكية المشتركة أو المشاعية والمصالح الفردية على المصلحة العامّة… إلخ. الآن يدور كلّ الصراع في لبنان بين مصالح رأس المال أوّلاً في مواجهة مصلحة المجتمع ككلّ، من يتعيّن على الدولة أن تحمي؟ ومن يتوجّب إنقاذه؟ المصارف أم الاقتصاد؟ أصحاب الودائع الكبيرة أم أصحاب الودائع الصغيرة والادّخارات المتواضعة بالليرة؟ الأرباح أم الأجور؟ الاحتكارات التجارية أم المستهلكين؟ الأغنياء أم الفقراء؟ فمهما كان الحديث اليوم، وأياً كان الخيار، كل تصرّف هو نابع من هذا الصراع، وبالتالي يدور حول إمكانية إدارة الانهيار وضبط التوازنات المختلفة في ظل استمرار الحماية للنظام الاحتكاري وديمومته. فالأوليغارشية في لبنان تجسّد “الائتلاف الحاكم” أو “التحالف الطبقي”، وتتركز مصالح أطرافها في المحافظة على النظام الطائفي وآليات المحاصصة واستدرار الريوع ومراكمة رأس المال التجاري والتحكّم بتمويل الاستيراد وفي تركّز رأس المال المالي والاستيلاء على الجهاز المصرفي وفي انتزاع الملكيات العقارية والمضاربة على أسعار الأراضي… ما يُفترض أن ننتبه إليه في هذا السياق، هو أن التاريخ اللبناني يوفّر ما يكفي من الأدلة على أن هذه المصالح بالذات، أي احتكار القلّة للاقتصاد الداخلي، هي التي ساهمت في جعل التاريخ اللبناني عبارة عن تاريخ أزمة بنيوية مفتوحة ومتواصلة، وجعلت المجتمع اللبناني يعيش كل تاريخه على “حافة الهاوية” وفق التعبير الإعلامي.

ما نمرّ به اليوم، هو أسوأ كوابيس هذا النظام، ولكنها ليست أوّل الأزمات التي تسبّب بها ولن تكون الأخيرة في حال نجحت الأوليغارشية مجدداً بالمحافظة على البنية الاحتكارية التي تتحكّم بها. علينا ألّا ننسى الحروب والمآسي والفقر والتأخّر الذي طبع كل المراحل السابقة، حتى التي توصف بالمزدهرة. فالمعضلة الدائمة كانت تكمن في اتّساع الفروقات الاجتماعية والمناطقية والاستنزاف المستمر والهدر المتواصل لأهم العناصر التي يحتاج إليها أي مجتمع للتنمية والتقدّم والرفاهية: رأس المال المنتج، الموارد الطبيعية والثقافية، والسكان المتعلّمين والمتمتّعين بالصحّة وحقوق المواطنة والحماية الاجتماعية. وهذا ما استنزفه وهدره النموذج الاحتكاري اللبناني لصالح تركّز الثروة والدخل لدى أقلّ من 10 في المئة من السكان على مدار السنوات المئة الماضية من تاريخ الدولة اللبنانية.

المفكرة: ما هي كلفة النموذج الاحتكاري على الاقتصاد اللبناني وهل من إمكانية لاستدامته اليوم؟

زبيب: على الرغم من النقص الفادح في البيانات والدراسات، إلّا أن دراسة أعدّتها مؤسسة البحوث والاستشارات لصالح وزارة الاقتصاد والتجارة عام 2003 كشفت أنّ أكثر من نصف المبيعات في الأسواق الداخلية في لبنان تسيطر عليها شركات احتكارية. وقدّرت ورقة بحثية للبنك الدولي عام 2006 قيمة ريوع الاحتكارات التجارية بنحو 16% من مجمل الناتج المحلي. وتفيد الإحصاءات المصرفية أنّ 5 مصارف كبيرة تستحوذ وحدها على أكثر من نصف الموجودات في المصارف، وأنّ أقلّ من 1% من الحسابات المصرفية تستحوذ على أكثر من نصف الودائع. كما تفيد نتائج المسح الزراعي عام 2010 أنّ 2% من أصحاب الحيازات الزراعية الكبيرة يستحوذون على ثلث الأراضي المزروعة. وتحظى الوكالات التجارية الحصرية بالحماية القانونية. كما تحظى بعض الصناعات بالحماية من الاستيراد لصالح عدد قليل من المصانع، إذ تحتكر 3 مصانع صناعة الإسمنت (على سبيل المثال)، ويوجد عدد محدود من المقاولين يفوز دائماً بعقود الدولة ومشترياتها، وهناك الكثير من السلع يخضع إنتاجها واستيرادها للإجازات المسبقة أو التراخيص التي تعدّ سلاحاً مهمّاً للاحتكار والسيطرة.

