كتّاب ومبدعون عرب أمام صورة بيــروت المحترقة: وخزة في القلب :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


كتّاب ومبدعون عرب أمام صورة بيــروت المحترقة: وخزة في القلب

محمد ناصر الدين - الأخبار
31-07-2021
من فيهم لم يقع في حبّ بيروت؟ من منهم لم يتعمّد فوق مذبح سحرها، من منهم لم يطف طواف الحب سبعاً في مكتباتها المرصوفة جنباً إلى جنب مع المقاهي والمسارح والجامعات والشوارع التي تنبض حرية وإبداعاً وشعراً وثقافة، وذلك البحر الذي وهبها إياه بوسيدون، يغسلُ آثام الآلهة والبشر. آه أيها البحر. لم نعرف أن الطعنة ستأتي من هناك، وأن الغول في صبيحة اليوم الرابع من آب (أغسطس) 2020، كان يختبئ في عنابر المرفأ، خلف أَهراءات القمح التي استقبلت الانفجار بجسدها، ليختلط بأجساد أبنائها المذبوحين، في الحرب الأزلية بين الخبز والبارود، بين الجميلة والوحش. عامٌ كامل على الانفجار الكبير، وأحباؤها الذين ما أحبوا يوماً رثاءها قد تنادوا من كل العالم العربي، يكفكفون دمعها، ويقاسمونها المحبة والذكريات، فماذا سيقولون أمام طرحة عرسها المبلّلة بالدم؟ كوكبة من الشعراء والروائيين والأدباء يستذكرون بيروت في يوم فجيعتها، صورتها وهي تحترق، ولكن «تعرف بيروت كيف تنهض، ليس نهوض عنقاء من رماد، لكنه، ربما، نهوض الرماد نفسه. وهي، شأن جميع المدن المنذورة للكارثة، مدينةٌ تجيد الابتسام»


الحلم والكابوس
سنان أنطون (روائي عراقي)
كانت بيروت، لمن مسّتهم أحلام الإبداع وشهوات التمرّد، القِبْلة. يولّي الحالمون بعالم آخر حواسّهم شطرها، من زنازينهم الوجوديّة والاجتماعية الخانقة في مدن أخرى. ويولّي الباحثون عن لغات ونزعات وأفكار أخرى وأساليب تعبيرية جديدة أذهانهم شطرها. ينتظرون ما يُكتب فيها، شعراً ونثراً وفكراً، وما يصل إليها، لتعطيه بيروت أجنحة من حبر وورق وترسله إلينا. بيروت، مرآة الأحلام العطشى والعنيفة، ومختبر التغيير الثقافي والثوري. تحطّم الأوثان بنزق... لكنها تصنع أخرى جديدة! مرآة الحلم كانت. لكن المرآة كانت، وصارت، النافذة التي يتهشّم زجاجها ليظهر كابوس الحقيقة البشعة مكتملاً ويترك آثاره على وجوه البشر وأجسادهم، جراحاً وموتاً. كابوس التاريخ. بل انتقام كوابيسه المتراكمة.
عاصمة حروب لم تنته. يسهر أمراء الحرب والسلام، ملوك الطوائف، على خرابها، بحراب فسادهم وحربائيتهم. تحوّلت المدينة التي احتضنت، ذات زمن، الهاربين من أكثر من جحيم، إلى جحيم لمن يعيش فيها. جحيم يذكي نيرانه سلاح فتّاك، من أسلحة الدمار الشامل، هو الفساد. غير مُكلف البتة لصانعيه أو مروّجيه. سلاح يدفع ثمنه ضحاياه، بالجملة. آه يا بيروت.

