كسرة الخبز لا تُقايَض بالديمقراطية :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


كسرة الخبز لا تُقايَض بالديمقراطية

راجي مهدي - 180Post
20-09-2022
لا يبدو السؤال جديداً، لكن في تقديري لا إجابة شافية تم تقديمها: هل هناك تناقض – في البلدان الطرفية – بين الديمقراطية ودولة التنمية المسؤولة اجتماعياً إن جاز الوصف؟ تبدو نماذج تلك الدول متنوعة بدءاً من نموذج الدولة الناصرية التي ألهمت طيفاً واسعاً من بلدان الجنوب التاريخي (سوريا، العراق، ليبيا، والجزائر) وانتهاءً بالاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الاشتراكية! لا نستهدف هنا تقديم إجابة قاطعة على السؤال الذي هو محور جدل تاريخي تم تعزيزه بانهيار كل التجارب المذكورة ومآلاتها التي تتضح الآن في هجوم امبريالي كاسح قام بتفسيخ شبكات الضمان الاجتماعي المؤسسة على أرضية من قطاع دولة فعال وتخطيط مركزي ورقابة على الأسواق. إنما نستهدف فقط إعادة إحياء السؤال، بما يخدم بناء استراتيجية تحرير متماسكة في مواجهة المد الفاشستي، أي في مواجهة رأسمالية طال زمن أفولها! في العام 2011 عمّت البلدان العربية موجة انتفاضية بدأت من تونس (نهاية 2010) وشملت مصر وسوريا واليمن، ثم عرجت على ليبيا! لسنا هنا بصدد تشخيص ما حدث في حالة كل بلد، وإن كنت أميل إلى فصل حالتي مصر وتونس عن حالة سوريا، وتلك عن حالة ليبيا التي بدت شديدة التفرد! كانت ليبيا حالة اجتماعية مرتبكة، تتعامل قطاعات كبيرة من اليسار التقليدي مع قضية الرفاه الاجتماعي باعتبارها الحد الأدنى الذي يعد تحققه حصانة ضد أي تمدد ثوري. من هنا كانت تعليقات الراحلين فيديل كاسترو وهوجو تشافيز عن ما كان يحدث في ليبيا قبل مقتل معمر القذافي هي الدافع لإعادة فتح الموضوع وطرح السؤال! حاجَج كاسترو ومعه تشافيز بأن ليبيا دولة غنية لا تعاني قطاعاتها الجماهيرية الأوسع من أي حرمانات بالمقارنة مع الجماهير المصرية والتونسية، وكانت ليبيا فضاءً مفتوحاً ومكتظاً بفرص العمل لبلدان الجوار. ومع تأكيدنا بأنه في الحالة الليبية لم تكن هناك هياكل جماهيرية واضحة يمكن تمييز طبيعة تحركها، وأن تدخل الناتو كان تتويجاً للمساعي الغربية بنسف سلطة القذافي، فإن السؤال يبقى معلقاً: هل هناك تناقض بين خبز الجماهير وحقها في التنظيم والتعبير؟ إن الجماهير لا تتوق إلى الخبز فقط، بل ولصنع مصيرها أيضاً. إن كسرة الخبز لا تُقايَض بالديمقراطية بل إن الحق في كسرة الخبز والحق في الديمقراطية، ديمقراطية الملايين التي طال زمان قمعها وتغييب صوتها، هما طرف في تناقض واضح مع الكمبرادور الخادم لسيده الامبريالي، هذا ما علمتنا إياه التجارب إن كل التجارب فشلت في إيجاد وفهم العلاقة بين الديمقراطية الجماهيرية وبين دولة تنمية مستقلة، وكأن هذا التناقض صار أبدياً؛ نظام تنمية شعبية مستقلة يجد نفسه في حالة عداء بديهي مع قوى السوق المحلية والاحتكارات الدولية التي تتحسس من كل إجراء يستهدف تحجيم حركة رأس المال الاحتكاري