بمعنى ما، لم تخضع البنية الاحتكارية في لبنان للدرس المستفيض. إلّا أنّنا نمتلك ما يكفي من الأدلّة على أنّها موجودة بقوّة ورسوخ، ليس فقط بسبب ميل الرأسمالية للتحوّل من المنافسة إلى الاحتكار والمنافسة غير المتكافئة داخلياً وخارجياً، بل أيضاً بسبب تراكم طبقات كثيفة من التشريعات والأنظمة والقرارات والخيارات والهياكل والتصرّفات والأعراف والأيديولوجيا المهيمنة التي جعلت الاحتكار في لبنان حالة بنيوية متّصلة بالنظام السياسي ونموذجه الاقتصادي، وليس مجرّد عارض يجدر التعايش معه أو تحمّل تبعاته أو التصدّي له بوصفات تقنية أو مقاربات قانونية وتنظيمية أحادية. لذلك، تختلف المقاربات التي تتناول الاحتكار وتتضارب فيما بينها، تماماً كما هي الحال بالنسبة إلى المقاربات التي تتناول الفساد على سبيل المثال. فالحديث عن الاحتكار كما الحديث عن الفساد، لا يعني بالضرورة أن الجميع يتحدث بلغة واحدة. بل بالعكس، يتغيّر المعنى والقصد والهدف بين مقاربة وأخرى تبعاً لموقع صاحبها والمصالح التي يمثلّها ودرجة الخضوع للأيديولوجيا المهيمنة.

لنتجاوز المقاربات شديدة الابتذال التي يروّجها المحتكرون أنفسهم ويموّلون حملات ترويجها، سواء التي تقدّم حماية “الوكالات الحصرية التجارية” (مثلاً) كمسألة طائفية تخصّ “المسيحيين” وحقوقهم وتدافع عنها ضد مطامع “الطوائف” الأخرى بها؛ أو التي تقدّم هذه “الحصرية” كمنفعة عامّة، باعتبارها الضمان الوحيد لجودة المنتج “الأصلي” ولحماية المستهلك من “القرصنة” و”الغش” وتأمين “خدمة ما بعد البيع”؛ أو التي تحاول تبرير الاحتكار عموماً وتصويره كما لو أنّه “طبيعي” بذريعة صغر السوق المحلية ومحدوديتها وارتباطها الشديد بالاستيراد. فالمقاربات الأخرى، الأقل ابتذالاً، تنقسم إلى 3 تيارات رئيسة:

الأوّل يركّز فقط على “يد السياسيين الطولى” التي تشوّه السوق الحرّة، ولكنه يستهدف في الواقع احتكارات الدولة أو الاحتكارات العامّة تحديداً، ويثير مسألة الأسعار الاحتكارية في الاتصالات والكهرباء وشركة طيران الشرق الأوسط إلخ، وينتهي في الخلاصة للمطالبة بالمزيد من تحرير الاقتصاد من الدولة بحجّة تحرير الأسعار ومقولة “الدولة تاجر فاشل”. هذه المقاربة تتجاهل مجمل الأدلّة على أنّ هذه المطالبة تؤدي إلى نقل الاحتكار العام إلى الاحتكار الخاص وفق الطريقة التي يتيحها النظام الطائفي واقتصاده السياسي.
أمّا التيار الثاني فيركّز على مطلب إلغاء الحماية القانونية التي تحظى بها الوكالات الحصرية التجارية، وهي المظهر الأكثر فجاجة في نظام الاحتكار الاقتصادي الداخلي الذي تتحكم به الأوليغارشية اللبنانية، إلّا أنّ هذا التيار الواسع يحصر مطلبه “القانوني” في زاوية تقنية ضيّقة، ويرى أنّ رفع الحماية القانونية لهذا الشكل الاحتكاري يكفي فيما تتولّى السوق الحرة أمر المنافسة لا الدولة ولا أي تنظيمات أخرى.
التيار الثالث يركّز على الاحتكار بوصفه مسألة خارجية فقط، أي متّصلة بآليات تبعية الرأسمالية الطرفية لرأس المال الاحتكاري العالمي. ولذلك يقلّل كثيراً، وأكثر بكثير من اللازم، من العوامل البنيوية الداخلية التي تطوّرت على مدى عقود طويلة من الزمن وتحكّمت بآليات داخليّة لإعادة إنتاج هياكل الهيمنة والاستغلال عبر نظام الاحتكار الاقتصادي الداخلي.
هذه التيارات الثلاثة الليبرالية واليسارية تضع مسألة البنية الاحتكارية للاقتصاد اللبناني على الرفّ حالياً في مواجهة الأزمة الاستثنائية التي تعصف بالمجتمع اللبناني، والتي يعبّر عنها بانهيار الليرة والإفلاس المصرفي والانكماش الاقتصادي وارتفاع معدّلات التضخم والبطالة والهجرة والفقر ونقص العملة الصعبة واستنزاف الاحتياطات الأجنبية وهروب الرساميل والودائع وانخفاض الاستهلاك والاستيراد… إن هذه المكوّنات للأزمة الشاملة ومتعددة الرؤوس والأسباب، تجعل من الصعب جدّاً تخيُّل إمكانية إعادة إنتاج النظام الاحتكاري نفسه من دون التصادم القوي والطاحن الذي نعيش فصوله اليوم بين مصالح القلّة المحتكرة ومصالح الأكثرية المهددة بالبؤس العارم والحرمان. ولكن هذه القلّة المحتكرة لا تزال قوّية جداً ولا تزال تفرض جدول أعمالها على الجميع وتمنع حصول أي تغييرات في البنى السياسية والاقتصادية، ليس التغييرات التي يطالب بها الشعب فحسب، بل حتى التغييرات التي يفرضها تدخّل صندوق النقد الدولي، الذي يُفترض أنّه الممثل لرأس المال المالي الاحتكاري العالمي، أو الأوليغارشية المالية العالمية. يمكن الاكتفاء بمثال على هذه التغييرات: القلّة المحتكرة ترفض تحمّل خسائر الجهاز المصرفي وتريد تحميلها للشعب كلّه. ولذلك ترفض إعادة هيكلة الجهاز المصرفي، وهو من وصفات صندوق النقد الدولي، لئلّا تخسر جزءاً مهماً من احتكارها لرأس المال المالي وملكية المصارف عبر شطب الرساميل المصرفية وتعويض المودعين جزءاً من خسارتهم. ولكن إدارة الأزمة تتجاوز هذا المثال النافر. فاليوم، يواجه الاقتصاد اللبناني انكماشاً عميقاً جداً، وقد تراجعت قيمة الناتج المحلي الإجمالي (GDP) من نحو 55 مليار دولار في عام 2018 إلى 18 مليار دولار في هذا العام، ويُتوقع أن ينكمش الاقتصاد أكثر في العام المقبل والعام الذي يليه على أقل تقدير. ما يعني أن المجتمع اللبناني، بكل تفاوتاته الطبقية الهائلة، عليه أن يتكيّف مع العيش بثلث ناتجه قبل عامين. ويكفي أن نتصوّر نتيجة التوزيع القائمة في حال نجحت الأوليغارشية في المحافظة على نظامها الاحتكاري. فحتى الليبراليون والنيوليبراليون والتكنوقراطيون يعترفون مسبقاً أن الاحتكار وعدم المساواة في توزيع الثروة والدخل يقلّلان كثيراً من فرص العودة إلى النمو. وبالتالي، هم يطرحون مفاهيم النمو الشامل أو الاحتوائي والبيئة التنافسية للأعمال وتنويع الاقتصادات كوسائل للحدّ من أعراض احتكار القلة على الإستقرار والإنتاجية والثقة.