ذكرى سحابة
طارق إمام (روائي مصري)
أُجزم أنني سمعتُ دوي انفجار مرفأ بيروت في بيتي في القاهرة. ففي المصائب، تغدو البلادُ قريبةً إلى هذه الدرجة. أتذكَّر أنني نهضت من فوري، وفتحتُ الشرفة لا التلفاز، حيث لفحني هواءٌ غير قاهري: هواءُ بحرٍ يتنسم نترات الأمونيوم.
لم أكن بحاجةٍ إلى أن أستعرض «الميديا» المرئية أو المكتوبة على عجل، أو إلى أن أُلاحق لهاث ملاحقة السوشيال ميديا الآني المنفعل، فعلامات الاستفهام التي سيتبارى الجميعُ لبلورتها، أملك منها ما يفيض عن الحاجة، وطالما الغايةُ في لحظةٍ كهذه العثور على إجابة، فمن الأفضل أن أكتفي بمدخرات سنين تجاوزت الأربعين من عمري، مُقسَّمة بالعدل بين «كيف»، و«لماذا»، و«من». لكني الآن، وبينما أحاول للمرة الأولى أن أكتب شهادةً كثيفةً عما حدث، وأنا لستُ بشاهد _ وربما حتى الشهود ليسوا بشهود _ أتساءل عن مرور سنة، مخاطباً نفسي: هل حقاً مرَّت؟ تعوَّدنا أن نقول: «ما أشبه اليوم بالبارحة»، إنها عبارةٌ/ صك محفورةٌ في معجم الاستعمال العربي، لكن جميع الأيام العربية تشبه، للأسف، بارحةً ما، لا نبرحها.
يتنفس المرفأ اليوم قدراً من اليود الذي حجبته سحابة النترات، يصفو لزرقةٍ واراها بياضُ السفك. تعرف بيروت كيف تنهض، ليس نهوض عنقاء من رماد، لكنه، ربما، نهوض الرماد نفسه. وهي، شأن جميع المدن المنذورة للكارثة، مدينةٌ تجيد الابتسام. هل نحن بصدد ذكرى؟ هذا أقصى ما أرجوه: أن يكون الماضي، ولو لمرة، تاماً، سواء وقع قبل سنة، أو قبل ألف سنة.

الثواني الأولى بعد الانفجار
وجدي الأهدل (روائي يمني)
أتذكر تلك الساعة المشؤومة جيداً. كنت جالساً أتجاذب أطراف الحديث مع قريب لي متدين، وفجأة بثتْ قناة إخبارية خبر الانفجار في مرفأ بيروت. شعرتُ أنا بوخزة ألم في قلبي، وتبادر إلى ذهني أصدقائي الذين أحبهم وقلقت بشأنهم. وأما الشيء الغريب الذي حدث ونُقش في ذاكرتي إلى الأبد، فهو ردة فعل قريبي المتدين، الذي قال مباشرة بعد تلقينا الخبر بلهجة ساخرة: «الآن اللبنانيون سيُكبّرون الموضوع وهو لا يستحق». وكأنما يودّ التهوين من الحدث وإبطال أيّ تعاطف محتمل مع الضحايا، ولمحتُ في محياه ذلك السرور الخبيث بالمصائب التي تحل على الآخرين.
سألتُ نفسي لماذا يحقدون على لبنان إلى هذه الدرجة؟ وفكرتُ أن السبب يعود إلى الكتب الفلسفية والعلمية والأدبية التي نشرتها بيروت خلال السنوات المئة الماضية، والكتب التي سوف تطبعها في المستقبل...
لقد نشرت بيروت كل الكتب التي يحرّمها العقل العربي المتحجّر. بيروت هي التي أنارت العقول وأزعجت الأنظمة الاستبدادية. وهي التي تغلبت على الرقابة في عشرين دولة عربية، ومرّغت أنف الرقيب العربي في التراب. وهي التي أقلقتْ نوم المتزمتين فكرياً، وأصابتهم بحالة من الهستيريا وهم يفتشون عن كتاب ما مطبوع في بيروت، ويخشون أن يتسرب إلى عقول وقلوب أبنائهم، بيروت هي لسان العرب الذي به ننطق، فإذا قُطع هذا اللسان، فإن الثقافة العربية ستصاب بالخرس.

