بعد الإفقار والحصار والتجويع حانت الوصاية والتطويع - كتب عدنان الساحلي :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


بعد الإفقار والحصار والتجويع حانت الوصاية والتطويع - كتب عدنان الساحلي

نفذ المسؤولون اللبنانيون كل، أو معظم مطالب صندوق النقد الدولي، التي أفقرت الشعب اللبناني وحمّلت الفقراء ومحدودي الدخل عبء الأزمة المالية-الإقتصادية، التي بدأت فصولها، منذ ما بعد إتفاق الطائف، تحت شعار إعمار ما هدمته الحرب، بهدف جر لبنان لينضم إلى صف أنظمة الخيانة والتطبيع مع العدو الإسرائيلي". ومنذ يومين وصل إلى بيروت "السفير المكلف تنسيق الدعم الدولي للبنان بيار دوكان"، حسب تسمية السفارة الفرنسية له، "في إطار مهمة تتعلق بدعم فرنسا للنهوض بقطاع الطاقة في لبنان. وسيقوم بالمناسبة بتقييم وضع مشروع شبكات الربط البيني في مجال الطاقة، لا سيما استجرار الغاز من مصر والكهرباء من الأردن". أيضاً حسب تعريف سفارة بلاده لمهمته.

لكن سرعان ما كشف دوكان في تصريحاته، عن أن مهمته، لا تقتصر على الوساطة لإنجاز المهمة المذكورة. إذ لفت "الى ضرورة تنفيذ الشرطين، اللذين طلبهما البنك الدولي للمساعدة في قطاع الطاقة؛ وهما التدقيق في حسابات كهرباء لبنان والبدء بتشكيل الهيئة الناظمة للكهرباء".

وشدد في تصريحاته، خلال زياراته المسؤولين اللبنانيين "على وجوب استكمال الخطوات المطلوبة لتوقيع الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي، الذي يمثل بالنسبة لفرنسا وللمجتمع الدولي الممر الاساسي لاعادة التعافي الى الاقتصاد اللبناني؛ والحصول على مساعدات تتعدى ما هو متوقع الحصول عليه من صندوق النقد. هذا الاتفاق يعزز الثقة الدولية بلبنان وبمؤسساته وبالعمل الحكومي".

وأكد انه "يزور لبنان في اطار جولة قادته الى مصر والاردن في اطار السعي لدعم لبنان في مجال الطاقة". ولفت إلى انه "سيزور الولايات المتحدة الاميركية خلال اسبوعين، للبحث مع المسؤولين الاميركيين في السبل الايلة الى تحييد ملف الكهرباء عن "قانون قيصر"، بما يتيح مساعدة لبنان في حل أزمة الطاقة". وهو كان قبل مجيئه الى لبنان، حثّ المسؤولين اللبنانيين "على توحيد سعر صرف العملة"؛ وهو أحد شروط الاتفاق مع صندوق النقد. وعلى "بدء التدقيق الجنائي في مصرف لبنان". وسبق له أن وجه مطالب وتصرف في زياراته السابقة للبنان، كأنه "المندوب السامي" لمؤتمر "سيدر" وغيره من "مؤتمرات دعم لبنان"، حيث وجه "أوامر" للحكومة للقيام باجراءات عدة، منها زيادة تعرفة الكهرباء وزيادة الجعالة على البنزين.

ونقل دوكان لوزير الطاقة والمياه وليد فياض، رسالة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "وتوجيهه لبذل الجهود، لتذليل العقبات من أمام تنفيذ اتفاقيات نقل الغاز من مصر والكهرباء من الأردن". فيما أوضح فياض انه زود دوكان بالوثائق، التي تثبت "الكم الهائل من الأعمال التي قامت بها الوزارة، تلبيةً لشروط البنك الدولي؛ ومنها نُسخ عن العقود الموقعة مع كل من الاردن ومصر وسورية؛ وملف التمويل كما حضّره البنك الدولي؛ والذي كان جاهزاً منذ آذار 2022 متضمناً وثيقة تقييم المشروع ومسودة اتفاقية القرض، تمهيداً لإدخالنا في مرحلة المفاوضات، قبل أن يعود ويُجّمد البنك الدولي هذا الموضوع، أي التمويل".

كذلك، ناقش دوكان خلال إجتماعه مع الهيئات الإقتصادية "الأوضاع في لبنان بشكل عام؛ والوضع الإقتصادي والإجتماعي وخطة التعافي الإقتصادي والمالي، للإنتهاء من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي". وشدد "على أنه لا بديل عن التوقيع السريع للغاية، على برنامج مع صندوق النقد الدولي، على أساس الاتفاق التقني الذي أبرم في بداية نيسان الماضي بين الحكومة اللبنانية والصندوق". علماً أن ما يعد فيه صندوق النقد، هو إقراض لبنان ثلاثة مليارات دولار، على دفعات، أي أن تنفيذ شروط الصندوق التي أثقلت ظهور اللبنانيين وافقرت جيوبهم، لا تسمن ولا تغني عن جوع، فخسائر ميزانيّات النظام المالي اللبناني، تتجاوز 73 مليار دولار، بحسب أرقام الحكومة اللبنانيّة. علماً أن تعقيدات المفاوضات مع الصندوق، لم ترتبط بشروطه القاسية على المستوى الاجتماعي، إذ إنّ الدولة اللبنانيّة نفذت خلال السنوات الثلاث الأخيرة ما هو أقسى بكثير من شروط الصندوق التي طلبها.