في لبنان، تستأثر أنشطة الخدمات بثلاثة أرباع الناتج المحلي، ولا تساهم الزراعة والصناعة إلا بأقل من ربع الناتج. وهذا المُعطى أسفر عن هجرة واسعة للقوى العاملة الماهرة وتركُّز أكثر من 70% من القوى العاملة المقيمة (عمال ورواد اعمال واصحاب مشاريع) في قطاع الخدمات، ولا سيما في الأنشطة الخدمية البسيطة أو المتدنية الانتاجية، وهذه من أفدح نتائج البنية الاحتكارية التي راكمت الكثير من الرساميل الكسولة على حساب الابتكار والإنتاج والتوزيع العادل، وهذا ما تعكسه حصّة الأجور من الناتج المحليّ التي تهاوت من نحو 55% قبل الحرب إلى 35% في مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب وصولاً إلى 25% قبل الانهيار المالي والنقدي والمصرفي الحالي وجائحة كوفيد- 19 وانفجار الرابع من آب. فبنتيجة أثر هذه الأحداث الضخمة المتتالية، يعتقد أنّ حصة الأجور من الناتج انخفضت كثيراً ولا سيما أنها خسرت أكثر من 65% من قيمتها الشرائية في العام الأخير فقط بسبب انهيار الليرة.

المفكرة: كيف يمكن التعامل مع هذا الواقع في ظلّ البنية الاقتصادية الاحتكارية؟ كيف يمكن إقناع الكثير من الناس ببذل المزيد من التضحيات إذا كان ذلك لن يصب في مصلحتهم أبداً وإنما في مصلحة تعزيز احتكار القلّة ونجاتها على حساب الجميع؟

زبيب: تخبرنا الوقائع الماثلة اليوم أنّ النظام المصرفي في لبنان مفلس برمّته، وأنّ نظام الائتمان الذي يصعب تخيُّل نظام رأسمالي يعمل من دونه، معطّل بالكامل، وأن نظام حريّة تحويل رأس المال الذي تأسّس عليه النظام الليبرالي اللبناني تاريخياً معلّق إلى أجل غير مسمّى، وأنّ نظام سعر الصرف الثابت منهار ولم يتبقّ منه غير الركام وأسعار الدولار الكثيرة. كما تخبرنا هذه الحقائق أنّ نظام الاقتصاد الحرّ والملكية الخاصة مهشّم بفعل مصادرة الودائع من قبل المصرفيين والاستيلاء عليها ورفضهم تحمّل أي خسارة من رساميلهم، وأنّ نظام الدفع متوقّف ويكاد يقتصر على الكاش وأشكال الدفع البدائية، وأنّ نظام السرية المصرفية لم يعد مرادفاً إلّا للجريمة وهو ينازع تحت الضغوط الخارجية. كذلك تخبرنا أنّ ميزان المدفوعات الخارجية في حالة عجز بنيوي مستمر منذ 10 سنوات متتالية للمرّة الأولى في تاريخه، وأنّ هروب الرساميل المتواصل يشفط تحويلات المهاجرين ويعيدها إلى الخارج، وأنّ السيولة بالعملة الصعبة المتبقية في الاقتصاد والمتاحة للاستعمال تنضب بوتيرة سريعة… ولا أحد، إلّا قلّة ضئيلة جداً من أصحاب السلطة والمال، يعرف الآن كم بقي من هذه السيولة لاستيراد الحاجات الملحّة والضرورية للاستهلاك والإنتاج والبقاء على قيد الحياة. وهذه مسألة بالغة الأهمية في ظلّ نقص الدولار والتضخّم المنفلت والانكماش الاقتصاديّ الحادّ الطويل الأمد والحاجات التمويلية الضخمة. فهذه الحالات المتمادية لا تهدد فقط بانهيار أكبر ومطّرد في مستوى المعيشة والرفاهية، بل تهدّد بانهيار الإنتاج، أو ما هو موجود منه، وتدفع إلى تقييد قسري متزايد وغير منظّم للاستيراد والاستهلاك في ظل بنية تجارية احتكارية تمتلك نفوذاً هائلاً في الدولة. ووفق إدارة الإحصاء المركزي[1]، كان الدخل الشهري لنحو 72.2% من الأسر في 2018 يقلّ عن مليونين و400 ألف ليرة، أي ما يعادل 1592 دولار. ولكن منذ أيلول 2019، ارتفع سعر صرف الدولار في السوق الفعلية من 1507.50 ليرة إلى 8500 ليرة[2]، أي أنّ ثلاثة أرباع الأسر في لبنان بات دخلها الفعلي اليوم يقلّ عن 282 دولار، وهو أقل من ثلث الحد الأدنى الرسمي للأجور كما كان في 2018. علماً أنّ ثلث الأسر يقلّ دخلها الشهري عن مليون ليرة، أي ما يعادل 118 دولاراً فقط بسعر الصرف اليوم. وخلصت دراسة للأمم المتحدة[3] إلى أنّ نصيب الفرد من الاستهلاك انخفض بمقدار الثلث، وأنّ عدد الفقراء على أساس خط الفقر الأعلى ارتفع إلى 55% من السكان قبل احتساب أثر جائحة كوفيد- 19. كما ارتفع العدد على أساس خط الفقر الأدنى (الفقر المدقع) إلى 23.4%، في الوقت الذي لا يزال لبنان يسجّل أحد أعلى مستويات التفاوت في توزيع الثروة.