نيران تنهش جسدها
محمد الأمين الكرخي (شاعر عراقي فارسي)
من الصعب جداً أن يكتب المرء عن مدينة لم يضعها في أجندة رحلاته. أجهضت حلم السفر الى بيروت مثلما تصديت لكل رغباتي في العودة الى مسقط الرأس بعدما هُجّرت منه قبل حوالى أربعة عقود. لديّ قناعة راسخة أنّ الموتى مضوا مع حكاياتهم وأنّ الأحياء لم يتمكنوا بعد من سرد الحدث منذ أول طعنة إلى آخر رصاصة.
على شاكلة بغداد، تحضر بيروت في مخيلتي باعتبارها مدينة منقوصة.
لا شهادات حقيقية عما حدث.
ضحايا الحروب الأهلية بحاجة إلى أربعة عقود من الاسترخاء والحياة الآمنة كي يتمكنوا من سرد شهاداتهم عن المجزرة.
هذا ما أخبرتني به خبيرة نفسية في شؤون البلدان التي ننتمي إليها.
إن في مسقط رأسي بغداد أو في بيروت، لم ينل أحد فرصة حقيقية في سرد حكايته.
وفي مثل ظرف كهذا، يرتدي القتلة أقنعة متعددة، يطلون منتحلين دور محللي نشرات الأخبار حيث الحدث في ذروة قيامته. السياسيون بدورهم لا يفوتون فرصة للانضمام إلى كرنفال المأساة ببلاغات وخطب غبية تارة وباهتة في أحيان أخرى. أقول وقد تناثرت شظايا زجاج المباني عند أقدام شاعرة نقلت لي المشهد مباشرة عبر خدمة الواتساب. لعلها الحرب مستعيرة وجه الحريق أو ربما هي القيامة وقد أجرت مناورات مختزلة.
أقول وقد أجهشت امرأة بالبكاء وهي ترى السماء مهددة بالحريق أيضاً، لعل مطلع قصيدة مسقط الرأس بحاجة إلى إجراء تعديل بسيط وضروري: نيران تنهش جسد بيروت التي لم تتجذر فيّ كفاية.

قتلة الشعب اللبناني
عبد الفتاح بن حمودة (شاعر تونسي)
الحكّام الفاسدون وبارونات المال هم المسؤولون عن الجريمة في الدرجة الأولى نظراً إلى المعلومات التي أكدت بقاء سفينة شحن لسنوات محجوزة لفائدة الدولة اللبنانيّة تنفيذاً على شركة أجنبيّة صاحبة سفينة محمّلة بمواد متفجّرة دون التفريط في الكميات وتوزيعها في الوقت المناسب. وأرجّح بشدّة ضلوع الصّهاينة في ذلك، بعيداً عن نظريات المؤامرات الخارجيّة، والمؤامرات موجودة دوماً.
إن هول الفاجعة الذي رأيته مساء ذلك اليوم من 4 آب (أغسطس) في الصيف الماضي في كلّ التّلفزات العربيّة والدّوليّة، أمر لا يصدّق ويصل إلى مشهد سورياليّ.
إنه تفجير إرهابيّ دون شكّ. والدليل في صور دقيقة بعد الاشتعال الأول في «العنبر الأول» المخزّنة فيه مواد النيترات، أنّ ثمة طائرة صغيرة مسيّرة ألقت بقنبلة على قرب مكان الاشتعال الأول ليكون بعدها الانفجار على نطاق واسع.
خسر لبنان أكثر من مئتيْ ضحيّة وآلاف الجرحى، خسر شريان الحياة وهو المرفأ إضافة إلى خسائر لا تحصى في البنية التّحتية والمباني والممتلكات العامّة والخاصّة. لقد عانى لبنان طويلاً من الفاسدين والمجرمين والمتآمرين الصهاينة.
كذب الحكام الفاسدون في التحقيق الذي وعدوا به الشعب اللبناني للتغطية على جرائمهم وجرائم المتورطين وأباطرة المال.
لقد ضاع حق الشعب اللبنانيّ لأن الجميع يهرب في لبنان من مواجهة الحقيقة، والهدف هو التغطية على أباطرة المال والفاسدين والمتنفّذين مثل محافظ المصرف وغيره من مهرّبي مقدرات الشعب اللبناني إلى دول أجنبيّة، والذي كشفت فرنسا تورّطه في تهريب أموال طائلة إلى البنوك الأوروبيّة في حين أن الشعب اللبنانيّ يعاني من كلّ شيء. وعلى الدّول الأوروبيّة إرجاع كلّ الأموال اللّبنانيّة المنهوبة التي هرّبها الفاسدون ليبدأ الشعب اللبناني بإعادة الإعمار.