في أسواق الأطراف الخصبة بقوة العمل الرخيصة؛ ضعف الحركات الشعبية الذي يبقي الأجور في الحضيض؛ رخص المواد الخام؛ هياكل إنتاجية مشوهة تخدم استثمارات الرأسمال المالي الدولي بما يحقق أقصى فائض قيمة. إن فائض الإنتاج وفائض رؤوس الأموال يدفع شره الامبريالية وحاجتها لأسواق لرؤوس أموالها وسلعها الفائضة. هذا يعني أن كل سلطة تسعى لأدنى قدر من حماية أسواقها وتحجيم تدفق رؤوس الأموال الأجنبية ستجد نفسها في تناقض مباشر مع الامبريالية. إن الشكل الأمني لإدارة هذا التناقض، كان هو السائد في غالبية تجارب التحرر الوطني وتجارب الاشتراكية الأولى. إن الدولة الوطنية تعني خبز الجماهير، وسيادتها على أراضيها، أي أنها دولة التناقض مع الامبريالية. لكن تم ضرب الديمقراطية – إلى هذا الحد أو ذاك – في سياق هذا التناقض التاريخي، ضُربت المنظمات النقابية؛ صودرت حرية التنظيم السياسي للطبقة العاملة والفلاحين؛ مورست كافة أشكال التقييد والقمع ضد المنابر الشعبية على مذبح سلامة النظام ضد العدو الطبقي الداخلي والتسللات الخارجية؛ خُنِقت كل إمكانية لتوسيع القاعدة الاجتماعية للنظام. هل كان تقييد الديمقراطية وضربها وشطبها من معادلة التناقض حتمياً بمعنى أنه كان ضرورة أملتها الظروف التاريخية، أم أنه كان تعبيراً عن مصالح طبقية محددة رأت في دمقرطة النظام خطراً على هيمنتها الطبقية؟ ما هي الديمقراطية إذن؟ لا يدور في أذهاننا مناقشة القضية الديمقراطية من موقع الديمقراطية البرجوازية، بما أننا نتحدث عن دولة تمثل قطاعات جماهيرية واسعة في بلاد طرفية تابعة تسعى للفكاك؛ قطاعات فشلت الديمقراطية الغربية في تمثيل مصالحها سواء في المركز أو الأطراف إلى الحد الذي يمكننا أن نقول أن الديمقراطية البرجوازية هي آلية استثناء، ميكانيزم ضرب مصالح القطاعات الجماهيرية الشعبية! إننا نتحدث عن الديمقراطية التي هي في التحليل الأخير شكل إدارة الصراع الوطني – الطبقي مع الامبريالية وقواها المحلية في بلدان الجنوب التاريخي الساعية للفكاك من قيودها. الديمقراطية التي لا يمكن أن تكون جثتها هي ثمن خبز الجماهير بل الديمقراطية التي هي بالذات آلية حماية وتدعيم دولة الجماهير وسلطتها الطبقية في مواجهة ضارية مع امبرياليي المركز وكمبرادوريي الداخل. إقرأ على موقع 180 مصر.. معنى الجمهورية وأن تكون جديدة ليست الديمقراطية الشعبية عملية موجهة. إنها تعني تمكين الجماهير الشعبية عبر تنظيمها من خوض الصراع الطبقي. إنها تعني إطلاق الجدل الاجتماعي دون أن يعني هذا إطلاق أيدي البرجوازية في الصراع، بل تشديد ضرب البرجوازية عبر اجتثاثها جماهيرياً. في المصنع والحقل والجامعة والنقابة والتعاونية. لا بد من تحرير التنظيم الشعبي من رقابة الدولة وهو ما يجب أن يكون النتيجة المنطقية للأرضية الطبقية المشتركة التي تقف عليها الدولة والتنظيم الشعبي. إن جدل الأمن والديمقراطية، الذي طغى فيه الأمن على الديمقراطية وسحقها، هو جدل بين المحتوى الطبقي الحقيقي للنظام – السلطة وبين الشعارات المرفوعة، فكان السماح بإطلاق الحركة الجماهيرية يعني وضع المزيد من الضغط على أنظمة تناور! بالعودة إلى السؤال الرئيسي: هل هناك تناقض بين الديمقراطية والخبز؟ إن القضية هي كيفية خلق آلية بديلة لتأمين بقاء نظام في محيط امبريالي؛ آلية تعتمد على مزيج من الرقابة الجماهيرية الديمقراطية، التي تصبح هي جهاز الأمن الرئيسي لدى دولة الديمقراطية الشعبية. يأتي هذا في إطار تفسيخ جهاز الدولة البرجوازية القديم، المشبع بروح العداء للجماهير، ليقوم على أنقاضه جهاز هو في جوهره الطبقي يمثل الجوهر الطبقي للحركة الجماهيرية الشعبية. بالطبع كان خلق مثل هذه التركيبة صعباً في ما يخص البلدان العربية التي قامت حكوماتها الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة تحرك الطلائع العسكرية، والتي كانت طبقياً تقف في نقطة تأرجح طبقي خاضعة لاعتبارات الوضع المحلي والإقليمي والدولي ما كان يعني أنها كانت طبقياً تلعب على طيفٍ واسع لا يمكن أن يتشكل منه قوام أي أجهزة ديمقراطية. لقد أدركت تلك الأنظمة خطورة السماح بتشكيل حركة جماهيرية واعية تخوض الصراع الطبقي، أي إطلاق الصراع من داخل الطبقة إلى المجتمع الذي يتولى هو ديمقراطياً حسم الصراع عبر أبنيته الجماهيرية الديمقراطية على خلفية المد الثوري التاريخي الذي حرق الأرض تحت أقدام الاستعمار. إن المعادلة تحتاج فهماً جدلياً للقضية، فالأمن ليس نقيض الديمقراطية الشعبية؛ الأمن هو الديمقراطية الشعبية تحديداً! لقد أثبتت التجربة التاريخية أن برجوازيات البلاد الطرفية قد فاتها قطار الثورة الوطنية الديمقراطية، لأن تلك الثورة لم يعد بالإمكان في زمننا هذا فصلها عن الثورة الاشتراكية التي هي بالذات قضية كتلة طبقية محكومة حتمياً بالتناقض مع تلك البرجوازية وسيدها الدولي. من جهة ثانية، فإن تلك الأنظمة فشلت في الحفاظ على ما تحقق بدم الجماهير الشعبية تحديداً لأن تلك الجماهير جرى استخدامها دون أي تفكير في فتح المجال لعملية دخولها الحر في الجدلية الثورية. إن غياب الديمقراطية الشعبية التي جرى استهلاكها كشعار هو جزء من التناقض الذي حسم مسار تلك التجارب وحكم بفشلها. إن الجماهير لا تتوق إلى الخبز فقط، بل ولصنع مصيرها أيضاً. إن كسرة الخبز لا تُقايَض بالديمقراطية بل إن الحق في كسرة الخبز والحق في الديمقراطية، ديمقراطية الملايين التي طال زمان قمعها وتغييب صوتها، هما طرف في تناقض واضح مع الكمبرادور الخادم لسيده الامبريالي، هذا ما علمتنا إياه التجارب التي رمت لشعوبها بعضاً من حق في التعليم والغذاء والكساء وحرمته حق الكلام حتى جاء المُستعمِر بعد أن مهدت طبقاته الوكيلة الأرض له، جاء برؤوس أمواله أو بدباباته كي لا يذر لا كسرة الخبز ولا أياً من بقايا وعد الرفاه! لذا فإن الديمقراطية هي قضية طبقية، هي قضية: لمن السيادة، في علاقات الإنتاج، وفي البنية الفوقية على المستوى السياسي والحقوقي، إن الديمقراطية هي قضية المحتوى الطبقي للثورة!


New Page 1