هذا النوع من الوقائع لا يسمح بتجاهل أولوية تفكيك البنية الاحتكارية للاقتصاد اللبناني وإسقاط الأوليغارشية كطبقة مسيطرة تكمن مصالحها في استمرار هذه البنية، مع ما تفرضه على صعيد مواصلة سياسات النمو وتراكم رأس المال عبر الاستهلاك لا الإنتاج، وتركيز النشاط الاقتصادي في التجارة والخدمات المالية والعقارية وفي بيروت ومحيطها، وتشجيع الهجرة كبديل عن تصدير السلع والخدمات للحصول على حفنة من الدولارات يحتاج إليها هذا النمط من تراكم رأس المال الاحتكاري كي يقوى ويستمر.

لقد حاولت تجربة فؤاد شهاب في الستينيّات من القرن الماضي إدخال مجموعة من الإصلاحات على هذه البنية الاحتكارية للتخفيف من مخاطرها على النظام نفسه. وسعت هذه الإصلاحات إلى توسيع تدخّل الدولة والسياسات العامّة. وجرى إنشاء مؤسّسات عدّة لهذه الغاية، أبرزها المصرف المركزي والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتفتيش المركزي والصندوق المستقل للإسكان إلخ. كما جرى سنّ قوانين تحفّز على الاستثمار خارج بيروت. وقد ورثنا من هذه الحقبة كلّ ما نعرفه عن الدولة التدخّلية في لبنان اليوم أو ما تبقّى منها. إلّا أنّ البنية الاحتكارية كانت أقوى، وسرعان ما حقّقت الأوليغارشية التجارية والمصرفية المزيد من الامتيازات ليس بالمحافظة على “السرّية المصرفية” و”الجنّة الضريبية” و”الوكالات الحصرية التجارية” وغير ذلك من أسلحة الاحتكار، بل نجحت أيضاً في تحويل المؤسّسات والهياكل الجديدة إلى أسلحة إضافية لتعزيز الاحتكار والاستحواذ على دخل المجتمع وانتزاع الملكيات الخاصة والعامّة، وهو ما يعبّر عنه أبلغ تعبير الدور الذي يؤدّيه البنك المركزي واستقلاليته المفرطة وسرّية أعماله وعملياته. لقد شهد العقدان التاليان للعهد الشهابي ذروة الهجوم الأوليغارشي أو القلّة الاحتكارية التي مهّدت لانفجار الحرب الأهلية في النصف الأوّل من سبعينيّات القرن الماضي. وكما يحصل في الوقت الحاضر، حصلت محاولات لتهدئة التوترات الاجتماعية المتصاعدة عبر رفع شعار “الثورة من فوق”، وجرى تأليف أول حكومة في عهد سليمان فرنجية، عُرفت بـ”حكومة الشباب” وضمّت مجموعة من الأخصائيين – “التكنوقراط “– منهم الياس سابا وإميل بيطار وغسان تويني وهنري إده وغيرهم. وكان من المفترض أن تعمل هذه الحكومة لوضع مجموعة من الإصلاحات الإنقاذية. غير أنّها اصطدمت بمصالح الأوليغارشية وقوّتها الاحتكارية ممّا أدّى إلى تبديلات كبيرة وسريعة في خارطة الحكومة، فاستقال العديد من الوزراء وانكفأ غيرهم عن المعارك التي كانوا قد باشروها.

وخاضت الحكومة معركتين بارزتين: 1) “معركة الدواء” من خلال وزير الصحة إميل بيطار بوجه محتكري سوق الدواء (المستوردين والصيادلة)، الذي حاول من جهة تخفيض أسعار الأدوية وتأمين استيراد قسم منها عبر مؤسسة الضمان من جهة أخرى وانتهت باستقالته بعد تصدي كارتيل المستوردين له؛ 2) معركة “المرسوم 1943” الذي أصدره وزير المال الياس سابا في محاولة لتحسين الجباية الضريبية. فحدّد رسوماً على السلع المستوردة “الفخمة” أي التي يوجد لها سلع موازية في لبنان. وبحجة “تهديده للاقتصاد الحرّ”، تصدّى له التجار ونفّذوا إضرابات واسعة انتهت برضوخ سابا وإلغاء المرسوم.