أرواح تنتظر
علي عاشور (شاعر سعودي)
لم يكن انفجار مرفأ بيروت انفجاراً مدمّراً على المستوى المادي فقط، بل كان، وما زال، انفجاراً مدمّراً على المستوى المفاهيمي والأخلاقي أيضاً. فقيمة الإنسان ومعيشته تساوم. فلا شهداء المرفأ حرّكوا ضمير من يسمّون «ساسة» في لبنان، ولم يخجل ناهبو المال والحياة من استغلال الفجيعة البيروتيّة لتسجيل نقاط سياسية ضد خصومهم. فالانفجار بالنسبة إلى هؤلاء مهم بمقدار ما يهتز الكرسي ورقم الحساب المصرفي، لا بغلاء دمعة الإنسان اللبناني وحرقته وغصته وفقده وكرامته وحقّه بالحياة. «هل سينقصُ صفر أم صفران؟» يتساءلُ مسؤولٌ تابعٌ وفاسد. كيف لا، والسجادة الحمراء تفرش لمن يحاصر الشعب اللبناني اقتصادياً، ويجوّعهُ ويستغّل آلامه ومعاناته، بينما تحاك وتصاغ وتُرسم في معمل العجرفة والإمبريالية الغربية، وأدواتها في المنطقة، عشرات الخطط لضرب المقاومة الصامدة، في جمهورها وناسها وشعبها. فانفجار المرفأ، الكارثي، دمّر معه قشرة الخبث السياسي الطامع، ولم يعد هنالك أقنعة في اللعبة. وجوهٌ مكشوفةٌ، بلا كرامة ولا هوية ولا نزاهة. وجوهٌ ملوّنةٌ بالدولار، وموعودةٌ به. وجوهٌ بلا شعور. وجوهٌ بلا وجه.
وهناك، على ساحل بيروت، أرواحٌ ما زالت طائرة. أرواحٌ من الحرب الأهلية تلاقت مع أرواح من الانفجار الشنيع. أرواحٌ تتهامس، تتحاور، وتتبادل الأخبار. أرواحٌ تغني فيروز. روحٌ تقرأ قصيدة لأنسي الحاج من دون أن تكملها. أرواحٌ تصف الضاحية بعد حرب تموز. أرواحٌ تشيرُ بإصبعها إلى القدس. وأرواحٌ تنتظر، وهي تنظرُ إلى موقع المرفأ. وستنتظرُ طويلاً، حتى ترى ابتسامة حياة، ابتسامة بيروت، ابتسامة لبنان، ثم ستعانق بعضها، وترحل.

ذاكرة تكاد تفيض بالمآسي
مفتاح العلواني (شاعر ليبي)
في اللحظة التي رأيت فيها الانفجار... وحده التسمّر صمتاً ودهشةً وخوفاً كان خلفيةً صالحةً تليق بمدى رغبتي في الصراخ حينها ولم أفعل.. لم أفعل لأن أشلاء منه تناثرت على روحي الهشةِ من الحزن على بيروت الحبيبة... ولأنني شعرت حقاً بوهجٍ ساخن يلفح وجهي المنكمش وهو يحاول التقاط نظرة واضحة لتلك البلاد الجميلة حتى وهي تنفجر.
إنني في حيرةٍ من أمري منذ ذلك... في استغرابٍ نابع من سؤال يلمعُ في نهر التساؤلات يهمس لي: ما الذي حدث أو تغير؟ وما الذي اقترفته بيروت سوى أنها بهية كي تُصاب بكل هذا الوجع، فنصاب نحن تبعاً لها في الأوطان البعيدة؟
لم يكن انفجاراً ذاك... كان غصةً حارة للبنان المصاب تمخضت عنه صرخة قيل إنها جرفت أمامها الكثير قبل أن تخمد.
إننا حقاً لن ننسى... ولن ينجح الزمن في مسح صور تلك الفجيعة من ذاكرةٍ تكاد تفيض بالمآسي... وإن حاول ردمها بالوقتِ والأحداث.
إننا من بيروت ولها وإليها حتى في حزنها العظيم.

