الحياة الحلوة .......... :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


الحياة الحلوة ..........

جميل مطر - على الطريق
25-11-2021
في موقعي المعتاد على رصيف شارع رئيسي من شوارع روما الجميلة جلست أرشف من مشروبي المفضل وأدخن من السجائر نوعا عجل بعد سنين عديدة في إصابتي بمكروه كثيرا ما يصيب مدمني التدخين. لم يكن يخطر ببالي وأنا في هذه السن المبكرة أنه يمكن أن أصاب بأي مكروه إلا بالحوادث لا قدر الله. غريبة هذه الأقدار، ففي هذه المدينة البديعة التي كلفت بالعمل فيها قدر لي أن أقرر إجراء عملية جراحية كبرى ثبت خلالها أن الأطباء أخطأوا التشخيص وقراءة صور الأشعة. في النهاية، أي في صباح اليوم التالي للجراحة التي ألقت نتائجها باللائمة على أطباء التشخيص في كل من النمسا وإيطاليا اعترف الجراح الكبير بأن القديسة راعية هذا المشفى المسمى باسمها تدخلت فأنقذتني قبل أن تمتد يد الجراح إلى معدتي تقطع منها أجزاء. قال وعيناه تفيضان بإيمان قوي وصادق، “القديسة تحبك. سبقتني إلى موقع الألم والالتهاب وعندما وصلنا لم نجد أثرا لعلة أو أخرى”.

تعودت قضاء ساعتين أو ثلاث مرتين كل أسبوع في هذا المقهى الشهير (كافيه دى باري- Café de Paris) أشاهد نوعا مختلفا من بني البشر يمشون على الرصيف ذاته الذي انتصبت فيه الشماسي واصطفت الموائد والمقاعد. المتمشون رجالا ونساء يتفرجون على الجالسين نساء ورجالا. كلهم بدون استثناء يرتدون أفخر ما في خزائنهم من ملابس وأحذية. منتهى الأناقة كما اشتهرت بها إيطاليا في مدن الأزياء في ذلك الحين. العروض تتوالى على امتداد السهرة. مشروبي المفضل يتكرر هو نفسه بدون استئذاني معظم المرات وبهزة رأس وابتسامة من النادل خفيف الظل مرات أخرى. حدث كثيرا أن يمر شخص أعرفه أو يعرفني فيتوقف ليتحدث فيما يعنيني أو لا يعنيني ويواصل سيره إن لم يجد الترحيب أو بوادر استعداد لتوجيه دعوة استضافة. دعوني أعترف أنني في الحقيقة لم أكن أرحب بهذا النوع من الزيارات. أولا كانت أثمان المشروبات والمأكولات في هذا المقهى على وجه الخصوص مبالغا فيها وثانيا كانت مرتباتنا أنا وزملائي متواضعة. كان البعض منا يخصص فائضا للإنفاق على نزهة نهاية الأسبوع على شاطئ “اوستيا” القريب من روما ويتجاهل متعة الجلوس على مقاهي هذا الشارع العتيد، وكان البعض الآخر ينفق جانبا من الفائض على سهراته بهذا المقهى والجانب الآخر ينفقه على زيارة سريعة للشاطئ في يوم من أيام نهاية الأسبوع.

هذا التقتير في الإنفاق لم يحرمني من إقامة صداقات مع بعض زبائن هذا الشارع الذي اشتهر في العالم الخارجي باسمه الإيطالي (فيا فينيتو- Via Veneto). تعرفت من خلال هذا المقهى، بين من تعرفت، إلى شاب مصري يحضر للدكتوراه في فرع من فروع تاريخ القانون الروماني وإلى سيدة في عمر الشباب من اليمن تدرس باختيارها وعلى نفقتها الخاصة تطور الفنون الإيطالية وعلاقة هذه الفنون بأحوال إيطاليا الاجتماعية أي بتطور النظام الطبقي وأدوار الكنيسة. أحببت جدا هذه الصحبة ولم أبخل على استضافتهما عند زياراتهما منفردين أو مجتمعين إلى المقهى. بفضلهما، وأفضال غيرهما، اطلعت على الحقيقة الإيطالية شبه كاملة. إيطاليا التي عرفتها لا تختفي وراء مساحيق. تعرف أنها جميلة بطبيعتها بل خلابة. تسلب الألباب ولا تنتظر ثناء أو مديحا. تعرف أنها تستطيع أن تعيش في بحبوحة لقرون عديدة أخرى فالرومان على امتداد الزمن تركوا آثارا وأبدعوا فنونا لا تفنى. يبقى الأمل معلقا بالبشر، سلالة هذا التاريخ الممتد، ليجددوا ويحفظوا ما تركه الأسلاف.