فمنذ بروز الانهيار في أواخر العام 2019، قامت الحكومات اللبنانية برفع الدعم عن استيراد المحروقات والمواد الغذائيّة والمستلزمات الطبيّة، بالإضافة إلى معظم أصناف الأدوية. كما تجنبت تصحيح أجور العاملين في القطاع العام بهدف التخلص منهم، رغم خسارة العملة المحليّة ورواتب الموظّفين 97% من قيمتها. وانسحب المصرف المركزي من مهمّة تأمين الدولارات للمستوردين، ما ربط أسعار جميع السلع بسعر الدولار في السوق الموازية، حيث تخطى سعر صرف الدولار الستين ألف ليرة حتى الساعة؛ وتخطى سعر صفيحة البنزين المليون ليرة. وباتت ربطة الخبز بخمسين الفاً. أي أن الدولة اللبنانيّة نفذت كل السياسات التقشفيّة التي يطلبها صندوق النقد عادة.

واللافت أن جولة دوكان وزيارته بيروت، تواكبت مع إعلان المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية، آن كلير ليجاندر، أن باريس ستستضيف الإثنين المقبل اجتماعاً مُخصّصاً للبنان، يضمّ ممثّلين عن خمس دول هي: فرنسا، الولايات المتحدة، السعودية، قطر ومصر. مما يذكرنا بتدخل الدول الخمس: فرنسا، بريطانيا، النّمسا، بروسيا وروسيا إضافةً إلى الدّولة العثمانيّة، الذي انتج ما يعرف بنظام متصرفية جبل لبنان. وبتحول الإحتلال التركي إلى نظام وصاية تشارك فيه الدول الأوروبية، التي صنعت بدعة المتصرفية ووضعت حجر الأساس للوصاية الأجنبية، التي إستدعت الإنتداب الفرنسي، الذي تولى من جهته إقامة النظام الطائفي في لبنان، القائم على المحاصصة والفساد المحمي بقوة تحالف زعماء الطوائف وكبار الأثرياء، المحميين بدورهم من دول الغرب الإستعماري، لأنهم خدام مصالحه وضاربين بسيفه.

وقالت ليجاندر، إن وزيرة الخارجية الفرنسية الموجودة في الرياض، بحثت مع السعوديين وبقية شركائها في المنطقة سبل تشجيع الطبقة السياسية اللبنانية على تحمّل مسؤولياتها وإيجاد مخرج للأزمة. أي أن مؤتمر باريس سيكون مؤتمر وصاية على لبنان "لإجبار الطبقة السياسية على تحمل مسؤولياتها". وبالتالي، فإن تحركات دوكان وتصريحاته، تؤكد أنه مندوب الدول الخمس الممثلة في مؤتمر باريس وليس وسيط إستجرارالكهرباء والغاز للبنان فقط. وأن ما ينتظر لبنان من ذلك المؤتمر، قد يكون اشبه بالبيان الذي أملاه وزير خارجية الكويت، باسم دول الخليج، الذي حمل رسائل تسلط على لبنان "لبناء الثقة". وذلك بعد طرد السعودية والبحرين والكويت دبلوماسيين لبنانيين.

ووفق التوقعات، فإن المؤتمر المذكور، سيحدث ضجة وسيكون سبب خلاف جديد بين اللبنانيين، فهو سيتدخل في تفاصيل إنتخابات الرئاسة؛ وفي نوعية الحلول للأزمة الإقتصادية-الإجتماعية؛ وفي تشكيل "حكومة ثقة" تكون مطواعة أمام المشاريع الأميركية، فالدول الخمس المذكورة تتبع الإدارة الأميركية في كل شيء. ولا تتجرأ على مخالفة سياساتها وتوجهاتها. وفي كل الحالات سيكون هجمة جديدة لفرض وصاية على لبنان، من دول تدعي أنها ترفض تدخل الآخرين في شؤونه.

ومهمة دوكان هذه، هي من ضمن حملة الضغط على لبنان واللبنانيين، فهي إستكملت بتصريح لنائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، فريد بلحاج، الذي يزور لبنان هذه الأيام، حيث "نعى" عملية تمويل البنك لملف استجرار الغاز والكهرباء من مصر والأردن، بعدما ربط العملية بالاصلاحات التي "لا تزال بعيدة" في قطاع الكهرباء، على حدّ قوله. ومنها مسألة التدقيق في حسابات مؤسسة كهرباء لبنان؛ وانشاء الهيئة الناظمة للكهرباء وتصحيح أسعارها، علماً أن قرار مضاعفة ودولرة تعرفة الكهرباء صدرت وبدأ تطبيقها. وبالتالي، تصبح مهمة دوكان غير ما يدعيه. من هنا، يدرك معظم اللبنانيين، أن الأزمة المالية التي تواجههم هذه الأيام، مفتعلة، حيكت ما بين المندوبين الغربيين ومعظم أركان السلطة، الذي تولوا خلال العقود الثلاثة الماضية ضرب ركائز الإقتصاد اللبناني، عبر الهدر والسرقة ومراكمة الديون؛ ومحاربة الصناعة وتهميش الزراعة؛ وترك الحبل على غاربه للمصارف، التي يملكون معظم ودائعها. وهم بلعبة المضاربة بالدولار الحالية وضرب القيمة الشرائية لليرة اللبنانية، إنما يخنقون حياة اللبنانيين، لإجبارهم على القبول بما هو أقصى وأشد إجراماً بحق لبنان؛ وهو زيادة الديون والتصرف بأملاك الدولة وبيع الذهب، حتى لا تبقى للبنانيين قدرة على رفض التطبيع مع العدو "الإسرائيلي"، أو مواجهة القرار الغربي-الخليجي، بتوطين الفلسطينيين ودمج السوريين، فمعركة حماية الكيان الصهيوني متواصلة ومحاربة سورية والمقاومة مستمرة؛ واللصوص الذين سرقوا أموال اللبنانيين لا يؤمن لهم جانب.


New Page 1