معشوقة تشبه المدينة
ريمة راعي (روائية سورية)
سألته: من تشبه؟
فأجابني، وهو يتبسّم: تشبه بيروت.
قال لي صديقي ذلك من دون شرح أو تفسير لوجه الشبه المحتمل بين امرأة ومدينة مثل بيروت. واعتبرت أنّ الكلمتين، اللتين وصف بهما تلك المرأة التي جعلته يتحوّل إلى شاعر في غمضة عين، اعتراف صريح بوقوعه في الحب، فمن تلك المرأة التي قد تشبه بيروت إن لم ينظر إليها بعين الحب؟
المرأة التي تشبه بيروت، إن وجدت، ستكون عجيبة الجمال بلا شك، وغير مسموح هنا بالأخطاء التي تحدث أثناء خلق البشر المألوفين، وهذا الجمال يستحيل أن يكون قابلاً لوضعه في لوحة أو صورة فوتوغرافية، إذ لا بد من رؤية تلك المرأة وهي تتكلم وتخبر الحكايات والنكات، وتتلو القصائد التي تحفظها عن ظهر قلب، وتدندن الأغنيات، فتطير من فمها عشرات الفراشات، لا بد من شم رائحتها، رائحة الحياة بتوابلها واحتمالاتها الكثيرة، لا بد من رؤيتها في أحد المطاعم، وهي تأكل بشهية كبيرة، ثم تطلب لقاء الشيف الذي قام بتحضير وجبتها، لتأخذ منه الوصفة؛ كي تعدّها لاحقاً لحبيب ما، لا بد من دعوتها إلى عرس ومراقبتها وهي تخلع حذاءها الأنيق العالي الكعب وترقص، ثم تجلس على كرسي وتبكي بينما تتأمل قبلة الأب الثمينة على جبين العروس. لم يكن صديقي لبنانياً، وعلاقته ببيروت مثل علاقتي بها، مقتصرة على الزيارات والذاكرة، وبالتالي هذا التشبيه لا علاقة له بالأعراض الجانبية للحنين غير المفهوم لأماكن ولادتنا، بل هو شأن خاص بالإعجاب الصرف الذي لا شوائب فيه. أتحدث اليوم عن صديقي القديم العاشق الذي لا أعرف كيف انتهت حكايته مع حبيبته شبيهة بيروت؛ كي أتحايل على الحكاية، لأنّ عليّ أن أكتب عن انفجار بيروت، فعلى ما يبدو قد مرت سنة على ذلك الدمار الذي حطّم قلوبنا جميعاً، وأجدني عاجزة عن ذلك، فأنا أيضاً مثل صديقي العاشق، لا أستطيع أن أرى بيروت إلّا تلك الساحرة، الشابة الأبدية، الأنيقة، المعشوقة، ابنة الحب والحياة والشعر والأغنيات. حسناً يا بيروت، لن أتحدث عن ذلك الحادث الأرضي الذي تسبب لك ببعض الندبات التي لن تسيء أبداً إلى بهاء طلعتك، وكل ما يمكنني قوله إن لا شيء في هذا العالم الفاني قادر على جعلك أقل جمالاً وسحراً.