نواجه اليوم المشهد نفسه، مع اختلاف التفاصيل والظروف والعوامل والمخاطر، وهنا تكمن راهنية الحديث عن الاحتكار وعلاقته بالانهيار القائم.

المفكرة: هل البنى الاحتكارية من آليات النظام الطائفي؟

زبيب: أهمية الحديث عن “بنى احتكارية” هو من باب التأكيد على أنّها بنى في الاقتصاد وفي المجتمع ترتبط بها مصالح اجتماعية راسخة، ولا يسهُل التعامل معها ببساطة. والمثال الساطع على ذلك، أنّ طرح مسألة إعادة النظر في الحماية القانونيّة للوكالات الحصريّة يتحوّل مباشرة إلى نقاش ينطوي على “إعادة توزيع، ذات سمات طائفيّة سياسيّة”، وكذلك طرح إعادة هيكلة الجهاز المصرفي يتحوّل مباشرة إلى تهديد وجودي.

والمهم هنا أنّنا إن أيقنّا أنّنا نواجه “بنى احتكارية”، لا يعود الحديث عن تجّار أقوياء محتكرين و”زعماء طائفيين يؤمّنون الغطاء” وعن “حماية” المنظومة الحاكمة لهذه البنى كافياً، ولا فكفكة أدوات الحماية كافياً لضربها. بل علينا أن نتيقّن أنّ البنى الاحتكارية مغروسة في البنى الطائفية، وأنّها إحدى آليّات إعادة توزيع المنافع بين “الزعيم” و”الطائفة” (وتوجد طبعاً آليات عديدة أخرى وربما أفظع بنتائجها كوضع اليد على الأملاك العامّة والمقاولات والمنافع الكبرى التي تم تحقيقها واقتسامها إلخ…). وهذا ما يسمح بترسّخ هذه البنى أولاً، وبارتضائها ثانياً؛ ليس بمعنى أنّ النّاس يوافقون عليها وهم فرحون بها، بل بمعنى فقدان القدرة على مقاومتها وبالتّالي الاستعداد لبذل الجهود لمقاومتها. فتصبح القضيّة: “ما لبنان هيك”، أي أنّ بنية اقتصاده الاحتكارية من المسلّمات غير القابلة للتغيير. كما أنّ هذا بالضبط ما يجعل إعادة النظر فيها ليس بأمر يسير، فذلك يفترض إعادة نظر بنيوية تفضي إلى إعادة توزيع للثروة المكتسبة سابقاً وإقامة العقد الاجتماعي الجديد لإعادة توزيع الثروة التي سيتمّ اكتسابها لاحقاً. وهذا ما كان يفترض أن تدفع إليه الانتفاضة الشعبية التي انفجرت في 17 تشرين الأول 2019. وهكذا كان يمكن أن تكتسب طابعها الثوري.

المفكرة: هل من فرصة أمام البنى الاحتكارية لإعادة إنتاج نفسها بعد الانهيار؟

زبيب: لطالما طرحت مسألة البنى الاحتكاريّة في تاريخ لبنان بوصفها معضلة يجب حلّها. لكنّ في كلّ مرّة، كانت تنتهي أزمة النظام بإعادة إنتاجه، ومعه البنى المرتبطة فيه ومن ضمنها البنى الاحتكاريّة لأنّها جزء لا يتجزّأ منه كما يبيّنه التاريخ والوقائع.

الوضع مختلف اليوم. فأمام حجم الانهيار، يُطرح السؤال: هل لا يزال النظام اللبناني قادراً على إعادة إنتاج نفسه، وضمنه البنى الاحتكارية للاقتصاد؟

