ثقافة الجهل حاضرة ومستمرة وتعيق تطورنا ؟؟ بقلم ناجي صفا :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


ثقافة الجهل حاضرة ومستمرة وتعيق تطورنا ؟؟ بقلم ناجي صفا


قد يفاجىء القارىء وهو يقرأ مصطلح ثقافة الجهل،، ويتساءل، هل يمكن ان يكون للجهل ثقافة ؟؟ ، فمصطلح ثقافة يتناقض في دلالاته وابعاده ومضامينه مع الجهل .
الحقيقة وبكل أسف ان الجواب هو نعم ، فهناك من يعمل على ثقافة الجهل سواء بقصد وبأهداف خبيثة، او من خلال الموروث الديني والإجتماعي، لان الاستعمار وادواته وامتداداته لا يمكن لهما ان يخترقا المجتمعات ويسودا الا من خلال تعميم ثقافة الجهل ، فهناك من يصر على ان يبقى جاهلا وهو يظن انه يمتلك الحقيقة المطلقة .
من ابرز مسوقات ثقافة الجهل هو الفكر الديني ببعده القدري الذي يعطل العقول او يسطحها، وانا اسميه الجانب التسطيحي من الفكر الديني، يعبر عن ذلك من خلال ان ما يصادفه المرء في حياته على انه قدر لا مفر منه، وينبغي الخضوع له بلا جدال، فهو مسألة قدرية وارادة الهية متناسيا ما اعطى الله من قيمة للعقل وكرمه بان ميز الإنسان به عن بقية مخلوقاته، هؤلاء يجعلون من الإنسان مستسلما لا حول له ولا طول وبالتالي جاهلا .
عندما انفجرت الاحداث في ١٧ تشرين ونزلت الناس الى الشوارع تفاءلنا بأن مجتمعنا قد تجاوز ثقافة الجهل واصبح مدركا لحاجة التغيير ، ادرك ان البعض ممن نزلوا الى الارض كان ذلك بفعل الخوف من الجوع والقلق على المستقبل ، فلبنان بغالبيته كان على ضفاف الجوع الذي بدأ يطرق ابوابه ، لم يكن ذلك النزول ادراكا بضرورة التغيير ، لان الجوع والفقر لا يخلقان وعيا ما لم يقترنا بوعي اسباب الفقر والجوع ، فالفقر لا يصنع ثورة ، وانما الوعي بمسبباته .
بضعة ايام من الحراك الشعبي بدأت تتكشف مفاعيل الجهل ، وعاد المجتمع الى تركيبته الأصلية من القطعان الطائفية والمذهبية التي ركب عليها اصحاب الاجندات المرتهنين لبرامج واجندات تعمل على تعميم الجهل لكي تتمكن من تمرير اجنداتها .
عجز هذا الحراك الهائل الذي كان يشبه موج البحر في لحظة ما، وبعد ان استبشرنا بوعي اجتماعي مفاجىء سرعان ما تبين انه زبد . عجز عن منهجة تحركه ، وعن وضع برنامج تغييري على قاعدة الوعي بالحاجات الفعلية السياسية والإقتصادية والمعيشية ، كما عجز عن الإتفاق على قيادة توجه دفة الحراك باتجاه مصالحه الفعلية وليس الآنية او الإفتراضية فسهل بذلك على مجموعات الأجندات الخاصة الإختراق ، وتبين ان الطبقة السياسية التي تسعى الى تأبيد الجهل لضمان استمرارها ما زال لها اليد الطولى .
لا يمكن احداث تغيير في المجتمع ما لم يسبقه تغيير في الوعي الجمعي، بحيث لا تحرك المرء الغرائز وانما الوعي بالحاجات المختلفة لحياته وفي طليعتها التغيير نحو الأفضل.
تذكرني حالة الجهل المقيمة بكلام امرؤ القيس حينما كان يبحث عن استعادة ملك ابيه وهو يخاطب اصحابه على جبل عسير فيقول اشارة الى ثبات الواقع بانه مقيم ما اقام عسير ، ويردف قائلا يا صديقي انا غريبان ها هنا ،، وكل غريب للغريب نسيب . فالجهل والتطور غريبان عن بعضهما البعض ، هما متضادان ويشبهان الى حد بعيد قطعتي المغناطيس اللتان تتنافران ولا يمكن ان يلتصقا ما لم تقلبهما على وجههما الآخر .
لا حل سوى بمحاربة الجهل اولا من خلال الدولة المدنية والمواطنة قبل اي اصلاح آخر ، فعندما تنزع من الطبقة السياسية سلاح الطائفية والمذهبية فتشعر انك تخاطب فرد لا طائفة ، أو زعيم يحتجز خلفه طائفة، عندها تكون قد نزعت منه سلاحه الامضى وهذا لن يحصل سوى بالوعي ودفن ثقافة الجهل .


New Page 1