مدوّنة الخلود
طالب عبد العزيز (شاعر عراقي)
كل خطاب عن بيروت سيبدو عاجزاً عن فهمها، هذه المدينة التي خُلقت لتكون باذخة في جمالها، متطرفةً في أناقتها، نبوءة لكل فردوس وعهر، لم توجد بيروت من الحجر والماء والشاطئ الطويل، إنما من الشعر والأغنية والأرز، مع يقيننا بانبعاثها ثانية وثالثة من حريقها ذاك، فالمدن الجميلة تحترق لتخلد في المدونات، وبيروت مدونة السهر، تقويم الليل والنهار، السر الكامن في جسد التحول العربي على مر الأزمنة، منها تصعد الكؤوس إلى عرش الآلهة، وتمضي مضيئةً في الأغنية. مع يقيننا بذاك كله، إلا أنَّ ما حدث كان الفجيعة عينها، وكان آلة الهدم التي أتت على أرواحنا جميعاً. ترتكب الآلهةُ حماقة أخرى إن قبلت بأحزاب الدين خلاصة لصورة بيروت، وترتكب جناية مضاعفةً إذا أيقنت ببقائها على رأس سلطتها، بل وكل فعل سياسي، خارج الطمأنينة والسلام سيكون جارحاً في جسد المدينة الأنثى. عبثاً نرمم القبح الذي يحدثه هؤلاء، وتبدو أي تسوية خارج صورتها في الذهن العربي مرهقةً أكثر. أما إذا أردنا أن نتحدث عما وقع في مرفئها، فلن نتحدث عن أطنان الحديد والإسمنت وكتل الخرسانة التي تفتّتت، أبداً، فهي آخذة طريقها إلى الإعادة، لكننا، سنظل نبحث في العنابر والمماشي والغرف التي ظلت مضاءة حتى ساعة التفجير عن خطى الولدين الواثقة من الحياة، وعن فساتين الصبايا الرافلة أبداً بقدم الغد الأجمل، وعن دنان النبيذ التي لم تمسسها شفاه العشاق، وعن كتب الشعر ومساقط الموسيقى، تلك التي ظلت عالقة بين الوجود واللاوجود.

برجها الجوزاء
أحلام بشارات (شاعرة فلسطينية)
كنت مستلقية على السرير، أتأمل، من شق الستارة بلكونة الجيران، ما يطل عليّ دون جهد في البحث عنه، فتعرضُ قطع غسيل بيروتي نفسَها أمامي. جيران استحمّوا في بيروت وهذه ملابسهم. كان أكثر ما أدهشني، في أول يوم، أني في الليلة السابقة نمت في رام الله، وفي الصباح التالي استيقظت في بيروت! إنها أيام، إذاً، وصرت أميز ملابس أهلها! هبطت من بشامون إلى فندق 35 Rome›s في الحمرا، كي أتأمل ما حصل معي، حين أصبحت فجأة دون جواز سفر. غبطتني صديقتي وأنا أصف لها الغرفة، غبطتني على الحرية التي أنام بين ذراعيها، لست متزوجة، لست واقعة في الحب، لا أنتمي إلى مكان ما، لا أكره مكاناً، ولا أرغب في الهروب إلى مكان آخر، صرت قطعة من الأرض، لا تريد من أحد أن يقطعها عن ثدي الأرض، جسم يتغذى من نفسه، ويكتفي.
كنت حينها قد أصبحت جاهزة كي أقول لصديقتي، بمنتهى الجدية: لقد عرفت برج بيروت، إنه الجوزاء!
من يومها أصبحت مغرمة بمعرفة أبراج المدن.