•••

سألتهما “تعيش إيطاليا هذه الأيام مرحلة أطلق عليها الغرب تعبير المعجزة الإيطالية نسبة إلى ما تحقق من إنجازات اقتصادية في ظل ديموقراطية من نوع فريد، وفي ظل مذهب ديني متزمت. أريد منكما، أو من أحدكما على الأقل، شرحا تفصيليا لظاهرة “الحياة الحلوة” (لا دولشي فيتا- La Dolce Vita) الظاهرة التي استحقت إعجاب وحسد شعوب ودول كثيرة. أعرف أنكما تقفان في وسط هذه الظاهرة مستمتعين ومنبهرين. أعرف أيضا أنها انعكست عليكما فتقاربتما في العلاقة حتى الاندماج عاطفيا.

“تسألاني من أين نبدأ. أجيب أن الفضول يطاردني كلما وصلت إلى مسمعي قصة حب. هل أبالغ إذا قلت أن العواطف التي تتبادلانها تكشف عنها عيونكما. هذه النظرة لم تكن موجودة عندما قدمتكما قبل شهور قليلة الواحد إلى الأخرى. أستطيع أن أصف نظرتك يا صديقتي في الأيام الأولى لك في روما. نظرة حالم تحقق حلمه. رأيت فيها حب إنسانة لكل شيء هنا. رأيتك تعشقين الحجر، تفهمت هذا الحب. فالحجر هنا له تاريخ، تاريخ أقدم من تاريخ الوطن والدين والمواطن وملايين الإيطاليين. توقعت ذات يوم وأنت جالسة أمامي على نفس هذه المائدة تنظرين معي إلى المارات والمارين على الرصيف، توقعت أكثر من مرة أن تنهضي من مقعدك لتحضني شابا أو آخر من بين المارين. كنت تسألين، أو في الحقيقة تستشهدين برأيي، إن كان هذا الشاب أو ذاك يشبه الرجال في التماثيل المنتشرة في ميادين روما وبعض كنائسها. عرفتك فنانة تدرس الفن وتتفهم ما وراءه وتحفظ ما نسج حوله من حكايات. وعرفتك امرأة تلفت الأنظار بجمال تقاطيعها وسمرتها الأخاذة وشعرها الأسود المتوهج لمعانا يخطف الأفئدة، عرفتك امرأة كاملة لا تحفلين إلا بالرجل الكامل”.

قاطعتني بعد استئذان قائلة “صديقي الغالي، هل تصدقني إن قلت لك أن لفحة من السحر زرعت الحب في قلبي. عشت في هذه المدينة فتاة في حالة حب عام إن ينفع التعبير. لم أكن وحدي. وجدت الناس، كل الناس، في حالة حب. المعلمة التي تعلمني فلسفة الجمال انطلقت تعلمنا فلسفة الحب. اكتشفت، كما قالت، أن الحب والجمال وجهان لظاهرة واحدة تتجدد خلال القرون، هي الحياة الحلوة. مرحلة في حياة أمة يزدهر فيها الحب ومعه تنتعش التجارة والصناعة وترتقي الفنون ويتطهر السياسيون ويحلو العيش وتصفو القلوب. قررت مديرة المعهد أن نقضي كل صباح ساعة نغني. صدقني وأنا أقول أننا اكتشفنا أن لنا أصوات جميلة. أعدك بأن أسمعك صوتي يغني لك من روائع الغناء الإيطالي الحديث والأوبرالي ما تختار. لن أخجل. صرت أغني وأنا أشتغل بالبيت، وأنا أعد طعامي. وأنا أحتفي بأحبائي. اسأل الرجل الذي أحبه حبا جما، الرجل الجالس أمامك. اسأله كم غنينا معا. اسأله كيف اكتشف نفسه من جديد، هنا ومعي.

“صديقي، أجبتك. أسألك بدوري، ألم تشعر أنت نفسك بلفحة السحر هذه التي حدثتك عنها. أعرف أنها لفحتك. أعرف فأنا امرأة وأعرف لأنك شغوف باللحظة التي تعيشها. أعرف لأنك اخترتني من بين ملايين النساء لأكون من المقربات”.

•••

عدنا فالتقينا بعد عشرين عاما. جرى اللقاء في عاصمة عربية. رفعت النادلة صحون العشاء. لم تمس الكؤوس، تركتها فارغة ولم تهتم بإعادة ملئها ولم نهتم. سألتني صديقتي “أما وقد رفعت الصحون وفرغت الكؤوس أجد من حقي عليك أن أطلب منك النظر إلى وجهي، أسألك بعد أن لاحظت أنك لم تنظر إليه كما تعودت نظرتك الفاحصة الدافئة، أو كانت دافئة، أسألك الرأي فيه. تجاهلت السؤال وطال الصمت. أشحت بوجهي والعرق متصبب والألم جارح، بعد الصمت الطويل رحت أسأل عن أحوال عائلتها الممتدة، سألت عن جدودها وجداتها وعن الأعمام المقيمين في القاهرة، لم أسأل عن حبيبها الذي كانت تغني له ومعه في روما في زمن الحياة الحلوة…


New Page 1