انطلاقاً من التشخيص الذي يبيّن أنّ النظام فقد عناصر أساسيّة لإعادة تكوين ذاته، ومن التشكيك في قدرته على ذلك، بات من الضروري طرح إشكالية الاحتكارات وقدرتها على الاستمرار، رغم المكابرة التي تريد القوى المستفيدة ممارستها، أي المحتكرون أنفسهم، وعلى الرغم من القوّة الهائلة التي ما زالوا يتمتّعون بها. فدخول الاقتصاد اللبناني منذ 2011 مرحلة أصبح خلالها عاجزاً عن تمويل ذاته من خلال التدفقات الماليّة المقبلة من الخارج، وصولاً إلى انهيار القطاع المالي وإفلاس المصارف، جعل هذا النّظام أمام استحقاق مصيري. ونحن اليوم أمام خيارين: إمّا نذهب نحو البؤس والفوضى وتفكّك طويل الأمد للنّظام – لا نعلم كم يستطيع الاستمرار كنظام “زومبي” –، أو تُضطر القوى الفاعلة في المجتمع إلى إيجاد توافق جديد يدخل تعديلات بنيويّة – ليس بالضرورة نحو الأفضل – تصيب بالدّرجة الأولى الاقتصاد والبنى الاقتصاديّة، إذ أنّ البنى الحالية فقدت إمكانيّة الاستمرار على الطريقة السابقة.

إطار

انهيار 2019: البنى الاحتكارية تعاظم أكلاف الانهيار والضغوط على الفئات الأضعف

بحسب إدارة الإحصاء المركزي، سجّل مؤشّر أسعار الاستهلاك ما بين أيلول 2019 وأيلول 2020 ارتفاعاً بنسبة 135%. وهو أمر خطير جداً، كما هو مرشّح للارتفاع أكثر. لكن المهمّ هو أنّ هذه النسبة تدلّ على أنّ ارتفاع الأسعار الذي حصل هذه السنة ليس كلّه ناجماً عن مؤثّرات انهيار سعر صرف الليرة وشحّ الدولار والإفلاس المصرفي. فهناك جانب مهم جداً منه مرتبط تحديداً بالبُنى الاحتكاريّة. فإذا أخذنا أبواب الإنفاق الأسري بحسب مؤشّر إدارة الإحصاء المركزي ورأينا متوسّطات نسب احتساب الأسعار فيها، تتكشّف لنا تماماً ملامح هذه البنى. فنحن نشهد صعوداً في الأسعار في كل أبواب الإنفاق، ولو بنسب مختلفة وفق طبيعة هذه الأبواب والطلب عليها. فمن المسائل الملفتة أنّ الأسعار ارتفعت بشكل كبير حتى في أسواق من المفترض أنّ الاحتكار فيها غير منظّم في القانون[4]. على سبيل المثال، سجّلت أسعار المواد الغذائيّة والمنتجات الزراعيّة ارتفاعات كبيرة جداً، أعلى بكثير مما يفترض بحسب مؤشّر سعر الصرف. ويظهر ذلك أيضاً من خلال أبواب الإنفاق التي لها علاقة بالسلع المعمّرة كالتجهيزات المنزليّة، ووسائل النقل، وغيرها التي عادةً تستقرّ أسعارها أو تنخفض خلال الأزمات، بسبب تراجع الطلب عليها.

والنتائج المباشرة لما سبق هي التالية:

أوّلاً هناك تأكيد للبنى الاحتكاريّة المسيطرة على الأسواق التجاريّة؛
ثانياً أنّ هذه البنى الاحتكاريّة تطال سلعاً لا يُعتبر الاحتكار بشأنها محميّاً بموجب القانون؛
ثالثاً أنّ زيادات ولو طفيفة شملت بطريقة أو بأخرى سلعاً من المفترض أنّ أسعارها محدّدة من قبل الدولة نتيجة حمايتها أو دعمها المباشر، مثلاً الارتفاع الطفيف في أسعار الدواء، والارتفاع المتوسّط في كلفة النقل – والتي ترتكز بدرجة أساسيّة على المحروقات والتي يفترض أنّ سعرها محدّد –. كما شهدنا كيف استطاع كارتيل استيراد الطحين والمطاحن والأفران أن ينتزع مكاسب من خلال التلاعب بوزن ربطة الخبز وبرفع السعر عملياً.
وبالطبع، أمام حديث المصرف المركزي عن عدم إمكانية الاستمرار طويلاً بما يسمى “دعم” بعض السلع أي توفير الدولارات بسعر صرف معيّن لاستيراد سلع معيّنة، يصبح من الضروري – بعيداً عن أي حديث في الإيديولوجيا أي طروحات اليسار أو اليمين – اتّخاذ إجراءات تخفّف الأثر الذي من الممكن أن ينجم عن ذلك.


New Page 1