مشاهد قياميّة بقلب موجوع
شكير ناصر الدين (مترجم وناقد أدبي مغربي)
لا تكاد أيام البشرية تخلو من وقوع كوارث طبيعية أو من فعل بني البشر أنفسهم. أضحى تكرار نقلها عبر القنوات الفضائية من باب المعتاد والداخل في إطار الأخبار المنوّعة التي نتابعها وننساها في التوّ واللحظة، لكن القرب الوجداني يجعل تفاعل المرء مع انفجار مرفأ بيروت مغايراً تماماً لما عاينه وشاهده على مر القنوات والبلدان. القرب العاطفي يجعلنا نشاهد بكل أحاسيسنا ما حدث. نتمثل المشاهد القيامية بقلب موجوع، ومخيلة تحاول، جزافاً، رسم ملامح من كانوا هناك قبل الانفجار، وتحديد الأماكن العالقة في الذهن التي امّحت في طرفة عين. كل الذين كانوا هناك، في المرفأ وحوله، يعملون، ربما يتبادلون الأحاديث عن الأمس واليوم والغد. تلك الابتسامات والتلويحات المتبادلة. رأينا آثار الانفجار في العمران، حملت الأخبار عدد الموتى والجرحى والمفقودين. لكن لن نعرف أبداً مقدار الألم والحزن والأسى الذي خلّفه الحادث في نفوس الأقارب والأهل والجيران. لكن حتى اليوم، لم نسمع عن الفاعلين الحقيقيين، المتصلين من قريب ومن بعيد بما وقع قبل ذلك اليوم المشؤوم، وتحديد الضالعين في ارتكاب تلك الكارثة، التي غيّرت إلى اليوم وجه بيروت، بيروت الممزوجة بطين الحضارات والتي قاومت شتى أصناف الغزاة الخارجيين، لكن الفساد الضارب بأطنابه مثلما في جميع دوائر بلدان جنوب المتوسط، كان أقوى من كل الغزاة هؤلاء. الفساد المقيم في الداخل جعل من المرفأ قنبلة مدمرة قابلة للانفجار في أول لحظة. لكن بيروت علّمتنا أنها طائر فينيق حقيقي سينبعث من رماده لأن إرادة البناء عند الشعب اللبناني أقوى من كل الذين يعيثون في بيروت فساداً.

الاستدلال بالبحر
سومر شحادة (روائي سوري)
ليس بوسعي القول بأنّي أعرف بيروت. لقد أمضيتُ فيها فقط سبعة أيام خلال معرض بيروت في نهاية 2017. وحتى في تلك الأيام السبعة، لم أخرج من منزل صديقي في الأشرفية، الذي عرفتُ أخيراً أنّه استقرّ في سويسرا. طبعاً هذهِ أمور عادية، لن تحدث الفارق. سوى إن أضفت بأنّ هذه الأيام السبعة هي الأيام الوحيدة التي أمضيتها خارج اللاذقية طوال عشر سنوات من الحرب. ومع ذلك، لم يتولّد لديّ فضول الخروج من المنزل واكتشاف المكان، ذلك لأنّني لم أجد بيروت غريبة عليّ، حتى إنّني ذهبت من الأشرفية إلى البيال سيراً، من غير أن أسأل أحداً أو أستخدم الغوغل مابس، الذي لا يفارقني في مدينة مثل دمشق. ما أريد قوله، في بيروت؛ شعرتُ بأنّني لم أغادر اللاذقية، كنتُ أستدلُّ بالبحر لمعرفة الاتجاهات، وأستدلُّ بالأبنية كي أعرف الشوارع. كانت مدينة مألوفةً بالنسبة إليّ، وشعرت بأنّها مدينتي. عندما حدث انفجار 4 آب، لم أطالب نفسي بأن أكتب عن الانفجار، وبأن أتضامن مع بيروت. شعرت بأنّ الفاجعة، الانفجار الذي بدا أنّه يعيدُ خلقها مجدداً، شعرت بأنّه يحدثُ في مدينتي. على الرغم من أنّنا نرى آخرين يطالبونك بأن تتضامن مع نفسك، وبأن تعلن ذلك على الملأ. لكنّ بيروت أعمق من هذا، وأكثر ما أردته عندما شاهدنا من بعيد ما حدث لها، أن أعود إلى منزل صديقي في الأشرفية، أجلس على الشرفة التي تطلّ على الجزء الغربي من المدينة، وألعن من أدمى بيروت وفَرّط بها على ذلك النحو الإجرامي.

شريكة الألم
صفاء سالم اسكندر (شاعر وفنان تشكيلي عراقي)
«بيروت، انفجارات تهز بيروت» هذه هي الجملة التي جعلتنا نركض جميعاً ونقف متسمّرين أمام الشاشة، مذهولين من هول الفاجعة، حبسنا دموعنا، لكن لا كبرياء تنفع في إخفائها أكثر، إنها بيروت، شريكة الألم، أقول ذلك وأنا على يقين، إن العراقي وحده من يعرف ذلك الجرح، إنه الحزن يا سيدي من يجعلنا مؤمنين بهذه الفراسة. أما أنا، فسأسهر الليلة حتى الصباح، دموعي لا تتوقف: أسمع صوت فيروز «لبيروت من قلبي» حقاً لبيروت من قلبي سلام، لكن لماذا دموعي لا تتوقف؟! لا أعتقد بأني بكيت على بغداد هكذا، لكنها بيروت ما الفرق إذاً. هل الموت قدر هذه المدينة؟ نحن الضحايا الذين نتحدث كثيراً عن الحياة، المدن التي تحمل حس الفاجعة، في العراق ولبنان واليمن. سخرية كبيرة، أن نظل حالمين بالوطن، في هذه الحقيقة خوف، وفوضى. تراها هل ستظلّ الأحلام مهاجرةً؟!


القمح يجري في الدم الغزير القادم
محمد علي شمس الدين (شاعر لبناني)
في تمام الساعة السادسة إلا ثلاث دقائق وجرسين جنائزيين من يوم الثلاثاء الرابع من آب (أغسطس) 2020 انفجر العنبر الرقم ١٢ في مرفأ بيروت، وانفجر رأس المنارة التي تهدي السفن في البحر، وصار يغمض عينيه ويفتحهما كرجل يموت واقفاً. فجأة انفجرت أهراءات القمح ونيترات الأمونيوم المخزّنة قربها وتشكل عش غراب كبير من الدخان الأسود فوق رأس المدينة المشوش. واختلط لحم العمّال والناس بالقمح والحديد والحجارة وتشكل مع الأمونيوم وحل أخذ يرسو على الخراب. وفي الحوض المعتكر، طفت جثث كثيرة على المياه المحمرة لرأس بيروت وتناثرت أشلاء بشرية على سطح الماء بدأت الأسماك تتجه نحوها لتأخذ حصتها من الوليمة... السفن المقبلة من غرب الشاطئ توقفت بعيداً وحولت اتجاهها في البحر الأبيض المتوسط لتبتعد... بحّار عجوز بقي حياً نفث دخان غليونه في الهواء ونظر إلى جبال لبنان نظرة بين لا ونعم كمن يودعها ولا يريد، أن يودعها.
القاضي يلبس ثوباً أسود عليه تواشيح بيضاء على الكتفين والصدر يشير بإصبعه نحوهم يقول لهم: أنتم القتلة. هم يقولون له بل أنت القاتل. حرب طاحنة تدور في الشوارع والأزقة، وعلى الشواطئ وفي القرى وفي المنازل والعيون والحناجر... لا أحد يعرف متى بدأت ومتى تنتهي... كان هناك في هذه الأثناء ثلج بدأ يسقط على جبال لبنان ومطر غزير يهطل في الأودية وعلى السهول وكانت حقول القمح في القرى وعلى المنحدرات والسهول والتلال تتماوج وتمتلئ بالسنابل..... وكان القمح يجري في الدم الغزير القادم.
■ ■ ■


يوم عُلّقَت على خشبة
محمد ناصر الدين
كنت أرتب مكتبتي عند السادسة وثماني دقائق. اشتريت قبلها بساعة من مجموعة لبيع الكتب المستعملة على الفيسبوك كتاب «تاريخ بغداد، بغداد مدينة السلام» للخطيب البغدادي. كنت أفكر بالعنوان وأنا أسلك الطريق رجوعاً إلى بيتي من منطقة جل الديب مروراً بمرفأ بيروت عند الخامسة، وطرحت على نفسي سؤالاً صعباً: «هل تدافع عنّا الكتب لو مررنا مثلاً، كما في بغداد، من فوق جسر الأئمة، وفاجأنا الانتحاريون بالأحزمة الناسفة؟». صففت الأجزاء الأولى من مجموعة «تاريخ بغداد» في المكتبة، لتميد البناية بأكملها بي والكتب ذهاباً وإياباً ثلاث مرات. حين استفقت من الصدمة، كان الجزء الذي يروي صلب الحلّاج مفتوحاً على مصراعيه. بلى، صُلبَت بيروت، ولم تنفعها كل الكتب يوم عُلّقت على خشبة.


New Page 1